برلين- "حتى الكلام صار ممنوعا" عبارة تلخص معاناة أضحى يواجهها الناشط الألماني من أصول فلسطينية الدكتور محمود أبو عودة، في ظل محاولات السلطات الألمانية لإسكات صوته خلال مشاركته في الفعاليات المؤيدة لفلسطين.
ومع تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، شهدت برلين -مثل غيرها من العواصم الأوروبية- تنظيم أنشطة داعمة لفلسطين، لكن هذا لم يمنع السلطات الألمانية من قمع تلك الفعاليات وملاحقة ناشطين ومنظمين لها واتخاذ إجراءات بحقهم.
وهو ما تعرض له أبو عودة، الذي أكد للجزيرة أن الأمر بدأ بمنعه من إلقاء الكلمات أمام المتظاهرين، قبل أن يتحول إلى سلسلة من القيود المتصاعدة التي طالت حتى تسجيلات صوته والشعارات التي يرددها.
وروى الدكتور أبو عودة أن السلطات الألمانية في مدينة مانهايم (وسط البلاد) منعته أولا من الظهور متحدثا رسميا في المظاهرات.
وقال إنه حين توقف عن الهتاف وسجل خطبه وأعطاها إلى أصدقاء له لتشغيلها خلال الفعاليات "انزعجت الشرطة من مجرد تشغيل التسجيل ومن سماع صوتي".
وأضاف أن المشكلة لم تكن في مضمون حديثه، موضحا أن محتوى خطابه قانوني وأن الشرطة لم تمنعه، ولكن الاعتراض انصب على سماع صوته بحد ذاته "فأنا نفسي لا أعرف لماذا".
وتابع "لأن ما أقوله لا يتوافق مع مصلحة الدولة العليا ولا يعجب هذا البلد، لكن لديَّ ببساطة منظور مختلف لما يحدث في فلسطين".
ونفى أنه يدعو إلى "العنف والكراهية"، كما اتهمته السلطات الألمانية، قائلا إن ما دعا إليه هو "فلسطين متساوية من النهر إلى البحر لجميع الناس، بصرف النظر عن ديانتهم، سواء كانوا يهودا أو مسيحيين. فالقضية ليست الديانة، بل الأرض نفسها. لكن الشرطة وهيئة تنظيم التجمعات تريدان تفسير ذلك سياسيا بصورة مختلفة، وتصويرهم كفلسطينيين باعتبارهم يمجدون العنف والشر".
وأضاف "إنهم يتحدثون عن الإبادة ويقولون إننا نريد إبادة اليهود، في حين أن الناس في غزة يتعرضون الآن فعليا للإبادة. إنه تناقض مرضي وأمر جنوني حقا".
وأوضح أبو عودة أن ما قاله وسيظل يردده هو "من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر"، مبيّنا أنه كسب القضية أمام محكمة مانهايم الإقليمية، لكن السلطات التنفيذية وخاصة الشرطة تتجاوز هذا الحكم، وتستخدم مقارنات مريبة اختلقتها لتبرير اعتباره خطرا على المجتمع "ولكني أرى أن السبب الوحيد هو أنني فلسطيني".
ووصف أبو عودة ما كان يجري بينه وبين السلطات الألمانية بأنه يشبه "لعبة القط والفأر"، حيث تتوسع القيود تدريجيا لتضييق مساحات التعبير التي يكفلها الدستور الألماني.
ويشير إلى أنهم يفعلون معه ذلك تحديدا، لأنه يعرفهم ويتقن لغتهم وثقافتهم جيدا، وأنه قادر على مخاطبة مجتمعهم بثقة، مما جعل صعبا عليهم أن يعثروا على شيء سلبي يمكنهم استخدامه ضده دليل إدانة "فأنا شخص لا يمكن تجاهله بسهولة. ولأنني رفضت الخضوع لروايتهم أو السماح لهم بتقييد كلامي، أسكتوني".
وتركت هذه التجربة أثرا عميقا في علاقة أبو عودة بالبلد الذي وُلد وترعرع فيه ونال درجة الدكتوراه، وقال إنه لم يعد يشعر بأن ألمانيا كما كانت في السابق، وبات يرى أنه أصبح غريبا وأن المجتمع الذي اندمج فيه خذله.
ورغم تأكيده أنه لم يختر أن يكون فلسطينيا، فإن الدفاع عن القضية الفلسطينية -خصوصا في ظل الحرب على غزة- يشكل مسؤولية أخلاقية لا يستطيع التخلي عنها.
وعبّر أبو عودة عن اقتناعه بأن هناك حدودا سياسية غير معلنة لما يُسمح للفلسطينيين بقوله في الفضاء العام الألماني، مضيفا أنه خلافا لما يراه البعض بأن إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، فإن "ما تمثله إسرائيل في الحقيقة هو مستعمرة استيطانية. الفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال منذ 78 عاما، وما زالوا يتعرضون للمجازر. ليس لإسرائيل الحق في ذلك".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة