في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في حرب تكالبت فيها كل مشاهد المعاناة ووثّقتها عدسات الكاميرا والبث الحي، كانت هذه الوسائل (الكاميرا ومعدات نقل الصور والبث الحي) هي الخيط الرفيع الذي يصل قطاع غزة بالعالم بتوثيق الحقيقة ونقل القصص، لكن الحصار الإسرائيلي يحاول إطفاء آخر شعلة أمل.
فالعاملون في قطاع البث التلفزيوني من الصحفيين والمصورين وغيرهم يواجهون مشكلات يومية في استخدام الكاميرات ومعدات التسجيل ونقل الصور.
ويقول أحد الموردين الأساسيين لمعدات التصوير في غزة إنه منذ بداية الحرب وإحكام الاحتلال إغلاق المعابر، مُنع إدخال أي معدات أو لوازم صحفية إلى القطاع.
ويقول المورد للجزيرة مباشر إن هذا الخناق الذي امتد لسنوات بلغ ذروته اليوم؛ فالكاميرات المتوفرة أصبحت متهالكة تماما، وفي ظل حاجة الصحفيين الماسة لتوثيق الأحداث، شهدت الأسواق نقصا حادا وارتفاعا جنونيا في الأسعار، حيث قفز سعر الكاميرا التي كانت تُباع بألفي دولار قبل الحرب إلى نحو 6 آلاف دولار وهي بحالة مستعملة.
ويضيف أن المنع الإسرائيلي لم يقتصر على الكاميرات الاحترافية أو سيارات البث المباشر "إس إن جي" (SNG) التي كان دخولها يتطلب تنسيقات معقدة حتى قبل الحرب، بل شمل أبسط اللوازم الأساسية كالعدسات والبطاريات ومعدات الإضاءة وحتى المعدات الخاصة بمصوري الاستوديوهات والأفراح.
وتفاقمت الأزمة مع تعرض العديد من المحال التجارية للسرقة أو التدمير خلال موجات النزوح المتكررة، مما جعل الحصول على أبسط معدات التصوير ضربا من المستحيل.
ولم تقتصر ضريبة هذه الحرب على استنزاف المعدات، بل تعدتها لتصل إلى أرواح من يحملونها. ويروي أحد الصحفيين والمصورين الميدانيين بمرارة تفاصيل هذه المعاناة، مؤكدا أن حرب الإبادة باغتتهم وأن معداتهم كانت تعاني أصلا من التهالك.
ومع غياب أبسط المستلزمات اليومية -كبطاريات الصوت من نوع "دوراسيل" (Duracell)- وحالة النزوح المستمر، تتساقط المعدات وتتلف واحدة تلو الأخرى.
ويستذكر الصحفي بأسى رفيق دربه الشهيد صحفي الجزيرة سامر أبو دقة، الذي ارتقى خلال تغطيته للأحداث في خان يونس، ليفقد القطاع الصحفي فارسا من فرسانه، على حد تعبيره، وتُفقد معه المعدات التي كانت بحوزته.
واليوم، يجد الصحفيون أنفسهم مضطرين لاستخدام كاميرات غير احترافية أو تشغيلها بأنظمة يدوية بدائية وشراء كابلات الصوت والصورة بأضعاف ثمنها الحقيقي -إن وُجدت- في سبيل إبقاء الصورة حية على الشاشات.
في الكواليس الهندسية التي تقف خلف الشاشات، تبدو الصورة أكثر قتامة. يؤكد أحد مهندسي البث المباشر أن حرب الإبادة الإسرائيلية لم تقتصر على الحجر والبشر، بل استهدفت بشكل ممنهج معدات الصحفيين لإحكام التعتيم الإعلامي.
ويوضح المهندس أن قطاع الهندسة استُنزف كليا بعد عام كامل من العمل المتواصل تحت النار.
ففي الأيام الأولى للحرب، تم استهداف المكاتب الإعلامية وتدمير معظم سيارات وعربات البث، ولم يتمكن الطاقم من إنقاذ أي شيء خلال نزوحه من شمال غزة نحو الوسط والجنوب.
ومع غياب سيارات البث، أصبح الاعتماد الكلي على أجهزة البث عبر الإنترنت، التي تواجه تحديات تقنية قاتلة.
فكابلات نقل الصورة المتصلة بوصلات "بي إن سي" (BNC) غير متوفرة إطلاقا في القطاع، وأي تلف في وصلة واحدة يعني خروج الكابل بأكمله عن الخدمة، مما يضطر المهندسين لابتكار حلول بدائية كاستخدام كابلات كاميرات المراقبة لتوصيل الصورة.
أما أزمة الطاقة، فتمثل تحديا مستقلا، إذ تعاني الطواقم من نقص حاد في البطاريات وتعتمد على مولدات كهربائية متهالكة ولا تتوفر لها أي قطع غيار.
وقد وصل شح المعدات وضعف الإمكانيات إلى حد يدفع المهندسين لتثبيت أجهزة البث المباشر المتبقية بالحجارة، في مشهد يختزل حجم المعاناة وقوة الإرادة في آن واحد.
ورغم كل هذه التحديات، وعملهم في بيئة محفوفة بالموت ومفتقرة لأبسط مقومات العمل الصحفي، يواصل الصحفيون والمصورون في غزة تخطي التحديات التقنية، مصرين على أن تبقى عدساتهم شاهدة على الحقيقة، وأن يظل بثهم حيا يكسر حصار الاحتلال، ولو كان مسنودا بالحجارة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن استهداف الصحفيين يعكس معاناة غزة الشاملة، حيث أدت الحرب إلى استشهاد نحو 73 ألف فلسطيني، وإصابة 173 ألفا، وتدمير 90% من البنية التحتية، مع استمرار الخروقات الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وفي سياق متصل، أشار نادي الأسير الفلسطيني إلى أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين (في غزة والضفة الغربية) شهد تصاعدا غير مسبوق سواء بالاغتيال أو الاعتقال والملاحقة، مسجلا اعتقال أكثر من 245 صحفيا منذ بدء حرب الإبادة، لا يزال 42 منهم رهن الاعتقال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة