لم تعد المسألة الإيرانية الأمريكية محكومة بإيقاع الحرب وحده. ثمة شيء آخر يتشكل تحت سطح المواجهة: أزمة طويلة تتغير أدواتها، وتدخلها الوساطات والاقتصاد والانتخابات وأمن الملاحة وحسابات الحلفاء. الخطر هنا أن تتوقف الأطراف عن البحث عن نهاية للصراع، وتبدأ في بناء سياساتها على افتراض بقائه وإدارته.

ربما لم تتوقف الحرب، لكنها غيّرت إيقاعها. فالمنطقة التي عاشت خلال الفترة الماضية على وقع العمليات العسكرية بدأت تدخل في مرحلة مختلفة: وفود تتحرك، ووسطاء يتنقلون، وتصريحات تتوالى، ومقترحات تتبدل، فيما تبقى القضايا الأساسية معلقة. وهذه هي لحظة التحول من الحرب إلى الأزمة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 ترمب في وضع صعب.. شعبية متراجعة وعدالة مسيّسة ومخاوف من قانون التمرد
* list 2 of 2 الأرض للناتو والسماء لروسيا والشارع منقسم.. لاتفيا التي تحدّق في مصير أوكرانيا end of list

المشكلة في الأزمات الطويلة أنها تبدأ بفعل عسكري واضح، ثم تتغير طبيعتها تدريجيا حتى تصبح حالة سياسية واقتصادية وأمنية ممتدة. في البداية ينتظر الجميع نهاية الحرب، ثم يبدؤون في البحث عن طرق للتعامل معها، ومع مرور الوقت يصبح السؤال أقل ارتباطا بموعد انتهائها وأكثر ارتباطا بكيفية التعايش مع استمرارها. وهذا التحول هو ما يستحق التوقف عنده في الحالة الإيرانية الأمريكية.

لقد تراجع الإيقاع العسكري للمواجهة، واحتل مكانه إيقاع آخر أكثر بطئا وتعقيدا. هناك اتصالات ووساطات، ووفود تحمل الرسائل، ومؤتمرات وتصريحات، وشروط متبادلة، وحديث عن تفاوض وعن مراحل يمكن أن تقود إلى اتفاق. وفي المقابل، ما زالت القضايا التي فجرت الأزمة نفسها قائمة: البرنامج النووي الإيراني، العقوبات، الأموال الإيرانية المجمدة، الحصار، ومضيق هرمز وما يرتبط به من أمن الملاحة والطاقة.

كلما طال أمد الأزمة، زادت الحاجة إلى حلها، وفي الوقت نفسه يصبح استمرارها أسهل من الناحية السياسية إذا تعلمت الأطراف كيف تدير تكلفتها. هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الاستثناء إلى واقع، ويبدأ العالم في التعامل مع الأزمة باعتبارها ملفا دائما يحتاج إلى إدارة مستمرة

وهنا يصبح الوقت جزءا من الصراع. كل طرف يحاول استخدامه لمصلحته، وكلما طال الانتظار تغيرت الحسابات. الولايات المتحدة تراهن على أن الضغط الاقتصادي والسياسي يمكن أن يدفع إيران إلى تقديم تنازلات أوسع، وإيران تراهن على أن استمرار الأزمة له كلفة على الولايات المتحدة وحلفائها وعلى الاقتصاد العالمي، وأن هذه الكلفة يمكن أن تفتح لها مجالا أوسع للتفاوض.

إعلان

ولهذا فإن السؤال حول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يتعلق فقط بما إذا كان يريد اتفاقا مع طهران، وإنما بنوع الاتفاق الذي يريده، وبالثمن الذي يريد أن تحصل عليه الولايات المتحدة مقابل تخفيف الضغط. فرفع العقوبات، أو السماح لإيران باستعادة جزء من أموالها، أو تخفيف القيود الاقتصادية، كلها أوراق تفاوضية لا تبدو واشنطن مستعدة للتعامل معها من دون مقابل واضح. وطهران، في المقابل، لا تريد أن تقدم تنازلاتها الأساسية في بداية الطريق من دون ضمانات بشأن ما ستحصل عليه.

لكن هناك عاملا آخر يفرض نفسه على هذه الحسابات، وهو الوقت السياسي في واشنطن. كلما اقتربت الانتخابات وتعقد المشهد الداخلي الأمريكي، أصبح توقيت أي اتفاق أكثر حساسية.

الرئيس الأمريكي يستطيع اتخاذ قرار في السياسة الخارجية، لكنه لا يتحرك في فراغ سياسي. أسعار الطاقة، وكلفة الحرب، وأمن الملاحة، وأثر الأزمة على الاقتصاد الأمريكي، كلها عوامل يمكن أن تدخل في النقاش الداخلي وتؤثر في هامش الحركة المتاح أمام الإدارة.

وهنا تظهر مفارقة مهمة. كلما طال أمد الأزمة، زادت الحاجة إلى حلها، وفي الوقت نفسه يصبح استمرارها أسهل من الناحية السياسية إذا تعلمت الأطراف كيف تدير تكلفتها. هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الاستثناء إلى واقع، ويبدأ العالم في التعامل مع الأزمة باعتبارها ملفا دائما يحتاج إلى إدارة مستمرة.

ومضيق هرمز يقدم المثال الأكثر وضوحا على ذلك. إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة فيه كان يمكن أن ينظر إليه في البداية باعتباره تطورا استثنائيا يستدعي تحركا دوليا واسعا، ثم يبدأ العالم في البحث عن بدائل لمسارات الطاقة والتجارة، وتعيد الشركات حساباتها، وتتغير خطط الشحن والتأمين، وتحاول الدول تقليل تعرضها للخطر. ومع مرور الوقت قد يتحول السؤال من "متى يعود المضيق إلى وضعه الطبيعي؟" إلى "كيف نستمر في العمل رغم استمرار الاضطراب؟".

وهذا التغير في طريقة التفكير أخطر من الاضطراب نفسه، لأن الأزمة حين تصبح قابلة للإدارة قد تفقد جزءا من الضغط السياسي الذي يدفع نحو إنهائها. وقد شهد العالم نماذج مشابهة في أزمات وحروب طويلة، تحولت فيها المواجهة من حدث طارئ إلى ملف دائم على جدول السياسة الدولية. الحرب الروسية الأوكرانية تقدم مثالا على قدرة النظام الدولي على التكيف مع حرب طويلة، حتى أصبحت جوانب كثيرة من آثارها جزءا من الحسابات الاقتصادية والسياسية اليومية.

لكن الحالة الإيرانية تختلف في نقطة أساسية، وهي أن موقع إيران الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية يجعل استمرار الأزمة مسألة تتجاوز طرفيها. دول الخليج معنية بما يحدث لأنها تقع في قلب الجغرافيا التي تتأثر مباشرة بأي تحول في العلاقة الأمريكية الإيرانية، سواء اتجهت نحو اتفاق أم عادت إلى التصعيد.

إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة فيه كان يمكن أن ينظر إليه في البداية باعتباره تطورا استثنائيا يستدعي تحركا دوليا واسعا، ثم يبدأ العالم في البحث عن بدائل لمسارات الطاقة والتجارة، وتعيد الشركات حساباتها، وتتغير خطط الشحن والتأمين، وتحاول الدول تقليل تعرضها للخطر. ومع مرور الوقت قد يتحول السؤال من "متى يعود المضيق إلى وضعه الطبيعي؟" إلى "كيف نستمر في العمل رغم استمرار الاضطراب؟"

ومن هنا تأتي أهمية الإشارات الأمريكية المتعلقة بإعادة ترتيب الالتزامات في المنطقة. الانسحاب العسكري من العراق، وخفض بعض أشكال الوجود المباشر، والنقاش حول مستوى المشاركة الأمريكية في ملفات مثل اليمن والبحر الأحمر، كلها تثير سؤالا أكبر من كل واقعة منفردة: هل تعيد الولايات المتحدة تعريف دورها في الشرق الأوسط؟

إعلان

لا يعني تقليص الوجود العسكري الأمريكي بالضرورة تخلي واشنطن عن المنطقة. الولايات المتحدة تستطيع أن تخفف وجودها المباشر وتحتفظ في الوقت نفسه بأدوات نفوذ سياسية واقتصادية وعسكرية مهمة.

لكن الاتجاه نحو تحميل القوى الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمنها أصبح موضوعا حاضرا بقوة، وهذا يفرض على دول الخليج قراءة المرحلة المقبلة بعناية، خصوصا أن أمن المنطقة لم يعد مرتبطا فقط بحجم القوات الأمريكية الموجودة فيها، وإنما أيضا بدرجة الالتزام السياسي الأمريكي تجاه أمنها.

وهنا تبرز قضية الحوثيين والملاحة في البحر الأحمر بوصفها جزءا من الصورة نفسها. فإذا كانت واشنطن تتجه إلى تقليل بعض التزاماتها المباشرة، فالسؤال الذي يهم دول المنطقة هو أين تنتهي إعادة توزيع الأدوار وأين يبدأ الانسحاب من الالتزامات؟ الفارق بين الأمرين كبير، ولا يمكن تحديده من خلال تصريح واحد أو قرار عسكري منفرد، وإنما من خلال اتجاه السياسة الأمريكية خلال الفترة المقبلة.

العراق يقدم بدوره إشارة تستحق المتابعة. فخروج القوات الأمريكية لا يعني نهاية العلاقة الأمريكية العراقية، كما أن انتهاء مهمة عسكرية لا يعني بالضرورة اختفاء النفوذ الأمريكي. لكنه يغير شكل العلاقة ويترك على الدولة العراقية مسؤوليات أمنية أكبر، ويعيد فتح النقاش حول موازين القوى داخل العراق وعلاقته بإيران والولايات المتحدة ودول الخليج.

كل هذه الملفات تلتقي عند سؤال واحد: هل تريد واشنطن إنهاء الأزمة أم إدارة شروطها؟

الفرق بين الخيارين كبير. إنهاء الأزمة يتطلب تسوية، والتسوية تحتاج إلى تنازلات من الأطراف كافة وضمانات تجعل الاتفاق قابلا للاستمرار. أما إدارة الأزمة فتسمح لكل طرف بالاحتفاظ بأوراق الضغط، والاستفادة من الوقت، وتعديل مواقفه كلما تغيرت الظروف. وقد تكون هذه السياسة أكثر راحة على المدى القصير، لكنها تجعل الأزمة أكثر قابلية للاستمرار.

إيران أيضا أمام السؤال نفسه. استمرار الأزمة يمنحها أوراقا تفاوضية، ومنها هرمز والنفوذ الإقليمي والقدرة على رفع كلفة العقوبات، لكنه في الوقت ذاته يضاعف الضغوط الاقتصادية ويجعل استعادة العلاقات الطبيعية مع الاقتصاد الدولي أكثر صعوبة.

الأزمة تصبح أكثر خطورة حين تتحول من حالة مؤقتة إلى واقع يمكن التعايش معه. فحين تعتاد الأسواق اضطراب الملاحة، وتعتاد الدول العقوبات، وتصبح المفاوضات بلا أفق نهائي، يتراجع ضغط النهاية. عندها لا يعود السؤال متى تنتهي الحرب، وإنما أي نظام إقليمي سيتشكل حول أزمة لم تنتهِ

ولذلك فإن طهران تحتاج إلى معرفة مقدار الوقت الذي تستطيع تحمله، كما تحتاج واشنطن إلى معرفة مقدار الضغط الذي تستطيع الاستمرار فيه من دون أن يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي عليها وعلى حلفائها.

أما دول الخليج، فالمسألة بالنسبة إليها أكثر حساسية، لأنها لا تستطيع التعامل مع الأزمة كأنها تقع بعيدا عنها. أمن الملاحة والطاقة والأسواق والحدود والمجال الجوي كلها تتأثر بأي تحول في الصراع. ولهذا فإن انتهاء العمليات العسكرية، إذا حدث، لن يكون نهاية القلق الخليجي.

السؤال سيكون عن شكل الترتيب الذي سيأتي بعد الحرب، وعن موقع الخليج في أي تفاهم أمريكي إيراني، وعن الضمانات التي يمكن أن تمنع عودة الأزمة إلى نقطة الصفر.

ربما تكون المنطقة أمام مرحلة تشبه الهدوء الذي يسبق تسوية، وربما تكون أمام مرحلة أطول من الانتظار. لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية تسمح بالحسم في أي الاتجاهين. لكن المؤكد أن الانتقال من الحرب إلى الأزمة يغير قواعد التعامل معها.

ففي الحرب تكون الأولوية للعمليات والردع، أما في الأزمة الطويلة فتدخل عوامل أخرى: الاقتصاد، الانتخابات، الأسواق، التحالفات، الوقت، وقدرة المجتمعات على تحمل استمرار التوتر.

إعلان

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي الانتباه إليها. العالم قد يعتاد الأزمة أسرع مما يستطيع حلها. ومع كل شهر يمر، تتشكل ترتيبات جديدة للتعامل معها، وتظهر مصالح مرتبطة باستمرارها، ويتراجع الشعور بالحاجة إلى قرار نهائي. يصبح الجميع أكثر مهارة في إدارة الأزمة، وأقل استعجالا لإنهائها.

لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد متى تتوقف الحرب فقط، وإنما ماذا سيحدث إذا لم تتوقف تماما، وإذا تحولت إلى أزمة طويلة يتعلم الجميع كيف يعيش معها؟ وهل يملك ترمب الوقت والمساحة السياسية للوصول إلى اتفاق، أم إن الحسابات الانتخابية والاقتصادية والإقليمية ستدفع الأزمة إلى مزيد من التأجيل؟

المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة كي تعيش مرحلة صعبة. يكفي أن تطول الأزمة، وأن يتحول اضطراب الملاحة إلى أمر معتاد، وأن يصبح الحصار جزءا من الحسابات الاقتصادية، وأن تتحول المفاوضات إلى مسار مفتوح من دون نهاية واضحة، وأن تعيد الولايات المتحدة ترتيب التزاماتها من دون أن تتضح بعد صورة النظام الأمني الذي سيحل مكانها.

حينها لن تكون المشكلة في استمرار الحرب وحده، وإنما في الاعتياد على غياب نهايتها. وهذه ربما تكون المرحلة الأكثر تعقيدا في الأزمة: حين يتوقف الجميع عن انتظار النهاية، ويبدؤون في بناء سياساتهم على أساس أن الأزمة ستبقى.

الأزمة تصبح أكثر خطورة حين تتحول من حالة مؤقتة إلى واقع يمكن التعايش معه. فحين تعتاد الأسواق اضطراب الملاحة، وتعتاد الدول العقوبات، وتصبح المفاوضات بلا أفق نهائي، يتراجع ضغط النهاية. عندها لا يعود السؤال متى تنتهي الحرب، وإنما أي نظام إقليمي سيتشكل حول أزمة لم تنتهِ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.