آخر الأخبار

أردم أوزان يكتب: فخ السرعة.. لماذا يواجه "تحالف مكة" اختبارًا صعبًا؟

شارك
فيسبوك (تويتر سابقا) شارك رابط
تم نسخ الرابط

هذا المقال بقلم الدبلوماسي التركي أردم أوزان، سفير أنقرة السابق لدى الأردن، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN .

تعد الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت الرياض وينبع في 19 سبتمبر تصعيدًا تكتيكيًا آخر من جانب الحوثيين، وتحركًا محسوبًا استهدف بصورة مباشرة، اختبار إطار مؤسسي جديد: اتفاق مكة للدفاع المشترك.

فالاتفاق، الذي وقعته في أغسطس/آب كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، حمل وعدًا بتأسيس بنية أمنية إقليمية جديدة. إلا أن الضربات التي استهدفت العاصمة السعودية ومراكز الطاقة كشفت، بعد أسابيع فقط من توقيعه، عن إحدى أبرز نقاط الضعف الهيكلية فيه.

المشكلة هنا لا تتعلق بالإرادة السياسية، بل بوجود فجوة جوهرية في سرعة الاستجابة.

فالحروب الحديثة التي تخوضها جهات من غير الدول تتحرك بسرعة العمليات العسكرية المباشرة. أسراب الطائرات المسيّرة الهجومية أو رشقات الصواريخ الباليستية يمكن إطلاقها وتتبعها ووصولها إلى أهدافها خلال دقائق. ولا توجد في مثل هذه العمليات لجان برلمانية تنتظر الاجتماع، أو إجراءات معاهدات يجب استكمالها، أو قنوات دبلوماسية ينبغي التشاور معها قبل التحرك.

أما منظومات الدفاع المؤسسية، فتعمل وفق إيقاع مختلف تمامًا. فبناء تحالف دفاعي يتطلب وضع قواعد للاشتباك، وربط أنظمة رادار ودفاع جوي قد تعمل بتكنولوجيات غير متوافقة، وإنشاء مراكز قيادة مشتركة. وفي أوقات السلم، قد يستغرق بناء مثل هذه المنظومات سنوات.

ويدرك الخصوم جيدًا وجود هذه الفجوة. لذلك، فهم لا ينتظرون حتى تنضج الاتفاقيات الدفاعية وتصبح جاهزة للعمل، وإنما يسعون إلى استغلال نافذة الهشاشة الممتدة بين يوم توقيع الاتفاق ويوم اكتمال التكامل الفعلي بين المنظومات والقدرات العسكرية.

ومن خلال استهداف الرياض وينبع في هذا التوقيت، وضع الحوثيون الاتفاق أمام اختبار مبكر: هل سيتحرك التحالف باعتباره مظلة دفاعية عملياتية واحدة، أم ستتعطل استجابته داخل اللجان والإجراءات؟

هذا الواقع يعيد تعريف ما ينبغي لاتفاق مكة أن يقدمه فعليًا

الخليج لا يحتاج إلى فرق مشاة أجنبية. والسعودية لا تعاني نقصًا في القوات التقليدية. لكن ما تحتاج إليه في مواجهة هجمات الإغراق المتواصلة هو القدرة التقنية على الصمود والاستمرار. لأن الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة تستنزف صواريخ الاعتراض المكلفة في أنظمة الدفاع الجوي بوتيرة يصعب تحملها على المدى الطويل. كما أن حماية منشآت حيوية، مثل مطار الملك خالد الدولي وخطوط أنابيب النفط، تتطلب تكاملًا فوريًا بين أنظمة الرادار، ووحدات للحرب الإلكترونية، وقدرة مستمرة على تجديد الإمدادات والمعدات.

وقد أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى هذا التوجه في تصريحاته الأخيرة لقناة NTV . إذ تتركز استراتيجية أنقرة على تقديم الدعم التقني بناءً على الطلب، واعتراض الطائرات المسيّرة، والتكامل المشترك بين أنظمة الرادار، مستفيدةً من نحو 7 عقود من الخبرة العملياتية ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بدلًا من إرسال قوات عسكرية إلى الميدان.

لكن توجه السياسة الخارجية التركية نفسه يضيف عنصرًا من التعقيد إلى المعادلة.

الحسابات الدبلوماسية

اتجهت تركيا نحو براغماتية صارمة تقودها التكنولوجيا، وتسعى أنقرة إلى ترسيخ موقعها كمورّد لا غنى عنه للصناعات الدفاعية في المنطقة، من خلال توفير بيانات الرادار، ومنظومات الحرب الإلكترونية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، ولكن من دون الدخول في التزامات عسكرية مفتوحة الأمد.

وقد تكون معادلة (القدرة من دون الالتزام) مناسبة لأنقرة؛ فهي تراعي حساسية الرأي العام التركي تجاه الانخراط في صراعات خارجية، كما تساعد على تجنب مواجهة مباشرة مع طهران، التي تشترك معها تركيا في حدود جغرافية وخطوط حيوية لإمدادات الغاز.

لكن هذا الحذر نفسه قد يُقرأ في الرياض باعتباره نوعًا من الموازنة القائمة على المصالح. فإذا شعرت السعودية بأن شركاءها يترددون في تقديم الدعم أثناء هجوم صاروخي فعلي، فإن اتفاق مكة قد يخاطر بالتحول من اتفاق للدفاع المشترك إلى مجرد سلسلة من عقود تصدير الصناعات الدفاعية.

وتحت هذه الحسابات الدبلوماسية، تبرز أيضًا حقيقة اقتصادية واضحة. فبينما يشهد قطاع الصناعات الدفاعية التركي نموًا كبيرًا، لا يزال الاقتصاد المحلي الأوسع يواجه ضغوطًا تضخمية قوية. وتحتاج أنقرة إلى رؤوس الأموال والاستثمارات السيادية الخليجية. وفي المقابل، تحتاج الرياض إلى القدرات التصنيعية الدفاعية التركية وتكنولوجيا الحرب الإلكترونية للحفاظ على جاهزية منظومات دفاعها الجوي واستمرار إمدادها. وتبدو المصالح متكاملة، لكن ذلك يعتمد على قدرة التحالف على تجاوز مرحلة تأسيسه العملياتي الأولى.

إن اعتماد نموذج يقوم على تفعيل الدعم بناءً على طلب الدولة المضيفة، بحيث يتعين عليها تقديم طلب صريح قبل تشغيل آليات التحالف، يوفر حماية مهمة للسيادة الوطنية. لكن في بيئة تهديد فعلية، تتحرك فيها الطائرات المسيّرة على ارتفاعات منخفضة ومن مسافات قصيرة، قد تعني التأخيرات الإجرائية وصول الهجوم إلى هدفه قبل اتخاذ القرار.

ردم الفجوة

ولهذا، فإن ردم هذه الفجوة يتطلب تجاوز الجداول الزمنية التقليدية لبناء التحالفات.

وبينما لا يستطيع الموقعون انتظار إنشاء الأمانات والهياكل الرسمية بالكامل، سيحتاجون إلى وضع ترتيبات عملياتية فورية، تشمل مراكز قيادة مشتركة دائمة في الرياض، وربطًا آليًا وفوريًا لبيانات الرادار الخاصة بالمجال الجوي، وآليات معتمدة مسبقًا لنقل معدات مكافحة الطائرات المسيّرة ونشرها فور ظهور أي تهديد.

ولا تقتصر المخاطر هنا على مسألة الدفاع عن الحدود.

فبالنسبة إلى اقتصادات الخليج التي تمول خططًا لتنويع اقتصاداتها بقيمة تريليونات الدولارات، تحمل الغارات الجوية على العواصم تكاليف مالية مباشرة. فهي تزيد المخاطر على الطيران التجاري، وترفع أقساط التأمين البحري، وتؤثر في ثقة المستثمرين الأجانب. كما أن مسارات الطاقة البديلة، مثل خط أنابيب شرق–غرب الممتد إلى ينبع، تفقد جزءًا من قيمتها الاستراتيجية بمجرد أن يصبح أمن حركة الطاقة عبرها موضع شك.

فالردع على الورق لن يعترض صواريخ كروز ولن يُقاس نجاح اتفاق مكة للدفاع المشترك بحجم الوعود التي قُدمت عند توقيعه في أغسطس، بل بالسرعة التي يستطيع بها أعضاؤه تحويل ما كُتب بالحبر الدبلوماسي إلى قدرات دفاعية عملياتية على الأرض.

وعندما تتحرك الديناميكيات الإقليمية بوتيرة أسرع من الأطر المؤسسية، يصبح ردم فجوة السرعة بين القرار والقدرة على التحرك شرطًا أساسيًا لبقاء أي تحالف وفاعليته.

* نبذة عن الكاتب:

أردم أوزان دبلوماسي تركي متمرس يتمتع بخبرة 27 عامًا في الخدمة الدبلوماسية. وقد شغل العديد من المناصب البارزة، بما في ذلك منصبه الأخير كسفير لدى الأردن، بالإضافة إلى مناصب في الإمارات العربية المتحدة والنمسا وفرنسا ونيجيريا.

ولد في إزمير عام 1975، وتخرج بمرتبة الشرف من كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. واكتسب معرفة واسعة بالمشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الشرق الأوسط، حيث قام بتحليل تعقيدات الصراعين السوري والفلسطيني، بما في ذلك جوانبهما الإنسانية وتداعياتهما الجيوسياسية.

كما شارك في العمليات الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتخصص في مجال حقوق الإنسان والتطورات السياسية الإقليمية. وتشمل مساهماته توصيات لتعزيز السلام والاستقرار من خلال الحوار والتفاوض بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. ويواصل حاليا دراساته عن الشرق الأوسط بينما يعمل مستشارا.

سي ان ان المصدر: سي ان ان
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اليمن

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا