مجددا تعود العلاقات السورية الروسية إلى الواجهة بعد تطوراتٍ في هذا الأسبوع تمثلت بإعلان موسكو عن تعيين سفير جديد لها في دمشق، وإعلان هيئة الطيران المدني السورية بدء رحلات مباشرة ومنتظمة بين دمشق وموسكو.
هذه التطورات جددت التساؤلات حول مستقبل هذه العلاقة التي دخلت في اختبار جدي بعدما نجحت الثورة السورية في الإطاحة بنظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد نحو نصف قرن في السلطة للأب حافظ الأسد ثم ابنه بشار.
حسب وكالة سبوتنيك الروسية، فقد أصدر الرئيس فلاديمير بوتين الاثنين مرسوما بتعيين ديمتري دوغادكين، سفيرا فوق العادة ومفوضا لروسيا لدى سوريا، وذلك خلفا للسفير ألكسندر يفيموف، الذي أعفي من مهامه بموجب مرسوم منفصل.
اللافت أن دوغادكين ليس غريبا عن المنطقة، فالدبلوماسي الذي درس العلاقات الدولية، ويجيد اللغتين العربية والإنجليزية، عمل سفيرا لبلاده في سلطنة عمان منذ 2017 وحتى 2021، ثم انتقل للعمل سفيرا لدى قطر حتى الشهر الماضي.
بل إن دوغادكين ليس غريبا عن سوريا نفسها، حيث سبق له أن خدم في سفارة بلاده لدى دمشق بين عامي 2009 و2013، أي تلك الفترة التي شهدت انطلاق الثورة السورية على حكم بشار الأسد.
أما التطور الثاني، فقد صدر أمس عن الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا حيث كشفت عن بدء الخطوط الجوية السورية تشغيل رحلات منتظمة ومباشرة بين دمشق وموسكو اعتبارا من 16 أغسطس/آب الجاري.
التطور الثالث يتعلق بالمجال الثقافي، حيث أعلنت مؤسسة التعاون الروسي، توصل البلدين إلى اتفاق بشأن استئناف عمل المركز الثقافي والعلمي الروسي "البيت الروسي" في العاصمة دمشق بعد توقف تجاوز عاما ونصف العام.
وتاتي هذه التطورات مع أخرى سبقتها لتثير التساؤل حول ما إذا كانت مجرد ترتيبات روتينية وبروتوكولية واقتصادية عابرة، أم أنها مؤشر على مرحلة جديدة من تثبيت النفوذ وتوسيع دائرة الشراكة بين موسكو ودمشق.
ونقلت الوكالة عن الخبير بالشأن الروسي موسى العملة، أن "التواصل والزيارات بين البلدين، دليل على أن دمشق لا تريد أن تكون في حالة جفاء مع موسكو، وتعتمد المناورة للتهرب من الخضوع للمطالب الغربية".
وتحدّث العملة عن ملفات عديدة تتقدمها ملفات أمنية وسياسية وتلك المرتبطة بالقواعد العسكرية في سوريا، إضافة الى إعادة الاعمار وطباعة العملة، معتبرا أن دمشق بحاجة إلى روسيا لتكون حاضرة في المحافل الدولية للدفاع عن المصالح السورية.
كما نقلت سبوتنيك عن الباحث أغيد حجازي من دمشق، أن فتح سوريا صفحة جديدة مع روسيا أمر طبيعي لما تمتلكه موسكو من نفوذ وقوة اقتصادية ونفطية وعسكرية.
وفي المقابل، ووفق الباحث نفسه، فإن "حاجة روسيا إلى سوريا أمر ضروري من أجل قضية القواعد وخطوط الإمداد في المنطقة، حيث يتم الحديث في المستقبل عن موضوع البحار الأربعة وخطوط إمداد جديدة".
ما يزيد من أهمية تعيين السفير الجديد أنه يأتي بينما تشهد العلاقات الثنائية ما يمكن وصفه بمرحلة إعادة ضبط بعد سقوط نظام الأسد، حيث تسعى روسيا إلى الحفاظ على حضورها في سوريا، رغم تراجع موقعها المهيمن الذي تمتعت به خلال حكم النظام المخلوع.
وحسب تقرير نشره موقع تلفزيون سوريا، نقلا عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فلا توجد مؤشرات على نية روسيا الانسحاب من سوريا، إذ تعمل على إعادة صياغة حضورها بما يتلاءم مع البيئة السياسية الجديدة، مع السعي إلى الحفاظ على قاعدتي حميميم وطرطوس وتعزيز علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية.
وتنظر موسكو إلى وجودها في سوريا بوصفه عاملا مهما لترسيخ موطئ قدم في شرقي البحر المتوسط، ودعم عملياتها وتحركاتها اللوجستية نحو القارة الأفريقية، إلى جانب تعزيز حضورها في مواجهة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.
في المقابل، وحسب التقرير نفسه، تتجه الحكومة السورية إلى تنويع شراكاتها الخارجية وتقليص الاعتماد على روسيا عند توافر بدائل، مع مواصلة التعاون في الملفات التي ما تزال مرتبطة بالخبرات والإمكانات الروسية، ومن بينها المعدات العسكرية وقطع الغيار والطاقة وإمدادات النفط والقمح.
في الحقيقة لم تكن العلاقات بين سوريا وروسيا وليدة سنوات، بل تعود بدايتها إلى أواسط القرن الماضي، لكنها اكتسبت طابعها الإستراتيجي بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، حيث احتاج إلى قوة دولية تزوده بالسلاح وتحمي موقعه في مواجهة إسرائيل والغرب، بينما رأت موسكو في سوريا بوابة مهمة إلى شرق المتوسط.
في عام 1971، حصل الاتحاد السوفياتي على تسهيلات بحرية في طرطوس، وأصبحت موسكو المورد الأساسي للجيش السوري بالسلاح والتدريب والخبراء. وتُوّج التقارب بتوقيع معاهدة صداقة وتعاون عام 1980.
ترك انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، أثره على العلاقات مع سوريا التي دخلت مرحلة من الخمول، قبل أن تستعيد زخمها عقب تولي بشار الأسد السلطة خلفا لأبيه في عام 2000، وفي الوقت نفسه وصول فلاديمير بوتين إلى قمة السلطة في روسيا خلفا لبوريس يلتسين.
أثمر ذلك اتفاقا لشطب ديون سوريا للاتحاد السوفياتي تقارب 10 مليارات دولار، كما تم توسيع مجالات التعاون بين البلدين في المجال العسكري، لتعود سوريا بوابة رئيسية للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط.
شكّلت الثورة السورية التي اندلعت في مارس/آذار 2011 نقطة التحول الأكبر. بدأت الاحتجاجات بمطالب سياسية وحقوقية، قبل أن يؤدي قمعها واتساع العنف وتعدد التدخلات الخارجية إلى عسكرة الصراع وتحوله إلى حرب واسعة.
منذ البداية، وفّرت روسيا لنظام الأسد الغطاء السياسي وكذلك الدعم العسكري، ثم جاء تدخلها الحاسم في أواخر 2015، حين بدأت القوات الجوية الروسية عملياتها المباشرة من قاعدة حميميم. لتساهم في تغيير موازين الصراع وتمكّن نظام الأسد من استعادة مناطق واسعة كان قد فقدها لصالح المعارضة.
في المقابل، منح الأسد روسيا وجودا طويل الأمد في حميميم، واتفاقا يتيح لها استخدام وتوسيع منشأة طرطوس البحرية مدة 49 عاما، مع امتيازات وحصانات واسعة. لتتحول سوريا إلى ما يشبه منصة انتشار روسية في شرق المتوسط وباتجاه القارة الأفريقية.
لكن الأمر الأصعب ربما على نفوس السوريين، هو ما أكدته تقارير حقوقية دولية من مشاركة القوات الروسية في استهداف المدنيين والمستشفيات في هجمات شهد بعضها استخدام ذخائر عنقودية، ما أدى إلى مقتل بشر وتدمير مدن وتهجير سكان.
وبعد سقوط بشار الأسد، كان طبيعيا أن يهرب إلى الحليف الروسي الذي وفّر له ملاذا آمنا، بينما اختارت القيادة السورية الجديدة سياسة براغماتية تتجنب القطيعة وتسعى لإعادة التفاوض بشأن المصالح والاتفاقات.
الكاتب السوري غازي دحمان عبّر في مقال نشر بالجزيرة نت عما يراها أسبابا تجعل العلاقة مع روسيا خيارا إستراتيجيا لسوريا وفي مقدمتها ما يلي:
وفي نفس الوقت فلا شك أن روسيا ما زالت تحرص على الاحتفاظ بوجودها في سوريا كموطئ قدم في البحر المتوسط وأداة مساومة في مواجهة الغرب، فضلا عن رغبتها في تثبيت حضورها لاعبا دوليا لا يمكن تجاوزه.
تحت هذا العنوان جاء تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صدر الشهر الماضي وبدأ بلفت النظر إلى أن سوريا حافظت على روابط بناءة مع روسيا رغم أنها قطعت علاقاتها مع الداعمين الرئيسيين الآخرين للنظام السابق: إيران وحزب الله.
ودلّل التقرير على ذلك بقيام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة روسيا مرتين (في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ثم يناير/كانون الثاني 2026)، والسماح لروسيا بالإبقاء على قواعدها الرئيسية: قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية، على ساحل البحر المتوسط.
ويعتبر التقرير أن أحد التحديات أمام الشرع كانت إدارة النفوذ الروسي المتبقي وفق شروطه، ولذلك برز نمط واضح يشير إلى تقليص دور روسيا حيثما وُجدت بدائل، والإبقاء عليه طالما ظلت الحاجة إليه ولم تتوفر بدائل فورية، خصوصا ما يتعلق بالمعدات العسكرية وإمدادات النفط.
وضمن محددات هذا النمط أيضا وفقا لمجموعة الأزمات الدولية، فإن سوريا تسعى إلى تجنب المواجهة المكلفة، وتنويع الشراكات الخارجية، مع تجنب ما حدث في عهد الأسد من تبعية للقوى الخارجية.
ويلفت التقرير إلى أن دور موسكو لم يكن ليُستأصل بين عشية وضحاها، فقد ورثت السلطات الجديدة أنظمة عسكرية واقتصادية، وعقودًا، وسلاسل إمداد بُنيت حول المعدات والخبرات والخدمات الروسية.
ولذلك فقد تتمتع دمشق بحرية أكبر في إعادة صياغة السياسة الخارجية السورية مقارنةً باستبدال الأنظمة التي لا تزال أجزاء من الدولة تعتمد عليها في مجالات كالطاقة والفوسفات وطباعة العملة وإمدادات النفط والقمح، إضافة إلى الوجود العسكري في قاعدتي حميميم وطرطوس.
في المجال العسكري، يلفت التقرير إلى أن موسكو استحوذت على نحو 70% من واردات سوريا الرئيسية من الأسلحة التقليدية خلال العقد الذي سبق اندلاع الثورة، وبالتالي فالحاجة ما تزال ماسة لقطع الغيار والتدريب والصيانة الفنية المرتبطة بروسيا، لا سيما فيما يتعلق بالدفاعات الجوية والطيران والحرب الإلكترونية.
ويتطلب الانتقال إلى موردين بديلين سنوات من إعادة التدريب ومليارات الدولارات، وهي موارد لا تملكها دمشق، وفقا للتقرير الذي يعتقد أيضا أن تصرفات موسكو حتى الآن تشير إلى رغبتها في العمل مع دمشق لا ضدها.
وقبل الختام، نعود مجددا إلى مقال غازي دحمان لنشير إلى ما أورده من محاذير، أبرزها أن التوجه السوري نحو روسيا لا يخلو من مآخذ عديدة واعتراضات من قبل شرائح سورية لعدة أسباب:
لكن ما يقلل من أثر هذه الأسباب، هو حقيقة أن العلاقات مع القوى الكبرى، وفي ظروف مثل التي تعيشها سوريا، تنطوي بالفعل على مخاطر الوقوع في فخ التبعية، لكنها تختبر قدرة الدول على إدارة علاقتها بشكل يرعى المصالح ويحافظ على التوازن.
على المستوى الشعبي، لا يبدو من السهل نسيان ما حدث من روسيا، سواء من أهالي الضحايا أو من يعتقدون أن تدخلها أجهض لسنوات آمالهم ونضالهم من أجل الحرية والعيش الكريم.
لكن السياسة غالبا ما تنظر بعين أخرى، عين تنظر إلى المصالح المشتركة وتختار المضي قدما نحو المستقبل، وتغض الطرف عن اجترار الماضي مهما كان صعبا، واستذكار جراحاته مهما كانت عميقة مؤلمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة