من تاتشر إلى المنصوري.. نساء كسرن "تابوه" السلطة حول العالم
في كل مرة تصل فيها امرأة إلى أحد أعلى المناصب السياسية، لا يكون الأمر مجرد تغيير في اسم شاغل المنصب، بل محطة جديدة في تاريخ المشاركة السياسية للنساء. فمن أول رئيسة حكومة في العالم إلى نساء وصلن إلى قمة السلطة في دول كبرى، ظلت بعض المناصب لعقود حكرًا على الرجال قبل أن تسقط حواجزها واحدة تلو الأخرى.
وجاء تعيين المغربية فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، اليوم الثلاثاء، ليضيف حلقة جديدة إلى هذه المسيرة، بعدما أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، يأتي ذلك بعد تجارب عربية ودولية سبقتها، من نجلاء بودن في تونس إلى مارغريت تاتشر في بريطانيا وأنغيلا ميركل في ألمانيا، وصولًا إلى ساناي تاكايتشي التي أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في اليابان.
البداية من سريلانكا
قبل أن تصبح المرأة رئيسة حكومة في أي دولة أخرى، كانت سيريمافو باندارانايكا أول من تصل إلى هذا المنصب في العصر الحديث. ففي 21 يوليو 1960، أدت اليمين رئيسة لوزراء سيلان، التي أصبحت لاحقًا سريلانكا، لتدخل التاريخ باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة حكومة في العالم.
ولم تتوقف التجربة عند باندارانايكا، إذ أصبحت ابنتها تشاندريكا باندارانايكا كوماراتونغا لاحقًا أول امرأة تتولى رئاسة الدولة في سريلانكا. ويشير البرلمان السريلانكي إلى أن البلاد شهدت كذلك تولي امرأتين منصب رئيسة الوزراء، فيما أصبحت كوماراتونغا أول امرأة تتولى رئاسة الجمهورية.
تاتشر.. أول امرأة في داونينغ ستريت
بعد نحو عقدين، انتقلت التجربة إلى واحدة من أكبر الديمقراطيات الغربية. ففي عام 1979، أصبحت مارغريت تاتشر أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة البريطانية، لتشغل المنصب حتى عام 1990.
وكان وصول تاتشر إلى داونينغ ستريت لحظة فارقة في تاريخ السياسة البريطانية، بعدما أصبحت أول امرأة تشغل رئاسة الوزراء، كما كانت أطول رئيسة حكومة بريطانية خدمة خلال أكثر من 150 عامًا في ذلك الوقت، بحسب السجل الرسمي للحكومة البريطانية.
أميركا.. الطريق إلى البيت الأبيض
الولايات المتحدة لم تشهد حتى الآن امرأة تتولى رئاسة البلاد، لكن نساء وصلن إلى مواقع سياسية لم يسبق أن شغلتها امرأة.
في عام 1933، أصبحت فرانسيس بيركنز أول امرأة تدخل مجلس الوزراء الأميركي، بعدما عينها الرئيس فرانكلين روزفلت وزيرة للعمل. وبعد أكثر من سبعة عقود، أصبحت نانسي بيلوسي عام 2007 أول امرأة تتولى رئاسة مجلس النواب الأميركي.
وتواصلت سلسلة "الأوائل" عندما أصبحت كامالا هاريس أول امرأة تتولى منصب نائب رئيس الولايات المتحدة، لتصل المرأة إلى أحد أعلى المناصب التنفيذية في البلاد، رغم بقاء منصب الرئاسة نفسه خارج هذه التجربة.
أوروبا.. المستشارة ورئاسة الحكومة
في فرنسا، احتاجت المرأة إلى الانتظار حتى عام 1991 للوصول إلى رئاسة الحكومة، عقب تعيين الرئيس فرانسوا ميتران إديث كريسون رئيسة للوزراء، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد. وأكد ميتران في مقابلة رئاسية آنذاك أن تعيين كريسون كان المرة الأولى التي تصل فيها امرأة إلى رئاسة الحكومة الفرنسية.
أما ألمانيا، فجاءت لحظة التحول عام 2005، عندما أصبحت أنغيلا ميركل أول امرأة تتولى منصب المستشار في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية، كما كانت أول شخص من ألمانيا الشرقية السابقة يصل إلى هذا المنصب.
وفي إيطاليا، جاءت جورجيا ميلوني لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، فيما شهدت كندا تجربة مبكرة نسبيًا مع كيم كامبل التي أصبحت عام 1993 أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء، بعد أن شغلت عدة حقائب وزارية، بينها العدل والدفاع.
من كندا إلى أستراليا ونيوزيلندا
لم تتوقف الموجة عند أوروبا. ففي نيوزيلندا، أصبحت جيني شيبلي عام 1997 أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، بينما كانت هيلين كلارك أول امرأة تُنتخب لرئاسة الوزراء في البلاد.
وفي أستراليا، وصلت جوليا جيلارد إلى رئاسة الوزراء عام 2010، لتصبح أول امرأة تتولى المنصب في تاريخ البلاد. وقبلها كانت قد أصبحت أول نائبة لرئيس الوزراء في أستراليا عام 2007.
اليابان.. آخر الحواجز في مجموعة السبع
ورغم أن وصول النساء إلى رئاسة الحكومات أصبح أكثر حضورًا في عدد من الدول المتقدمة، ظلت اليابان استثناءً لسنوات طويلة.
لكن في 21 أكتوبر 2025، أصبحت ساناي تاكايتشي أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة اليابانية، بعدما اختارها البرلمان رئيسة للوزراء. ووفق مكتب رئيس الوزراء الياباني، أصبحت تاكايتشي رئيسة الوزراء رقم 104 في تاريخ البلاد.
وتكتسب التجربة اليابانية أهمية خاصة لأنها جاءت في دولة صناعية كبرى وعضو في مجموعة السبع، ظلت رئاسة حكومتها بعيدة عن النساء حتى عام 2025. وبوصول تاكايتشي، انضمت اليابان إلى سجل الدول الكبرى التي كسرت حاجز وصول المرأة إلى قمة السلطة التنفيذية.
من إفريقيا إلى أميركا اللاتينية
لم تكن الطريق إلى رئاسة الحكومات تبدأ عادة من القمة. ففي كثير من التجارب، وصلت النساء أولًا إلى البرلمان، ثم إلى الوزارات، وبعدها إلى مواقع قيادية داخل الأحزاب أو الحكومات، قبل أن يصل بعضهن إلى رئاسة الحكومة أو الدولة.
وتوضح مسيرة عدد من هذه التجارب أن "الأول" لم يكن دائمًا في المنصب نفسه. فقد تكون المرأة الأولى وزيرة، كما حدث مع نزيهة الدليمي، أو رئيسة برلمان، مثل نانسي بيلوسي، أو نائبة رئيس، أو رئيسة حكومة، مثل تاتشر وباندارانايكا وميركل وتاكايتشي، أو رئيسة دولة، كما حدث مع إلين جونسون سيرليف في ليبيريا، التي أصبحت عام 2006 أول امرأة تُنتخب رئيسة لدولة في إفريقيا.
وفي أميركا اللاتينية، كانت البرازيل من الدول التي شهدت وصول امرأة إلى قمة السلطة التنفيذية عندما أصبحت ديلما روسيف عام 2011 أول امرأة تتولى رئاسة الجمهورية في تاريخ البلاد.
أما المكسيك، فوصلت إلى محطة مماثلة مع كلوديا شينباوم، التي أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة البلاد، في تجربة أضافت أكبر دولة ناطقة بالإسبانية في أميركا الشمالية إلى قائمة الدول التي كسرت هذا الحاجز.
العالم العربي.. البداية من العراق
في العالم العربي، بدأت رحلة الوصول إلى المناصب الوزارية في وقت مبكر. ففي عام 1959، أصبحت العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى منصبًا وزاريًا في العراق، كما دخلت التاريخ باعتبارها أول امرأة تشغل منصبًا وزاريًا في العالم العربي، عندما تولت وزارة البلديات.
وتشير دراسات تاريخية وجامعة بغداد إلى أن الدليمي كانت من أبرز الشخصيات النسائية السياسية في العراق، كما شاركت في جهود مرتبطة بقانون الأحوال الشخصية العراقي الصادر عام 1959.
وفي مصر، جاءت حكمة أبو زيد عام 1962 لتصبح أول امرأة مصرية تتولى منصبًا وزاريًا، بعدما أسند إليها الرئيس جمال عبد الناصر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، في خطوة فتحت الباب أمام حضور نسائي أوسع داخل الحكومات المصرية.
تونس تفتح باب رئاسة الحكومة
احتاج العالم العربي إلى أكثر من ستة عقود بعد تجربة الدليمي قبل أن تصل امرأة إلى رئاسة حكومة عربية.
ففي عام 2021، أصبحت نجلاء بودن أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تونس، وبذلك دخلت التاريخ باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة حكومة في العالم العربي. وتولت بودن المنصب بعدما كانت قد عملت في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وفق السيرة الرسمية المنشورة من رئاسة الحكومة التونسية.
ولم تكن التجربة التونسية نهاية الطريق، إذ وصلت سارة الزعفراني الزنزري لاحقًا إلى رئاسة الحكومة، لتصبح ثاني امرأة تتولى المنصب في تونس.
المغرب يضيف محطة جديدة
بعد تونس، جاء المغرب بمحطة مختلفة في 2026، بعدما عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.
المنصوري، التي كانت تشغل منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، أصبحت بذلك أحدث امرأة عربية تصل إلى قمة السلطة التنفيذية، في تحول يضيف المغرب إلى قائمة الدول العربية التي شهدت وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة من الوزارات إلى القمة.
حواجز تتساقط.. لكن على مراحل
من سيريمافو باندارانايكا في سريلانكا عام 1960 إلى تاكايتشي في اليابان عام 2025، ثم فاطمة الزهراء المنصوري في المغرب عام 2026، تبدو خريطة السلطة السياسية مختلفة عما كانت عليه قبل عقود.
لكن هذه المسيرة لم تكن خطًا مستقيمًا؛ ففي بعض الدول وصلت المرأة إلى رئاسة الحكومة قبل أن تصل إلى رئاسة الدولة، وفي دول أخرى بدأت الرحلة من الوزارات أو البرلمان، بينما لا تزال بعض أعلى المناصب السياسية في دول كبرى تنتظر أول امرأة تصل إليها.
ومع كل تجربة جديدة، يتغير تعريف "الأول" مرة أخرى: أول وزيرة، أول رئيسة برلمان، أول نائبة رئيس، أول رئيسة حكومة أو أول رئيسة دولة. وبينما تتسع قائمة النساء اللواتي دخلن تاريخ السلطة، تظل قيمة كل تجربة مرتبطة أيضًا بالسياق السياسي والدستوري لكل دولة، وليس بمجرد الوصول إلى المنصب.