في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن الإطاحة بـ "جانغ يوو شيا" و"ليو جِن لي" مجرد واقعة إدارية عابرة في هرم جيش التحرير الشعبي الصيني، بل بدت جزءاً من مسار أوسع تسعى بكين من خلاله إلى إعادة ضبط المؤسسة العسكرية سياسياً وتنظيمياً، تحت عنوان مكافحة الفساد وتعزيز الانضباط والجاهزية القتالية.
فقد كانا في قلب هرم القوة العسكرية، حيث شغل "جانغ يوو شيا" منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية وأعلى ضابط نظامي في الصين، كما كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي. أما "ليو جِن لي" فكان عضواً في اللجنة العسكرية ورئيساً لإدارة الأركان المشتركة.
أعلنت السلطات الصينية في يناير/كانون ثاني فتح تحقيق مع جانغ وليو بسبب ما وصفته بـ"انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون" ثم انتقل الملف -خلال أشهر- من التحقيق إلى تجريدهما من مناصبهما الرسمية ومن تمثيلهما السياسي والعسكري.
وأظهر إعلان اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب أن مؤتمرات الممثلين العسكريين قررت عزل جانغ وليو من عضويتهما في المجلس الوطني لنواب الشعب، لتنتهي بذلك صفتهما النيابية رسمياً.
وشملت الإجراءات شخصيات عسكرية أخرى، من بينها "جونغ شاو جوِن" المدير السابق للمكتب العام للجنة العسكرية المركزية، و"جو تشيان شِنغ" القائد السابق لقوة الدعم الاستراتيجي.
وفي أغسطس/آب، جرى تجريد جانغ وليو رسمياً من عضويتهما في اللجنة العسكرية المركزية التابعة للدولة.
وذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن هذه الخطوة جاءت بعد تحقيقات بدأت في يناير/كانون الثاني، وأنها جعلت هيئة القيادة العسكرية العليا -التي كانت تضم 7 أعضاء- تضم عضوين عاملين فقط، وهما الرئيس شي جين بينغ، ونائبه "جانغ شِنغ مين" المسؤول عن ملفات الانضباط داخل القوات المسلحة.
بلغت القضية ذروتها في 21 سبتمبر/أيلول، عندما أعلنت وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" أن المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي وافق على تقارير اللجنة العسكرية المركزية الخاصة بمعالجة ملفي جانغ وليو، وقالت الوكالة إن التحقيق خلص إلى ارتكابهما انتهاكات جسيمة للانضباط السياسي والتنظيمي والمالي والوظيفي.
وبحسب شينخوا، تداخلت المخالفات السياسية والاقتصادية، واتُّهمت الشخصيتان بتشكيل تكتلات وشبكات فئوية، وعدم الولاء والأمانة للحزب، واستغلال المنصب لمساعدة آخرين في الحصول على ترقيات مقابل مبالغ مالية ضخمة، إلى جانب تلقي هدايا وأموال بصورة مخالفة، وعدم تحمل المسؤولية السياسية في تطبيق الانضباط الحزبي الصارم، وإهمال الرقابة على العاملين والمقربين.
وقررت السلطات إغلاق الملف بطردهما من الحزب الشيوعي الصيني والجيش، وإنهاء صفتهما كمندوبين في المؤتمر الوطني العشرين للحزب، وإحالة القضايا الجنائية إلى جهات الادعاء العسكرية للنظر فيها وملاحقة المشتبه بهم قضائياً.
ونقلت صحيفة تشاينا ديلي المضمون نفسه، موضحة أن القرار صدر بعد اجتماع للمكتب السياسي، وأن إحالة الملفين إلى النيابة العسكرية تفتح مرحلة قانونية تتجاوز العقوبات الحزبية والإدارية.
سرعة إقصاء "جانغ يوو شيا" و"ليو جِن لي" تمثل رسالة حادة بشأن أولوية الانضباط والنقاء السياسي قبيل محطتين مهمتين وهما المؤتمر الحزبي المقبل والذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي
تتعامل الرواية الرسمية مع القضية باعتبارها أكبر من فساد مالي أو مخالفة فردية، فقد رأت صحيفة جيش التحرير الشعبي -في افتتاحية رسمية- أن التحقيق مع جانغ وليو يجسد سياسة "لا مناطق محظورة ولا استثناءات ولا تسامح" في مكافحة الفساد، وأن معاقبتهما تحمي وحدة الجيش ونقاءه وتدعم بناء قدرته القتالية.
وقالت الصحيفة إنهما قوّضا نظام مسؤولية رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهو النظام الذي يمنح شي -بصفته رئيس اللجنة- الكلمة النهائية في الشؤون العسكرية.
كما اتهمتهما بالإضرار بالقيادة المطلقة للحزب على الجيش، وبالتأثير سلباً في البيئة السياسية للمؤسسة العسكرية، وبإلحاق ضرر ببناء الجاهزية القتالية.
وفي هذا السياق، لا يظهر الفساد في الخطاب الرسمي باعتباره رشوة أو منفعة شخصية فقط، بل باعتباره خطراً على منظومة القيادة والتحديث والتسليح والانضباط.
فاستغلال النفوذ في الترقيات -وفق الاتهامات الرسمية- يمكن أن يضرب معيار الكفاءة المهنية، ويخلف شبكات ولاء موازية، ويؤثر في قدرة الجيش على اتخاذ قرارات عملياتية مستقلة عن المصالح الشخصية.
ونقلت "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" عن افتتاحية صحيفة جيش التحرير أن التحقيقات ستزيل -ما وصف بأوجه إضعاف القدرة القتالية الناتجة عن الفساد، وأنها ستعيد تعزيز مشروع بناء جيش قوي.
ووفق الصحيفة الصينية، فإن تعميق مكافحة الفساد لا يعني أن المؤسسة أصبحت أكثر فساداً، بل إن التحقيقات باتت أعمق وأوسع وصولاً إلى جذور المشكلة.
ويكشف إدراج الفئوية وعدم الولاء ضمن الاتهامات أن القضية لا تُقرأ داخل النظام الصيني بوصفها شأناً مالياً فقط، فجيش التحرير الشعبي مؤسسة تخضع لقيادة الحزب الشيوعي، وتقوم عقيدته التنظيمية على مبدأ السيطرة الحزبية المطلقة على القوات المسلحة.
ورأت "ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن سرعة إقصاء جانغ وليو تمثل رسالة حادة بشأن أولوية الانضباط والنقاء السياسي قبيل محطتين مهمتين وهما المؤتمر الحزبي المقبل والذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي.
وذكرت الصحيفة أن محللين اعتبروا القرار دليلاً على تقديم القيادة الصينية الانضباط السياسي والتركيز المؤسسي على أي اعتبارات أخرى، حتى عندما يتعلق الأمر بشخصيات كانت تُعدّ قريبة من دوائر السلطة العليا.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القضية تصنف على أنها صراع نفوذ تقليدي، إذ نقلت الصحيفة -عن مصدر لم تسمه- أنه لا توجد أدلة على وجود منافس سياسي ذي وزن، وأن سقوط جانغ وليو ارتبط -وفق التقدير- بعدم الوفاء بمعايير القيادة الحاكمة، إلا أن هذه القراءة تبقى مجرد تحليل، ولا ترقى لمستوى حكم رسمي أو حقيقة مستقلة مثبتة.
وتُظهر القضية أيضاً كلفة التطهير الواسع على هيكل القيادة، فخروج جانغ وليو، إلى جانب إقصاءات سابقة شملت أعضاء بارزين مثل (خه ويه دونغ، لي شانغ فو، مياو هوا) أدى إلى تقلص عدد الأعضاء الفاعلين باللجنة العسكرية المركزية إلى اثنين فقط، وفق ما أوردته "ساوث تشاينا مورنينغ بوست".
وهذا الحال يضع الصين أمام معادلة دقيقة، فمكافحة الفساد قد تعزز الردع الداخلي وتؤكد مركزية القرار، لكنها قد تخلف في المدى القصير فراغاً في المواقع العليا، وتدفع الضباط إلى مزيد من الحذر في اتخاذ القرارات أو بناء شبكات العمل داخل المؤسسة.
وفي خطوة تُقرأ باعتبارها تمهيداً لإعادة ترتيب القيادة وملء الشواغر، تمت ترقية "جانغ شو غوانغ" وقائد القوات الجوية "وانغ غانغ" إلى رتبة جنرال، كما عُيّن جانغ شوغو انغ أميناً للجنة فحص الانضباط للجنة العسكرية المركزية، وهو تعيين يجمع بين الحاجة إلى استمرار حملة المحاسبة والحاجة إلى إعادة بناء هرم القيادة.
وتأتي هذه التطورات بداية الخطة الخمسية الـ15 للصين، التي تغطي الفترة 2026-2030، وتؤكد صحيفة جيش التحرير الشعبي أن العام 2026 يمثل مرحلة حاسمة لتحقيق هدف بناء الجيش بالذكرى المئوية لتأسيسه، فيما دعت إلى إدخال معيار الولاء السياسي في مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ العسكري.
وبينما تسعى الصين إلى تحديث قواتها وتعزيز قدرتها على خوض الحروب المستقبلية، فإن قضية جانغ وليو تطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل سينتج التطهير مؤسسة عسكرية أكثر كفاءة ونزاهة، أم أن اتساع الإقصاءات سيكشف عن هشاشة تراكمت في نظام القيادة والترقيات؟
وتقدم الرواية الرسمية إجابة واضحة مفادها أنه لا يمكن بناء جيش على المستوى العالمي من دون تطهير الفساد وتعزيز الولاء للحزب.
أما القراءة التحليلية المقارنة فتضيف أن نجاح الحملة لن يقاس بحجم العقوبات وحده، بل بقدرة بكين على ملء الفراغ القيادي، وضمان مهنية الترقيات، وتحويل الانضباط السياسي إلى فاعلية عسكرية قابلة للقياس.
وفي المحصلة، قد تكون الإطاحة بجانغ وليو علامة على حزم القيادة الصينية في مواجهة الفساد، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن إعادة بناء جيش قوي لا تقتصر على عزل القادة، وإنما تتطلب إصلاحاً مؤسسياً يعيد الثقة إلى منظومة الاختيار والرقابة والجاهزية، في مرحلة ترى فيها الصين أن القوة العسكرية جزء لا ينفصل عن مشروعها الوطني الأوسع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة