آخر الأخبار

مصر والهند في بريكس.. شراكة تتجاوز حدود البلدين

شارك

لم يكن المؤتمر الذي استضافه النادي الدبلوماسي بالقاهرة حول «الشراكة المصرية الهندية في مجموعة بريكس: نحو رؤية مشتركة للجنوب العالمي» مجرد لقاء دبلوماسي للحديث عن العلاقات بين القاهرة ونيودلهي، بقدر ما كان محاولة للنظر إلى هذه العلاقة من زاوية أوسع: ماذا يمكن أن تضيف الشراكة المصرية الهندية إلى بريكس، وماذا يمكن أن تضيف عضوية البلدين في المجموعة إلى التعاون بينهما؟

جاء اللقاء في توقيت له دلالته؛ فالهند تتولى رئاسة بريكس خلال عام 2026 تحت شعار «البناء من أجل المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة»، وتستعد لاستضافة القمة المقبلة للمجموعة. ويتزامن ذلك مع دخول بريكس مرحلة جديدة بعد التوسع الذي شهدته عضويتها، مع انضمام مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة، ثم انضمام إندونيسيا لاحقًا. وفي هذا السياق، اكتسب النقاش أهمية خاصة؛ إذ يلتقي البلدان داخل مجموعة باتت أكثر اتساعًا وتنوعًا، بينما يمتلك كل منهما عناصر يمكن أن تكمل الأخرى.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لا انسحاب من غزة ولبنان وسوريا.. أي سلام تريده إسرائيل؟
* list 2 of 2 لهذه الأسباب اختلفت تغطية صحف الخليج للحرب على غزة end of list

فالهند قوة آسيوية صاعدة بثقل اقتصادي وتكنولوجي، فيما تتمتع مصر بموقع يربط بين العالم العربي وأفريقيا والبحر المتوسط. ويمنح اختلاف الموقع والخبرات والإمكانات بين البلدين فرصًا واسعة للتكامل داخل بريكس، التي أصبحت تضم دولًا أكثر تنوعًا في تجاربها ومصالحها ومواقعها الجيوسياسية.

ويطرح هذا الواقع سؤالًا يتجاوز حدود المؤتمر نفسه: إلى أي مدى يمكن للشراكة المصرية الهندية، في ظل عضويتهما في بريكس، أن تنتقل من إطار العلاقات الثنائية التقليدية إلى تنسيق أوسع يسهم في صياغة مبادرات تخدم مصالح البلدين وأولويات دول الجنوب العالمي؟ ولا يتعلق الأمر هنا بافتراض تطابق مصالح القاهرة ونيودلهي، وإنما بالبحث عن المساحات التي يمكن أن يتحول فيها التقارب بينهما إلى عمل مشترك داخل المجموعة.

إعلان

ويستخدم مفهوم «الجنوب العالمي» هنا بالمعنى الذي يشير إلى الدول النامية والصاعدة التي تتقاطع مصالحها، بدرجات متفاوتة، حول قضايا التنمية وإصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، وزيادة قدرتها على التأثير في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي. وهي ليست كتلة متجانسة، كما أن دولها لا تتبنى بالضرورة المواقف نفسها، لكن ما يجمعها هو السعي إلى حضور أكبر في المؤسسات الدولية وإلى نظام أكثر استجابة لأولوياتها التنموية. ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب بريكس أهميتها بالنسبة إلى مصر والهند.

مصدر الصورة مؤتمر بريكس بالقاهرة، من اليسار لليمين، السفير الهندي، وسريبريا رانجاناثان نائبة وزير خارجية الهند، ووزير الخارجية المصري السابق محمد العرابي ومساعد الوزير تامر مصطفى (الجزيرة)

بريكس كمساحة لتوسيع الشراكة

انعكس هذا الاتساع في أجندة المؤتمر، التي لم تتعامل مع بريكس باعتبارها إطارًا اقتصاديًا منفصلًا عن بقية العلاقات الدولية، بل فتحت النقاش أمام مجموعة من الملفات التي تتصل بمستقبل التعاون بين دولها. فقد تناولت إحدى الجلسات التوافق الاستراتيجي والحوكمة الدولية، وما يرتبط بإصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز تمثيل دول الجنوب، قبل الانتقال إلى قضايا التنمية وتمويلها والتجارة والاستثمار. ثم امتد النقاش إلى التكنولوجيا والابتكار، وما يمكن أن تتيحه التحولات الرقمية من فرص أمام الدول النامية، وصولًا إلى الحوار الثقافي والحضاري بوصفه مجالًا آخر لتعزيز الروابط بين المجتمعات.

ولا يعكس هذا التنوع مجرد تعدد الموضوعات المطروحة في المؤتمر، وإنما يكشف عن اتساع مفهوم التعاون داخل بريكس. فالمجموعة لم تعد تنظر إلى العلاقات بين أعضائها من زاوية التبادل الاقتصادي وحده، بل باتت القضايا التنموية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية جزءًا من النقاش حول قدرتها على صياغة أولويات مشتركة. ويتسق ذلك مع أجندة الرئاسة الهندية لبريكس في 2026، التي تركز على الابتكار والصحة والتنمية المستدامة، إلى جانب مسارات ثقافية تهتم بالتراث والاقتصاد الإبداعي والتواصل بين الشعوب.

ومن هنا تأخذ الشراكة المصرية الهندية داخل بريكس معنى يتجاوز مجرد وجود البلدين في المجموعة. فعضويتهما المشتركة تتيح لهما تنسيق مواقفهما بشأن ملفات تهم بقية دول بريكس، والاستفادة من إمكانات المجموعة لدعم أولوياتهما المشتركة، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو مجالات التعاون الأخرى.

لكن القيمة المضافة لبريكس لا يمكن قياسها بمجرد زيادة عدد اللقاءات بين المسؤولين المصريين والهنود، فالعلاقات بين البلدين سبقت انضمام مصر إلى المجموعة بعقود. وما ينبغي اختباره هو قدرة بريكس على توفير أدوات لم تكن متاحة، أو لم تكن مستغلة بالقدر نفسه، في إطار العلاقة الثنائية؛ سواء من خلال بنك التنمية الجديد، أو آليات التعاون الاقتصادي والقطاعي، أو منصات الأعمال والاستثمار، أو التنسيق في قضايا إصلاح المؤسسات الدولية. وهنا يصبح السؤال ليس فقط ماذا تستطيع مصر والهند أن تفعلا معًا، وإنما ماذا تستطيعان أن تفعلا داخل بريكس على نحو يصعب تحقيقه بالفاعلية نفسها خارجها.

إعلان

والأهم أن نجاح هذا التعاون لا يتطلب تطابقًا كاملًا في مواقف البلدين، بقدر ما يتطلب تحديد الملفات التي تلتقي عندها مصالحهما، ثم تحويل نقاط الاتفاق إلى مشروعات ومبادرات عملية يمكن أن يستفيد منها شركاء آخرون. فالقيمة التي يمكن أن تضيفها الشراكة المصرية الهندية إلى بريكس لا تكمن في عدد القضايا التي تتفق فيها القاهرة ونيودلهي، بل في قدرتهما على البناء على هذا الاتفاق وتطويره إلى مبادرات تمتد آثارها إلى دول أخرى في المجموعة.

من التبادل التجاري إلى التكامل الاقتصادي

أما الجانب الاقتصادي، فيضع الشراكة المصرية الهندية أمام اختبار عملي. فالعلاقات بين البلدين لم تعد تقتصر على حركة التجارة، وإنما اتسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل الاستثمار والصناعة وتكنولوجيا المعلومات والطاقة والأدوية وغيرها من المجالات.

وخلال المؤتمر، أشار السفير الهندي لدى القاهرة سوريش ك. ريدي إلى أن حجم الاستثمارات الهندية في مصر يتجاوز 5 مليارات دولار، وأن أكثر من 75 مصنعًا هنديًا يعمل في السوق المصرية، بما يعكس اتساع الحضور الهندي في الاقتصاد المصري.

لكن قيمة هذا الرقم لا تكمن في حجمه وحده، وإنما فيما يمكن أن يبنى عليه في المرحلة المقبلة. فمصر تملك موقعًا يربط أسواق أفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط، إلى جانب قناة السويس والمناطق الصناعية، بينما تمتلك الهند خبرة واسعة في التصنيع والتكنولوجيا والصناعات الدوائية والخدمات الرقمية.

ومن ثم، فإن المجال الأكثر أهمية أمام البلدين قد لا يكون زيادة ما يتبادلانه من سلع فحسب، وإنما تطوير مشروعات مشتركة تستفيد من مزايا كل طرف وتستهدف أسواقًا خارج حدود البلدين.

وعند هذه النقطة تحديدًا، يمكن أن تتحول العضوية المشتركة في بريكس من إطار للتنسيق الاقتصادي إلى منصة لبناء شراكات إنتاجية تمتد فائدتها إلى دول أخرى في المجموعة.

وهنا يظهر الفارق بين زيادة التجارة وبين بناء تكامل اقتصادي حقيقي. فارتفاع الصادرات والواردات، على أهميته، يظل شكلًا تقليديًا من أشكال العلاقات الاقتصادية، بينما يبدأ التكامل عندما تنتقل العلاقة إلى الاستثمار المشترك، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، والدخول في سلاسل إنتاج وقيمة تربط الاقتصادين بأسواق ثالثة.

وفي الحالة المصرية الهندية، تبدو الصناعات الدوائية وتكنولوجيا المعلومات والطاقة والصناعات الهندسية وبعض مجالات التصنيع من القطاعات التي يمكن أن تختبر فيها هذه الإمكانية.

كما تمنح عضوية مصر في بنك التنمية الجديد بعدًا آخر لهذا المسار؛ إذ يمكن النظر إلى البنك باعتباره إحدى الأدوات التي تستطيع دول بريكس من خلالها دعم مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة.

ولا يعني ذلك أن العضوية في بريكس ستؤدي تلقائيًا إلى زيادة الاستثمارات الهندية أو تمويل مشروعات مشتركة، وإنما توفر إطارًا إضافيًا يحتاج إلى مشروعات قابلة للتمويل وإرادة من الطرفين لاستغلاله.

مصدر الصورة السفير الهندي لدى القاهرة سوريش ك (الجزيرة)

فلسطين.. البعد السياسي للشراكة

لم تكن القضية الفلسطينية بعيدة عن النقاش السياسي في المؤتمر، إذ حضرت في حديث سريبريا رانجاناثان، نائبة وزير الخارجية الهندي للشؤون القنصلية والمغتربين، التي أكدت ثبات موقف بلادها تجاه القضية الفلسطينية ودعمها للتوصل، عبر المفاوضات، إلى حل الدولتين. وجاء هذا الموقف في سياق حديث أوسع عن أولويات الهند خلال رئاستها لبريكس، وعن القضايا التي تشغل دول الجنوب العالمي وتتجاوز الملفات الاقتصادية والتنموية.

وتكتسب الإشارة إلى فلسطين أهمية خاصة بالنسبة إلى الشراكة المصرية الهندية؛ فالقضية تمثل أحد الملفات التي تتقاطع فيها السياسة الخارجية للبلدين، وإن اختلفت أدوارهما وموقعهما في التعامل معها. فمصر، بحكم موقعها الجغرافي ودورها الدبلوماسي المباشر في القضية الفلسطينية، تؤدي دورًا أساسيًا في الاتصالات والجهود المرتبطة بها، بينما تنظر الهند إلى القضية من منظور سياستها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني ودعمها لحل الدولتين. ومن ثم، فإن تناولها داخل مؤتمر يبحث مستقبل التعاون في بريكس يكشف عن اتساع نطاق القضايا التي يمكن أن تجمع البلدين داخل المجموعة.

إعلان

غير أن التقاطع في الموقف من حل الدولتين لا يعني التطابق بين السياستين المصرية والهندية تجاه الصراع.

فالهند طورت خلال العقود الأخيرة علاقاتها مع إسرائيل بصورة واسعة، في مجالات متعددة، في الوقت الذي حافظت فيه رسميًا على دعم الحقوق الفلسطينية وحل الدولتين. أما مصر، فإن موقعها الجغرافي واتصالها المباشر بقطاع غزة والتزاماتها الإقليمية يجعلان القضية بالنسبة إليها ملفًا للأمن القومي إلى جانب بعدها السياسي والإنساني. ومن ثم، فإن أهمية التنسيق داخل بريكس تكمن في المساحة المشتركة الممكنة بين الطرفين، لا في افتراض وحدة مواقفهما.

وفي هذا السياق، عرضت رانجاناثان رؤية الهند لبريكس باعتبارها منصة تتناول القضايا المعاصرة التي تواجه الدول، من الحوكمة العالمية والأمن الغذائي وأمن الطاقة إلى التنمية والبنية التحتية الرقمية، مع التأكيد على أهمية إيصال شواغل دول الجنوب وأولوياتها إلى النقاش الدولي. ويضع هذا التصور القضية الفلسطينية ضمن سياق أوسع يتعلق بقدرة دول الجنوب على التعبير عن مصالحها ومواقفها داخل المؤسسات متعددة الأطراف.

وبالنسبة إلى مصر والهند، تتيح العضوية المشتركة في بريكس فرصة لبحث هذه القضايا إلى جانب قضايا الاقتصاد والتنمية، بما يعزز التنسيق بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك، ويمنح علاقتهما بعدًا سياسيًا يتكامل مع مسارات التعاون الاقتصادي والثقافي.

الثقافة.. جسر آخر بين مصر والهند

وإذا كان النقاش السياسي قد أبرز أوجه التعاون بين مصر والهند في القضايا الدولية، فإن الجلسة الخاصة بـ«الحوار الثقافي والحضاري: وصل الحضارات وتقريب الشعوب» انتقلت بالعلاقة إلى مجال آخر أكثر عمقًا وأبعد زمنيًا. فالعلاقات بين القاهرة ونيودلهي لا تبدأ مع بريكس، ولا تختصرها المصالح الاقتصادية الراهنة، وإنما تستند إلى صلات ممتدة بين حضارتين تركتا أثرًا عميقًا في التاريخ والثقافة الإنسانية.

وفي الجلسة، تناول فيفيك أغاروال، نائب وزير الثقافة الهندي، الحوار الثقافي والحضاري باعتباره أحد مجالات التعاون داخل بريكس، في سياق أولويات الهند خلال رئاستها للمجموعة في 2026، بما في ذلك حماية التراث الثقافي، والاقتصاد الإبداعي، والتنمية المستدامة المرتبطة بالثقافة، وتوسيع التبادل بين الشعوب.

ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في العلاقة المصرية الهندية، حيث لا يمثل الإرث الحضاري مجرد مجال لاستعادة الماضي، وإنما يمكن أن يتحول إلى مورد للقوة الناعمة، وإلى وسيلة لبناء معرفة متبادلة بين مجتمعين كبيرين.

وكان إدراج هذا المحور في مؤتمر يبحث مستقبل الشراكة داخل بريكس ذا دلالة في حد ذاته. فالعلاقات بين الدول لا تتأسس على الاتفاقات الرسمية والمصالح الاقتصادية وحدها، وتحتاج أيضًا إلى روابط تتشكل على مستوى المجتمعات. وقد ترأس الجلسة السفير محمد حجازي، رئيس جمعية الصداقة المصرية الهندية، وهو ما وسع النقاش ليشمل، إلى جانب الأطر الرسمية، فكرة التقارب بين الشعوب، وهي الفكرة التي عبر عنها عنوان الجلسة.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في حالة مصر والهند تحديدًا. فالقوة الناعمة لا تبنى بالبيانات الرسمية وحدها، وإنما بالتجارب التي تجعل كل مجتمع أكثر معرفة بالآخر: في الجامعات والبحث العلمي والفنون والسياحة والكتب والسينما، وفي التبادل بين المؤسسات الثقافية. وكلما اتسعت هذه القنوات، أصبحت العلاقات بين البلدين أكثر حضورًا في الحياة المجتمعية، وأقل ارتباطًا بالمصالح السياسية الظرفية أو بتغير الأولويات الحكومية.

وتزداد أهمية هذا البعد مع اتساع بريكس، التي تجمع دولًا ذات تجارب تاريخية وحضارية وثقافية شديدة التنوع. ومن ثم، فإن توسيع التبادل الثقافي والمعرفي بين هذه الدول يمكن أن يعزز الثقة المتبادلة، ويفتح مجالات جديدة للتعاون، ويمنح العلاقات بينها مقومات أكثر استدامة.

وإذا كانت بريكس تسعى إلى بناء تعاون طويل الأمد بين دول الجنوب، فإن الثقافة يمكن أن تكون إحدى الأدوات التي تدعم هذا المسار، ليس فقط عبر حماية التراث والاحتفاء بالتنوع الحضاري، وإنما أيضًا من خلال بناء روابط جديدة تستند إلى المعرفة المتبادلة والتجارب المشتركة.

مصدر الصورة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع رئيس مصر عبد الفتاح السيسي، ا بمناسبة احتفالات الذكرى الرابعة والسبعين ليوم الجمهورية الهندية (أرشيفية- الأناضول)

حدود الشراكة وتحدياتها

ومع ذلك، فإن الانتقال من الإمكانات إلى الشراكة الفعلية ليس أمرًا تلقائيًا. فتوسع بريكس نفسه، الذي منح المجموعة وزنًا جغرافيًا واقتصاديًا أكبر، جعلها في الوقت ذاته أكثر تنوعًا في المصالح والتوجهات السياسية. وما يصلح نقطة اتفاق بين دولتين قد لا يحظى بالأولوية نفسها لدى بقية الأعضاء، كما أن تعدد دوائر الحركة الخارجية لكل من مصر والهند يفرض حدودًا على مدى ما يمكن أن يتحول إلى موقف مشترك داخل المجموعة.

إعلان

وهناك أيضًا تفاوت واضح في الحجم الاقتصادي والقدرات التكنولوجية بين البلدين، فضلًا عن أن العلاقات التجارية والاستثمارية، على الرغم من تطورها، لا تزال بحاجة إلى إزالة عقبات عملية تتعلق بالنقل والتمويل ومعرفة المستثمرين بالأسواق والفرص المتاحة. كما أن عضوية البلدين في بريكس لا تلغي علاقاتهما وشراكاتهما الأخرى، ولا تجعل المجموعة بديلًا من دوائر سياستهما الخارجية التقليدية.

ولذلك فإن المبالغة في توقع ما يمكن أن تحققه بريكس قد تكون مضرة بقدر التقليل من الفرص التي توفرها. فالمجموعة لا تحول الاختلافات إلى توافقات بمجرد العضوية فيها، لكنها تتيح إطارًا مؤسسيًا منتظمًا يمكن للدول الأعضاء أن تختبر داخله إمكانات التعاون. ويظل نجاح الشراكة المصرية الهندية مرهونًا بقدرة البلدين على اختيار عدد محدود من الملفات القابلة للتحويل من عناوين عامة إلى مشروعات وسياسات قابلة للتنفيذ.

نحو أجندة مصرية هندية داخل بريكس

ومن هنا، فإن الحديث عن رؤية مشتركة للجنوب العالمي يحتاج في مرحلة لاحقة إلى الانتقال من المبادئ العامة إلى أجندة أكثر تحديدًا. ويمكن أن تبدأ هذه الأجندة من المجالات التي يمتلك فيها البلدان مصلحة مباشرة وخبرة يمكن البناء عليها: تشجيع الاستثمار الصناعي المشترك، والتعاون في الصناعات الدوائية والتكنولوجيا والتحول الرقمي، والاستفادة من أدوات التمويل داخل بريكس، والتنسيق في قضايا الأمن الغذائي والطاقة، إلى جانب الدفع باتجاه تمثيل أوسع للدول النامية في مؤسسات الحوكمة الدولية.

ويمكن أن يضاف إلى ذلك مسار للتعاون في أفريقيا، حيث تمتلك مصر موقعًا وخبرة وعلاقات واسعة، بينما تسعى الهند إلى توسيع حضورها الاقتصادي والتنموي في القارة. وبدلًا من النظر إلى أفريقيا باعتبارها سوقًا فقط، يمكن تطوير مشروعات مصرية هندية مشتركة في مجالات البنية التحتية والصحة والتكنولوجيا والتدريب، بما يقدم نموذجًا عمليًا للتعاون جنوب-جنوب الذي تتحدث عنه بريكس.

وفي المجال الثقافي، يمكن نقل فكرة الحوار الحضاري من مستوى اللقاءات إلى برامج أكثر انتظامًا بين الجامعات والمؤسسات البحثية والثقافية، وتوسيع الترجمة والتبادل الأكاديمي والفني. فنجاح أي أجندة للجنوب العالمي لن يتوقف على تنسيق الحكومات وحدها، وإنما يحتاج إلى شبكات من المؤسسات والمجتمعات تستطيع أن تمنح هذا التعاون قدرًا من الاستمرارية يتجاوز تغير الحكومات والأولويات السياسية.

وبهذا المعنى، قد يكون الاختبار الحقيقي للشراكة المصرية الهندية داخل بريكس هو قدرتها على إنتاج نماذج صغيرة وناجحة من التعاون يمكن توسيعها لاحقًا، لا محاولة صياغة توافق شامل في كل الملفات. فالتنوع داخل بريكس يجعل التوافق الكامل أمرًا صعبًا، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام شراكات مرنة بين عدد من أعضائها حول قضايا محددة. ويمكن للعلاقة بين القاهرة ونيودلهي أن تكون واحدة من هذه الشراكات إذا استطاع البلدان تحويل ما يجمعهما من مصالح إلى مبادرات قابلة للتنفيذ.

وهنا تعود أهمية المؤتمر الذي استضافته القاهرة؛ ليس باعتباره نهاية لنقاش حول العلاقات المصرية الهندية، وإنما بوصفه نقطة يمكن أن يبدأ منها نقاش أكثر تحديدًا حول ما تستطيع الدولتان تقديمه معًا داخل بريكس. فانتقال العلاقة من الشراكة الثنائية إلى أجندة أوسع للجنوب العالمي لن يتحقق بالشعارات، وإنما بما يمكن أن تنتجه هذه العلاقة من مشروعات ومواقف ومبادرات تجعل من عضوية البلدين في المجموعة قيمة مضافة لكل منهما ولشركائهما.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل سوريا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا