سفيتلانا موجسوف.. العالمة التي مهدت لأدوية السمنة تقترب من نوبل
في 17 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت مؤسسة "كلافيريت" اختيار عالمة الكيمياء الحيوية سفيتلانا موجسوف، إلى جانب دانيال دراكر وينس يول هولست، ضمن قائمة "سايتشن لوريتيس" (Citation Laureates) في مجال الطب أو علم وظائف الأعضاء، تقديرا لأبحاثهم التي ساعدت في اكتشاف هرمون "جي إل بي-1" (GLP-1) وفهم نشاطه داخل الجسم.
ويحظى اختيار "كلافيريت" باهتمام واسع كل عام، لأن عددا من العلماء الذين أدرجتهم المؤسسة في قوائمها حصلوا لاحقا على جائزة نوبل. لكن القائمة لا تعني ترشيحا رسميا للجائزة، كما أنها لا تمثل توقعا مؤكدا بالفوز في سنة بعينها.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 تتهمه بالكسل؟.. أنقذ طفلك وسارع لفحص بصره قبل فوات الأوان
* list 2 of 2 بعد سن الـ 40.. عظامك تحتاج إلى أكثر من المشي end of list
ومع ذلك، أعاد الاختيار اسم موجسوف إلى الواجهة قبل أيام من إعلان نوبل للطب لعام 2026، بعد أكثر من 4 عقود على أبحاثها التي أصبحت جزءا من الأساس العلمي لأدوية غيرت علاج السكري والسمنة.
لكن قصة موجسوف لم تبدأ مع أوزمبيك أو ويغوفي، بل مع سلسلة صغيرة من الأحماض الأمينية لفتت انتباهها في مختبر بمدينة بوسطن عام 1983.
31 حمضا أمينيا غيرت القصة
في أوائل الثمانينيات، كان العلماء قد اكتشفوا أن الجين المسؤول عن إنتاج هرمون الجلوكاجون لا ينتج هذا الهرمون وحده، بل ينتج بروتينا أكبر يحتوي على أجزاء أخرى شبيهة به، بينها ببتيد "بروتين مصغر" أُطلق عليه اسم "جي إل بي-1".
لكن العلماء لم يكونوا يعرفون بدقة أي صورة من هذا الببتيد تعمل داخل الجسم، ولا ما وظيفتها الحقيقية.
وأثناء مراجعة سفيتلانا موجسوف لتسلسل البروتين، لاحظت أن "جي إل بي-1" قد لا يعمل في صورته الكاملة المكونة من 37 حمضا أمينيا، بل بعد قطع أول 6 أحماض منه. وهكذا ظهر أمامها شكل أقصر يتكون من 31 حمضا أمينيا، يُعرف باسم "جي إل بي-1 (37-7)" (GLP-1 (7-37)).
لم تكن هذه مجرد ملاحظة كيميائية؛ فقد كان العلماء يعرفون منذ سنوات أن تناول السكر عن طريق الفم يؤدي إلى إفراز إنسولين أكثر من إعطاء الكمية نفسها عبر الوريد، مما يعني أن الأمعاء تطلق إشارات هرمونية تساعد البنكرياس بعد تناول الطعام. ورأت موجسوف أن الشكل القصير من "جي إل بي-1" قد يكون واحدا من هذه الهرمونات.
مصدر الصورة
من الفكرة إلى المختبر
بدأت موجسوف تصنيع أشكال مختلفة من "جي إل بي-1" داخل المختبر باستخدام خبرتها الطويلة في تصنيع الببتيدات. لكن الفرضية احتاجت إلى سنوات حتى تثبت.
وفي عام 1986، أظهرت التجارب أن الشكل القصير جي إل بي-1 (37-7) يوجد بالفعل بصورة طبيعية في الأمعاء، ثم جاءت خطوة أكثر أهمية عام 1987، عندما أثبتت موجسوف مع زملائها أن هذا الببتيد قادر على تحفيز إفراز الإنسولين من البنكرياس، بينما لم يظهر الشكل الأطول التأثير نفسه بالكفاءة ذاتها.
وفي عام 1992، أظهرت دراسة على البشر أن "جي إل بي-1″ يستطيع تحفيز إفراز الإنسولين وخفض مستوى السكر في الدم، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في التفكير في إمكانية استخدام هذا المسار لعلاج السكري.
ويعرف العلماء اليوم شكلين نشطين رئيسيين للهرمون: جي إل بي-1 (37-7) المكون من 31 حمضا أمينيا، و"جي إل بي-1 (36-7) أميد" GLP-1(7-36) amide المكون من 30 حمضا أمينيا، وهو الشكل الأكثر شيوعا في جسم الإنسان.
قبل جي إل بي-1.. تحدي الجلوكاجون
الوصول إلى هذا الاكتشاف لم يكن من فراغ، فموجسوف التي ولدت عام 1947 في سكوبيه، درست الكيمياء الفيزيائية في جامعة بلغراد، ثم انتقلت إلى جامعة روكفلر بالولايات المتحدة، حيث حصلت على الدكتوراه في الكيمياء الحيوية عام 1978.
وكان أستاذها هو بروس ميريفيلد، الذي حصل بعد ذلك على جائزة نوبل للكيمياء عام 1984 عن تطوير طريقة تصنيع الببتيدات على دعامة صلبة.
اختارت موجسوف خلال دراستها العمل على هرمون الجلوكاجون، الذي يساعد على رفع مستوى السكر في الدم. وكان تصنيع هذا الهرمون داخل المختبر صعبا للغاية في ذلك الوقت، لكنها نجحت بعد نحو عام ونصف من المحاولات في تطوير طريقة لتصنيعه وتنقيته.
هذه الخبرة في تصنيع الببتيدات كانت لاحقا مفتاحا مهما في أبحاثها على جي إل بي-1. وبعد حصولها على الدكتوراه، بقيت نحو 5 سنوات في مختبر ميريفيلد، قبل أن تنتقل إلى بوسطن عام 1983 مع زوجها الطبيب والعالم ميشيل نوسنزويغ.
وانضمت هناك إلى وحدة الغدد الصماء في مستشفى ماساتشوستس العام، وتولت إدارة مرفق متخصص في تصنيع الببتيدات لصالح المشروعات البحثية.
حين تحولت الفكرة إلى دواء
لم تتحول أبحاث جي إل بي-1 مباشرة إلى علاج. فالهرمون الطبيعي يتكسر بسرعة كبيرة داخل الجسم، ولذلك كان على الباحثين وشركات الأدوية تطوير جزيئات تستطيع محاكاة تأثيره والاستمرار لفترة أطول.
ومع مرور السنوات، ظهرت فئة دوائية تعرف باسم "ناهضات مستقبل جي إل بي-1″، وأصبحت تستخدم على نطاق واسع في علاج السكري من النوع الثاني، ثم في علاج السمنة.
ومن هذه الأدوية "ليراغلوتايد"، الذي يُسوّق باسم فيكتوزا لعلاج السكري وساكسيندا لعلاج السمنة، و"سيماغلوتايد" الذي يسوق باسم أوزمبيك وريبيلسوس للسكري، وويغوفي لإدارة الوزن.
وأُدرج اسم موجسوف بوصفها مخترعة مشاركة في عدد من براءات الاختراع المرتبطة باستخدام جي إل بي-1 في علاج السكري.
لكن من المهم التمييز بين دورها العلمي وتطوير العقاقير الحديثة نفسها، فموجسوف لم تخترع أوزمبيك أو ويغوفي، وإنما كانت من العلماء الذين كشفوا الأساس البيولوجي الذي جعل تطوير هذه الأدوية ممكنا.
مصدر الصورة
اعتراف جاء بعد عقود
رغم أهمية أبحاثها، لم يحظ دور موجسوف لسنوات طويلة بالشهرة التي حصل عليها بعض العلماء الآخرين في قصة جي إل بي-1. لكن النجاح الكبير لأدوية السكري والسمنة أعاد الاهتمام بتاريخ اكتشاف الهرمون، والدور الذي أدته موجسوف في تحديد شكله النشط وإثبات تأثيره.
ومنذ عام 2023، بدأت موجة واسعة من التكريمات. حيث حصلت على جائزة "فنفيوتشر" (VinFuture) وأدرجتها مجلة "نيتشر" ضمن أبرز 10 شخصيات أثرت في العلم خلال العام.
وفي عام 2024، حصلت على جائزة بيرل مايستر غرينغارد، وأدرجتها مجلة "تايم" ضمن أكثر 100 شخصية تأثيرا، كما حصلت على جائزة "تانغ"، وجائزة "أميرة أستورياس" للبحوث العلمية والتقنية، وجائزة "لاسكر ديباكي" للأبحاث الطبية السريرية.
وتواصلت الجوائز عام 2025، فحصلت على جائزة وارن الثلاثية، وجائزة الاختراق في علوم الحياة، وجوائز علمية أخرى، كما انتُخبت عضوا في الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم.
وفي عام 2026، حصلت على جائزة الملك فيصل في الطب، تقديرا لأبحاث أسهمت في إحداث تحول في علاج السمنة. كما رقتها جامعة روكفلر في مايو/أيار 2026 إلى درجة "أستاذة بحثية".
لماذا أعادت كلافيريت اسمها إلى دائرة نوبل؟
تعتمد "كلافيريت" على تحليل ضخم للأبحاث العلمية والاستشهادات بها، إلى جانب تقييم خبراء متخصصين، لاختيار علماء ترى أن أعمالهم أحدثت تأثيرا استثنائيا في مجالاتهم.
وتحلل المؤسسة عشرات الملايين من الأبحاث المنشورة والمفهرسة منذ عام 1970، بينما لا تدخل إلا نسبة ضئيلة للغاية من الأوراق العلمية ضمن الفئة الأعلى من حيث عدد الاستشهادات.
ومنذ إطلاق برنامج "سايتشن لوريتيس" في عام 2002، اختارت "كلافيريت" مئات العلماء، وحصل 89 منهم لاحقا على جوائز نوبل. لكن ذلك لا يعني أن القائمة تتنبأ بمن سيفوز كل عام، وإنما تشير إلى علماء ترى المؤسسة أن إنجازاتهم تقف في مستوى الأعمال التي سبق أن كرمتها نوبل.
وفي عام 2026، لم تُختر موجسوف وحدها، بل جاءت إلى جانب دانيال دراكر وينس يول هولست، تقديرا لإسهاماتهم المتكاملة في تحديد جي إل بي-1 وفهم نشاطه داخل الجسم.
وهذا يعكس حقيقة مهمة: ثورة أدوية جي إل بي-1 لم تكن نتيجة اكتشاف واحد أو عالم واحد، بل ثمرة عقود من العمل شارك فيها باحثون من مؤسسات ودول مختلفة.
لكن وسط هذه القصة الطويلة تبقى لحظة حاسمة؛ عالمة تنظر إلى سلسلة من 37 حمضا أمينيا، وتفترض أن السر الحقيقي يكمن في جزء أقصر مكون من 31 فقط.
وبعد أكثر من 40 عاما، أصبح المسار الذي بدأ بتلك الفكرة أساسا لفئة من أشهر أدوية السكري والسمنة في العالم، بينما عاد اسم سفيتلانا موجسوف إلى الواجهة من جديد، هذه المرة في دائرة الإنجازات التي قد تجد يوما طريقها إلى نوبل.