تشهد الفترة القادمة حدثين انتخابيين كبيرين، ربما يترتب عليهما تبدل في أوضاع المنطقة، وبالذات المآلات التي ستنتهي إليها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وكذلك ما يتعلق بالقضية الفلسطينية خاصة موضوع غزة.
فانتخابات التي ستجرى في 27 أكتوبر/تشرين الأول بدولة الاحتلال تتنازعها قوى قد تبدو متكافئة من حيث الحظوظ الانتخابية، أو متقاربة من حيث البرنامج الانتخابي. فالليكود وتحالفه مع الأحزاب الدينية بقيادة نتنياهو في مواجهة كتلة المعارضة الصهيونية وعلى رأسها غادي آيزنكوت، ومحاولة كلا القطبين استقطاب بقية الكتل ليحصل على العدد الكافي لتشكيل الحكومة القادمة.
وعليه، فإن الفترة التي تفصلنا عن تلك الانتخابات، تجعل من الصعب اتخاذ أي إجراءات من شأنها السير قدما فيما هو مطروح فيما يتعلق بغزة، أو حتى في لبنان، ذلك أن المراحل الانتقالية لا تشهد عادة قرارات هامة.
لذا فإن السلوك العدواني لهذه الحكومة سوف يبقى مستعرا على كل الجبهات: على غزة ولبنان، وحتى الاجتياحات في سوريا، ووضع اليد على المزيد من الأراضي في الضفة الغربية؛ ذلك أن نتنياهو يعتقد أن الذهاب إلى الانتخابات في ظلال الحرب يحسن من مكانته، ويضمن عودته لرئاسة الوزراء.
كما أن نتنياهو بذلك يحاكي تطلعات الجمهور في دولة الاحتلال الذي أصبح أكثر عدوانية، فكل الاستفتاءات تشير إلى أن الأغلبية تؤيد الحرب والاحتلال، وترفض حتى الانسحاب من غزة، بل وتطالب بإعادة الاستيطان بها.
إن ما يهمنا في موضوع الانتخابات الإسرائيلية هو وزن الصوت العربي في هذه الانتخابات، فعرب الداخل هم العنصر الكامن، الذي لو تحرك من حالة السكون والتشرذم فقد يشكل "بيضة القبان" والعامل المحدد في تشكيل أي حكومة صهيونية قادمة
إن خريطة الرأي العام في إسرائيل تنقسم بين يمين ويمين متشدد، وإن السيطرة اليوم هي للمستوطنين واليمين المتطرف في الضفة الغربية، الذين يمثلون "اليهودية المتطرفة" التي تقوم على ثقافة الإبادة وإخضاع الآخر، واحتلال الأرض باعتبار أن ذلك جزء لا يتجزأ من موروثاتهم الدينية.
وعليه فلن يكون هناك أي تغيير في موضوع غزة، وهذا ما عبّر عنه نتنياهو برفضه خطة الرئيس الأمريكي التي تتضمن دخول قوات دولية، والحكومة الفلسطينية غير السياسية المقررة في خطة ترمب والمعنية بإدارة الأمور في القطاع.
إن نتنياهو بهذا الموقف إنما يريد طمأنة الداخل بأن قراره مستقل ولا يتأثر كما يزعم خصومه بخضوعه للإدارة الأمريكية، وخصوصا رغبات ترمب.
إن ما يهمنا في موضوع الانتخابات الإسرائيلية هو وزن الصوت العربي في هذه الانتخابات، فعرب الداخل هم العنصر الكامن، الذي لو تحرك من حالة السكون والتشرذم فقد يشكل "بيضة القبان" والعامل المحدد في تشكيل أي حكومة صهيونية قادمة.
فالعرب من حيث العدد يشكلون أكثر من 20% من المجموع الكلي للسكان، وإذا ذهبوا بقائمة موحدة للانتخابات فقد يتحصلون على 16 أو 17 مقعدا، فتكون الكتلة العربية بذلك من الكتل المؤثرة في الكنيست.
غير أن الحقيقة المرّة المزمنة أن العرب منقسمون، فالمهتمون بالانتخابات والذين يشكلون حوالي 50% من مجموع عرب الداخل، متوزعون بين القائمة العربية الموحدة، والحركة العربية للتغيير. جبهتان متناقضتان على الدوام، صحيح أنهما قد اتفقتا مؤخرا على خوض الانتخابات معا، ولكن الجزء الأهم بهذا الاتفاق هو أن يحق لكل منهما وبعد إظهار النتائج أن يقرر موقفه وحيدا من الحكومة المستقبلية دون شركائه.
وهو ما يجعل الكتل العربية وكأنها "حبل الأكروبات" يمكن أن تلعب عليه الأحزاب الصهيونية بين كسب طرف، وإبعاد طرف آخر.
وعلى جانب آخر، فإن الـ50% من مجموع العرب غير المهتمين بالانتخابات، إما لعدم الإحساس بأهمية هذا الأمر وأثره على حياتهم، أو التأثر بدعوى المقاطعة التي أطلقها الزعيم الإسلامي الشيخ رائد صلاح من أجل عدم المشاركة في كافة مؤسسات الاحتلال بما فيها انتخابات الكنيست.
وفي ظني أن في ذلك مثالية، لا ترتقي إلى هموم الشعب الفلسطيني في الداخل الذي يعاني الاضطهاد، ونقص الخدمات على اختلافها، وله قضايا مطلبية كثيرة لا تأخذ بها حكومات إسرائيل المتعاقبة.
علما بأن الفلسطينيين في الداخل لا يمتلكون إلا أقل من 3% من مجموع أراضي فلسطين المحتلة عام 48، أي إن القصة ليست سياسية بحتة؛ فالحضور العربي القوي في "الكنيست" سيعني تأمين القضايا المطلبية والخدمية للعرب في داخل الخط الأخضر، خصوصا أن هذا الاحتلال طويل وقد يمتد إلى عقود قادمة، وبالتالي لا بد من أن يكون هناك واقعية في التعامل مع اللحظة الراهنة، ومحاولة التكيف بقدر الإمكان لتسهيل حياة المواطنين العرب، والتخفيف من الاضطهاد والتمييز الذي يقع عليهم.
ومن هنا فإني أوجه الدعوة إلى الشيخ رائد صلاح أن يتراجع عن هذه المواقف غير الواقعية، والتي تتسم بمثالية ليست في محلها، وتضر بمصالح العرب في داخل الخط الأخضر.
يبدو أن حالتي ممداني في نيويورك وعبدول السيد في ميشيغان في طريقهما للانسحاب على الانتخابات النصفية في العديد من الولايات الأمريكية؛ إذ تشهد هذه الانتخابات ترشح شخصيات أمريكية من غير العرب والمسلمين، ممن اكتشفوا زيف الرواية الصهيونية التي سُوّقت لعقود طويلة على أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط
أما ما يتعلق بالانتخابات الأمريكية، فإنها الأكثر أهمية بتقديري، وبالذات لقضايا الإقليم وأعني الحرب الأمريكية الإيرانية من جهة والقضية الفلسطينية "الضفة الغربية وغزة"، بالإضافة إلى لبنان. ذلك أن التأثير الأمريكي على حكومة "إسرائيل" هو العامل المحدد.
وعلى أي حال فلا نريد استباق النتائج، لكنّ هناك تحولا انقلابيا نوعيا كبيرا تشهده الساحة الأمريكية والمزاج الشعبي والرأي العام الأمريكي وصناع نخب فكرية وإعلامية وسياسية بشكل عام.
لقد مثّل فوز زهران ممداني "المسلم والمهاجر" بمنصب عمدة نيويورك -وهي قلعة الحركة الصهيونية بل وأهم المدن الأمريكية ومن أكبر اقتصاداتها والداعم الأول المادي والمعنوي للدولة الصهيونية في أمريكا- اختراقا كبيرا وغير مسبوق، وزلزالا حقيقيا تم بتأثير كبير من قوى كانت إلى الأمس القريب مؤيدة للحركة الصهيونية، بما فيها قوى يهودية عديدة مؤثرة اكتشفت أن الصهيونية ودولتها بعيدتان عن الدين اليهودي، بما ترتكبانه من إبادة وجرائم وقتل واعتداء.
وأعتقد أن ما جرى في نيويورك ما هو إلا أولى حبات المسبحة التي بدأت بالانفراط؛ تلتها ولاية ميشيغان التي شهدت نجاحا تاريخيا للشاب العربي المسلم (عبدول السيد)، بفوزه مرشحا للحزب الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ (السيناتور).
هذا بالرغم من أن "أيباك" (AIPAC)، وهي الذراع المادية والمعنوية والإعلامية المؤثرة والكبيرة للحركة الصهيونية، قد أنفقت 70 مليون دولار في محاولة لإسقاطه ولم تنجح بذلك.
ويبدو أن حالتي ممداني في نيويورك وعبدول السيد في ميشيغان في طريقهما للانسحاب على الانتخابات النصفية في العديد من الولايات الأمريكية؛ إذ تشهد هذه الانتخابات ترشح شخصيات أمريكية من غير العرب والمسلمين، ممن اكتشفوا زيف الرواية الصهيونية التي سُوّقت لعقود طويلة على أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة والصغيرة في الشرق الأوسط، والمحاطة بمحيط هادر من "العرب المجرمين" المزعومين الذين يريدون قذفها في البحر، ليقفوا اليوم انتصارا للمظلومية الفلسطينية وحقوق الشعب العربي الفلسطيني المشروعة على ترابه الوطني.
إذًا فالانتخابات القادمة، قد تأتي بمتغيرات تتسم بالإيجابية، بحيث يُعاد التوازن إلى الإدارة الأمريكية من حيث التفكير الإستراتيجي، والنظر إلى منطقتنا والقضية الفلسطينية من منظار الثورة الأمريكية والدستور الأمريكي اللذين حثّا على حقوق الإنسان والديمقراطية.
إن نتائج الانتخابات النصفية إن ضمنت أغلبية للحزب الديمقراطي، في واحد من المجلسين أو في المجلسين، فإنها قد تؤدي إلى تغيير كبير في مسارات المواجهة الأمريكية مع إيران. فالكونغرس- كما هو معلوم- هو صاحب الصلاحية بشن الحرب، وبالتالي فإن التغير المحتمل ربما يكف يد الرئيس ويوقف هذه الحرب.
وربما نذهب بعيدا عندما نتوقع أن فكرة العزل المطروحة في أوساط أمريكية كثيرة قد يتناولها مجلس النواب بحق الرئيس ترمب، مع قناعتي بأن ذلك لن يتم فعلا على اعتبار أن الأمر يحتاج إلى أغلبية ساحقة في المجلسين.
وعلى أي حال، إذا ما تم تقليص صلاحيات الرئيس والإدارة الأمريكية بشكل عام، وإذا ما تم طرح مسألة العزل، فإن إدارة الرئيس ترمب سوف تضعف فيما لو فقدت دعم الكونغرس ما يدفع الأمور باتجاه انفراج نسبي سواء ما تعلق بالحرب الدائرة في الخليج، أو حتى ربما زحزحة القضية الفلسطينية والبدء بتطبيق ما نصت عليه وثيقة مجلس السلام التي تم إقرارها في شرم الشيخ قبل عدة أشهر، بل والإسراع في انسحاب "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية، والسورية.
وأمام كل تلك المتغيرات المحتملة، وما يجري من تبدل في التحالفات بدءا من حالة القلق التي تعتري حلف "الناتو"، وصولا إلى التشكيلات والتحالفات الجديدة التي تقودها أطراف كالصين وروسيا وغيرهما؛ فإني أعتقد أن تحالفا عربيا مأمولا يبقى حصان الرهان بأن يكون للعرب موقف موحد مؤثر في حياتنا العربية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة