في ظل الجمود الذي يشهده الصراع الإيراني الذي يشنه دونالد ترمب، كثف مفاوضو إدارته جهودهم لحل النزاع الروسي الأوكراني، الذي دخل في الأشهر الأخيرة مرحلة جديدة خطيرة: مرحلة تصعيد متبادل أشعلتها الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية المدنية الروسية.
وكما أوضح مستشار الرئيس الأوكراني، ميخايلو بودولياك، فإن الهدف من هذه الهجمات هو "إفقار الشركات الصغيرة"، و"خلق شعور شامل بالحرب" لدى الروس. إن هذه التصريحات لا تدع مجالا للشك في الطبيعة الانتقامية الصريحة لهذه الهجمات.
وردا على ذلك، حرمت روسيا كييف فعليا من صادرات البحر الأسود، وشنت حملة انتقامية ضد المنشآت اللوجيستية في أوكرانيا.
من جانبه، وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تهديدات ضد الأسطول الجوي المدني الروسي.
من الواضح أن هذا التصعيد يزيد من احتمالية استخدام الأسلحة النووية التكتيكية (وهو أمر أراه واردا إذا أقدمت أوكرانيا على إسقاط طائرة مدنية روسية)، وامتداد الحرب إلى ما وراء حدود المنطقة، لتتحول إلى صراع إقليمي، بل وربما إلى حرب عالمية ثالثة.
لقد أصبح دونالد ترمب نفسه رهينة لهذا الوضع. ويبدو أنه يدرك أيضا أن أوكرانيا ستخسر هذا الصراع، لكنه لا يستطيع الضغط علنا على زيلينسكي للاعتراف بهذه الحقيقة
في هذا السياق، يبدو جليا تكثيف جهود فريق التفاوض الأمريكي لخفض التصعيد ومنع اندلاع حرب عالمية ثالثة، والعمل إن أمكن، على إنهاء الصراع.
بيد أن المشكلة تكمن في أن جهود ويتكوف وكوشنر تكاد تكون عديمة الجدوى، فهما وحدهما لا يستطيعان التأثير في الأطراف المتنازعة.
تعتقد روسيا أن الوقت في صالحها: فأوكرانيا على أعتاب الشتاء ببنية تحتية طاقية مدمرة، ونقص حاد في الصواريخ الاعتراضية، وفضائح فساد، وإدارة عامة فوضوية، كما يتضح من تبادل إطلاق النار الأخير بين عناصر من جهازي أمن أوكرانيين في شوارع كييف (والذي دار كالعادة باللغة الروسية).
هذا الوضع يمكن روسيا من المطالبة بتنفيذ أهدافها المعلنة، أي نقل كامل مقاطعة دونباس إلى سيطرة موسكو. وقد أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، مؤخرا أن روسيا واثقة من النصر، لكنها لا تشدد مطالبها. أما أوكرانيا، فلا يمكنها اتخاذ مثل هذه الخطوة طواعية؛ فهي بمثابة انتحار سياسي لفولوديمير زيلينسكي، وإهانة بالغة للبلاد بأسرها.
لقد كان من الممكن إنهاء الحرب بشرط تسليم دونباس لروسيا قبل سنوات، وهو ما كان سيحافظ على أرواح وصحة ورفاهية مئات الآلاف من الناس.
روسيا، التي تعارض حلف الناتو فعليا، لا تحقق أهدافها بالسرعة التي تريدها، بينما أوكرانيا، التي تخسر مواقعها تدريجيا، ترفض تقديم أي تنازلات. ويتكوف وكوشنر وترمب مذهولون من الأحداث المتسارعة. هناك تعبير بليغ في الخطاب السياسي الأمريكي: هل شاهدت كارثة قطار بالحركة البطيئة؟ عندما ينحرف القطار عن مساره، والمعدن يتحطم مع صوت صرير مرعب، والآلة الضخمة التي تزن أطنانا تنهار إلى كومة من الأنقاض، وأنت عاجز تماما.
الشيء الوحيد الذي يمكن لويتكوف وكوشنر فعله اليوم هو الضغط على فولوديمير زيلينسكي، مطالبين إياه بالاعتراف بالواقع وتوضيح الحقائق التي ترفضها كييف.
ففي خطاب له في يالطا، صرح كوشنر علنا بأن العقبة الوحيدة المتبقية أمام اتفاق سلام هي القضية الإقليمية. وهذا، بالمناسبة، يفند أيضا أسطورة الطبيعة "الراديكالية" لمطالب روسيا، ورغبتها في "الاستيلاء على أوكرانيا بأكملها" و"إعادة الاتحاد السوفياتي".
لكن هذه التصريحات غير كافية بالتأكيد: فكوشنر وإدارة ترمب يدعوان موسكو وكييف إلى التفكير "بشكل أوسع من مجرد مسألة الأراضي" وتقييم إمكانية التعاون الاقتصادي مع واشنطن بعد الحرب.
غير أن هذا المنطق غريب عن الصراع الروسي الأوكراني: فالإدارات الأمريكية (والتعاون الاقتصادي معها) تتغير، لكن الأراضي المحتلة تبقى.
تعتقد روسيا أن الوقت في صالحها: فأوكرانيا على أعتاب الشتاء ببنية تحتية طاقية مدمرة، ونقص حاد في الصواريخ الاعتراضية، وفضائح فساد، وإدارة عامة فوضوية
علاوة على ذلك، سياسيا، لا يستطيع فلاديمير بوتين ولا فولوديمير زيلينسكي التضحية بالأرض مقابل الوعد الوهمي بالثروة الأمريكية: فبالنسبة للطرفين، هذا صراع وجودي جوهري وحاسم، يُقاس بالمعايير التاريخية ولا يُختزل إلى مجرد ميزان بين الدخل والإنفاق.
لقد أصبح دونالد ترمب نفسه رهينة لهذا الوضع. ويبدو أنه يدرك أيضا أن أوكرانيا ستخسر هذا الصراع، لكنه لا يستطيع الضغط علنا على زيلينسكي للاعتراف بهذه الحقيقة:
أولا، لأنه يجب أن يظهر كأقوى زعيم عالمي ومنتصر في أي معركة، لا كـ"رجل قدم تنازلات لبوتين"، وهذا أمر بالغ الأهمية من منظور سياسي داخلي، لا سيما في ظل تعاطف شريحة كبيرة من المؤسسة الأمريكية مع أوكرانيا.
ثانيا، تولى الاتحاد الأوروبي دور الراعي الرئيسي -أيديولوجيا وماليا- مما يحد من حرية الولايات المتحدة في المناورة.
وأخيرا، لا يستطيع ترمب ممارسة ضغط علني على أوكرانيا، والضغط من وراء الكواليس غير كاف في ظل معارضة الاتحاد الأوروبي المستمرة.
لا يقتصر الأمر على دعم القضية الأوكرانية المحكوم عليها بالفشل، بل يجب أيضا غض الطرف عن الفساد المستشري والأيديولوجية القومية المتطرفة المتفشية (التي أثارت غضب دول مثل بولندا)، والانهيار التدريجي للمؤسسات العامة.
نتيجة هذا الوضع هي طريق مسدود: فالأحداث تسير ببطء ولكن بثبات، ولا يمكن لأي جهود تفاوضية أن تؤثر فيها.
لا يستطيع ترمب ممارسة ضغط علني على أوكرانيا، والضغط من وراء الكواليس غير كاف في ظل معارضة الاتحاد الأوروبي المستمرة
علاوة على ذلك، حتى لو تجاهلنا التقييم الأخلاقي للصراع وقبلنا صيغة ترمب "إنهاء الصراع بأي ثمن"، فإن الإستراتيجية المثلى تصبح واضحة.
إن أوكرانيا ترتكز على عدة دعائم: المساعدات المالية والعسكرية من الاتحاد الأوروبي، والمساعدة الاستخباراتية من الولايات المتحدة، والإمدادات الإنسانية من دول عديدة، ورغبة جزء كبير من العالم في غض الطرف عن الفساد، والتجنيد الإجباري، وإغلاق الحدود، ونزعات زيلينسكي الاستبدادية.
ومن السهل ملاحظة أن جميع هذه الدعامات تقريبا خارجية. إن إزالة واحدة أو اثنتين منها فقط سيجعل الدفاع عن دونباس مستحيلا على أوكرانيا، مما يسمح للجيش الروسي باحتلالها بسرعة.
مع ذلك، تعتمد روسيا على اقتصادها وصناعتها وقدراتها العسكرية، ولا تصلها أي مساعدات خارجية كمساعدات إنسانية، بل كدفعة مقابل توريد موارد طاقة محددة: النفط والغاز والمعادن الحديدية وغير الحديدية.
روسيا قائمة على ذاتها. هذه المعادلة البسيطة صحيحة بغض النظر عن الطرف الذي تتعاطف معه: فمن الواضح أن روسيا اليوم تتمتع بمرونة أكبر، وقدرة تحمل أعلى، وجاهزية أكبر.
مع ذلك، فإن أهدافها العسكرية المعلنة محدودة للغاية، وكما ذكرت، فهي ليست "متطرفة" أو "متهورة" أو "مستحيلة".
علاوة على ذلك، فهي تضمن الحفاظ على أوكرانيا كدولة ذات سيادة ومستقلة في العلاقات الدولية. لكن لأسباب سياسية، لا يستطيع ويتكوف ولا كوشنر ولا ترمب نفسه في الوقت الراهن إجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات محدودة وإنهاء الصراع بسرعة، على الرغم من قدرتهم الفعلية على ذلك.
لذلك، من المرجح أن تُجبر روسيا على التغلب على المقاومة المشتركة لأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي ( الناتو) والسعي لتحقيق أهدافها بشكل مستقل.
عندها، لن يتبقى لكوشنر وترمب وبقية العالم إلا مشاهدة "الكارثة بالعرض البطيء".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة