أمضى محمد زكور أكثر من 13 عاما مختبئا خلف جدار بناه في منزل جده بمدينة اللاذقية شمال غربي سوريا، بعدما قرر أن يجعل من المكان الضيق سجنا اختياريا يحميه من العودة إلى المعتقل.
عاش زكور أكثر من عقد داخل مساحة ضيقة خلف جدار منزله، لا تتجاوز مساحتها قرابة متر واحد، في حين بلغ ارتفاعها نحو 3 أمتار، وفق رواية نقلتها وسائل إعلام محلية.
ولم يكن يخرج منها، بل كان ينتظر زوجته لتدخل إليه الطعام والشراب والملابس والدواء عبر فتحة صغيرة في الجدار.
بدأت القصة، بحسب رواية زكور بعد اعتقاله في السنوات الأولى من الثورة السورية، ثم الإفراج عنه واعتقاله مرة أخرى. وأصبح يخشى أن ينتهي به الأمر خلف القضبان للمرة الثالثة.
وعندما وجد أن الاختفاء هو السبيل الوحيد لتجنب اعتقال جديد، لجأ إلى مبنى كان لا يزال قيد الإنشاء، وبنى جدارا يخفي خلفه مساحة تكفي لبقائه بعيدا عن الأنظار.
هناك عاش سنواته التالية بعيدا عن الحياة اليومية؛ ينام ويأكل ويصلي، ويسمع أصوات أبنائه داخل المنزل من دون أن يستطيع الظهور أمامهم. ووصف تقرير عن قصته المكان بأنه مساحة تشبه القبر لضيقها وانغلاقها.
ولم تكن زوجته مجرد حلقة الوصل بينه وبين العالم الخارجي، بل أصبحت الشخص الوحيد الذي يعرف أنه لا يزال على قيد الحياة.
كانت تدخل إليه حاجاته من خلال فتحة صغيرة في الجدار، وتتكفل بإعالة الأسرة، وقد أخبرت أبناءها أن والدهم تُوفي.
تحولت قصة اختفائه إلى وفاة كاملة في نظر المحيطين به. وقالت زوجته إن شقيقه المقيم في تركيا أقام مجلس عزاء له، بعدما اعتقد أن محمدا قد مات، في حين أنه ظل حيا على بعد أمتار من أفراد أسرته، خلف الجدار الذي اختار أن يختبئ وراءه.
ولم يكن خوف زوجته من انكشاف الأمر مقتصرا على إخفائه عن الأقارب، فقد أخفت الحقيقة حتى عن أبنائها، خشية أن يتحدث أحدهم عنها من دون قصد.
وقال زكور، في رواية نقلتها وسائل إعلام محلية، إن الطفل قد يكشف ما يعرفه ببساطة، ولذلك كان إخفاء الحقيقة عن الأبناء جزءا من حماية سر المخبأ.
حتى المرض لم يكن سببا كافيا لخروجه، فعندما كان يمرض، كان يصف لزوجته الأعراض التي يشعر بها، فتذهب هي إلى الطبيب وتشرح له الحالة، ثم تعود بالدواء إلى زوجها المختبئ خلف الجدار.
وهكذا تحولت الزوجة إلى حلقة الوصل الوحيدة بين الرجل والعالم الخارجي، فهي التي تؤمّن طعامه ودواءه وملابسه، وهي التي تعرف مكانه، في الوقت الذي كان فيه أبناؤه يعتقدون أن والدهم رحل منذ سنوات.
وظل زكور داخل مخبئه حتى فجر 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما سمع أصوات التكبير في الخارج وسأل زوجته عن سببها، فأخبرته أن نظام بشار الأسد سقط.
عندها فقط، وبعد سنوات طويلة خلف الجدار، انتهى السجن الذي بناه لنفسه، وخرج الرجل الذي عاش حيا في الوقت الذي كان فيه الآخرون قد ودعوه ميتا.
لكن المفارقة الأغرب في قصته أن الرجل لم يكن يختبئ من العالم داخل غرفة سرية فحسب، بل عاش سنوات وهو يسمع أفراد أسرته من الجهة الأخرى، بينما كانت زوجته وحدها تعرف أن الشخص الذي يظنه الجميع غائبا عن الحياة كان لا يزال خلف ذلك الجدار.
المصدر:
الجزيرة