في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
فالتصعيد لا يتعلق بخطوط التماس المحلية وحدها، بل يعيد أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى قلب الحرب اليمنية.
وتقول الأمم المتحدة إن القتال اشتد على الساحل الغربي خلال سبتمبر/أيلول، مع استمرار تقدم الحوثيين نحو باب المندب، وورود تقارير عن سيطرتهم على جزر عدة جنوب البحر الأحمر. كما أشارت إلى إطلاق الحكومة اليمنية هجوما مضادا، ووقوع اشتباكات على جبهات متعددة، بينها تعز ولحج ومأرب والجوف.
لكن التحول الميداني، مهما اتسع، لا يعني تلقائيا السيطرة على المضيق. تلك هي الفكرة التي يركز عليها الدكتور بكيل الزنداني أستاذ الدراسات الأمنية المشارك في جامعة قطر -في حديثه إلى برنامج "موازين "- فالجغرافيا تمنح الطرف المتمركز على الساحل أدوات للضغط والتهديد، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على إدارة ممر دولي أو إغلاقه.
ومن هنا تطرح الحلقة سؤالها المركزي: هل يمنح الاقتراب من باب المندب الحوثيين قدرة فعلية على تهديد الملاحة الدولية، أم أن السيطرة على الأرض تبقى مختلفة عن التحكم في ممر بحري تحكمه اعتبارات عسكرية وإقليمية ودولية أوسع؟
يتصل باب المندب بالبحر الأحمر وخليج عدن، ويقع في نقطة شديدة الحساسية لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. لهذا لا تتحدد أهميته بالسيطرة على الشاطئ وحده، بل بما يتيحه الساحل والجزر والمرتفعات القريبة من قدرة على الرصد، وتوجيه الصواريخ والطائرات المسيرة، وتهديد السفن العابرة.
ويشرح الزنداني أن جزيرة ميون، الواقعة عند مدخل المضيق، تملك أهمية خاصة بوصفها نقطة مراقبة وإنذار مبكر أكثر من كونها حصنا دفاعيا مستقلا. أما مرتفعات كهبوب والساحل القريب من المضيق، فتمنح ميزة عسكرية لمن يملك أدوات الرصد والاستهداف من البر.
وبهذا المعنى، لا يحتاج أي طرف إلى وجود بحري تقليدي أو سيطرة مباشرة على كل ضفتي المضيق كي يرفع كلفة المرور فيه. وتكفي القدرة على التهديد والتعطيل حتى يتحول الممر إلى ورقة ضغط عسكرية وسياسية.
أقرت إحاطة أممية أمام مجلس الأمن في 15 سبتمبر/أيلول بأن الوضع في محيط باب المندب أصبح أكثر تقلبا، وأن الحوثيين واصلوا التقدم نحو المضيق، وسط تقارير عن السيطرة على جزر جنوب البحر الأحمر. لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن تدفقات الشحن التجاري عبر البحر الأحمر بدت، عند ذلك الوقت، غير متأثرة بصورة مباشرة وفق مواقع تتبع الملاحة.
وعند هذه النقطة، يبرز التقدم نحو باب المندب موازيا لرفع مستويات الخطر، لكنه لا يثبت بمفرده أن الممر أصبح تحت سيطرة طرف واحد أو أنه أغلق أمام الملاحة. فالقدرة على التهديد تختلف عن القدرة على فرض سيادة دائمة، كما تختلف عن القدرة على تحويل التهديد إلى إغلاق مستمر في مواجهة ردود عسكرية ودولية محتملة.
وتكشف التطورات أيضا عن كلفة إنسانية متسارعة. فقد قالت الأمم المتحدة إن ما لا يقل عن 125 ألف شخص نزحوا داخل اليمن منذ بداية سبتمبر/أيلول، فيما سجلت 40 إصابة وقتيلا بين المدنيين خلال الفترة ذاتها، ووصل نحو 2300 شخص فارين من القتال إلى جيبوتي حتى 14 سبتمبر/أيلول.
لا يتعامل الزنداني مع التوتر في باب المندب بوصفه تطورا منفصلا عن المشهد الإقليمي. فهو يرى أن المضيق يدخل في معادلة أوسع تمتد إلى مضيق هرمز، حيث تلتقي طرق الطاقة والتجارة عند نقطتين بحريتين شديدتي الحساسية، وتتحول السيطرة القريبة منهما أو القدرة على تهديدهما إلى أداة ضغط تتجاوز حدود اليمن.
وبحسب الزنداني، لا يعني ذلك أن طرفا واحدا يملك القدرة على إغلاق المضيقين أو التحكم الكامل بحركة الملاحة فيهما، لكن مجرد امتلاك وسائل الرصد والاستهداف قرب باب المندب، بالتوازي مع التوتر حول هرمز، يضع حركة التجارة والطاقة أمام مخاطر مركبة.
فالمعادلة هنا لا تقوم فقط على إطلاق الصواريخ أو وجود قوات على الساحل، بل على الأثر الذي يخلفه التهديد في قرارات شركات الشحن والتأمين والدول المستوردة للطاقة.
ويشير ضيف "موازين" إلى أن باب المندب لا يكتسب وزنه من الجغرافيا اليمنية وحدها، بل من موقعه ضمن طريق يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومن ارتباطه بقناة السويس وخطوط الإمداد بين آسيا وأوروبا. لذلك فإن أي تصعيد طويل قرب المضيق قد يدفع السفن إلى تغيير مساراتها أو رفع كلفة التأمين والنقل، حتى لو لم يتحول التهديد إلى إغلاق فعلي للممر.
ويرى الزنداني أن هذه الكلفة لا تبقى محصورة في حسابات القوى الكبرى أو شركات الملاحة، بل تنتقل عبر سلاسل الإمداد إلى أسواق الغذاء والوقود والسلع الأساسية في دول بعيدة عن ساحة القتال. ومن هذا المنظور، يصبح باب المندب ورقة تتصل بأمن اليمن وبالصراع الإقليمي، لكنها تمس أيضا حياة المستهلكين واقتصادات الدول التي تعتمد على مرور تجارتها عبر البحر الأحمر.
ويلخص الزنداني الأمر في أن الاقتراب من باب المندب لا يمنح سيطرة كاملة على المضيق، لكنه قد يمنح القدرة على إدخاله في حسابات الردع والضغط الإقليمي، خصوصا حين يقترن بتوتر قائم أو محتمل عند مضيق هرمز.
وفي قراءته لسرعة تراجع خطوط الدفاع في الساحل الغربي، لا يفسر الزنداني ما جرى بالتفوق العسكري الحوثي وحده. ويقول إن الحوثيين كانوا يحشدون منذ أشهر، لكن سرعة انهيار مواقع وخطوط تماس -ظلت مستقرة لسنوات، بينها مناطق حيس والمخا وذباب- تفتح أسئلة عن حال القوات المنتشرة هناك وطبيعة القرار الذي سبق الانسحاب.
وينقل الزنداني عن محافظ الحديدة التابع للحكومة قوله إن ما جرى كان نتيجة ما وصفه المحافظ بـ"مؤامرة كبرى " تتجاوز الأطراف اليمنية والإقليمية. ووفق الرواية التي عرضها الضيف، فإن تنسيقا بين فواعل محلية وإقليمية ودولية أسهم في تفتيت الجبهة من الداخل، قبل أن تسقط مواقعها العسكرية من دون قتال واسع.
ويعيد الزنداني التأكيد، في موضع آخر من الحوار، على أن تفسير محافظ الحديدة لما حدث في المخا لا يقف عند البعد الإقليمي، بل يتحدث عن تداخل مستويات محلية وإقليمية ودولية.
يعرض الزنداني 3 مسارات محتملة:
ولا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات بعد. فالأمم المتحدة دعت جميع الأطراف إلى خفض التصعيد والعودة إلى مسار سياسي، محذرة من أن اتساع الحرب يهدد المدنيين وأمن البحر الأحمر معا.
لذلك، ما تغير على الساحل الغربي هو مستوى الخطر والضغط المرتبط بباب المندب، لا حقيقة السيطرة النهائية على المضيق. فالجغرافيا تمنح الحوثيين مساحة أوسع للرصد والتهديد، لكن تحويلها إلى سيطرة مستقرة يحتاج إلى قدرة عسكرية وسياسية تتجاوز كسب الأرض في لحظة قتال متسارعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة