آخر الأخبار

كرة هائلة من اللهب.. ما حقيقة انفجار كبير بالبصرة عقب غارات أمريكية سعودية؟

شارك

تداولت حسابات محلية وصفحات إخبارية على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعمت أنه يوثق قصفا أمريكيا سعوديا استهدف مدينة البصرة جنوبي العراق، وأعقبه انفجار ضخم.

ويُظهر الفيديو -الذي لا تتجاوز مدته 17 ثانية ويُعد الأكثر تداولًا بين النسخ المنتشرة-، كرة نارية هائلة تتصاعد من موقع الانفجار، تليها سحابة كثيفة من الدخان البرتقالي تتمدد تدريجيا، بينما تتطاير شرارات النيران لتغطي مساحة واسعة من المشهد. كما تُسمع في الخلفية أصوات انفجارات متتالية، مما يمنح المقطع مظهرا يوحي بأنه يوثق حدثا ميدانيا حديثا.

وسرعان ما حصد الفيديو انتشارا واسعا بعد أن أعادت عشرات الحسابات والصفحات تداوله، من بينها حسابات إخبارية محلية وأخرى معروفة بمتابعة التطورات العسكرية في العراق وسوريا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 خروق في بدن بارجة حربية أمريكية.. هل أصابتها صواريخ إيرانية؟
* list 2 of 2 لبنان.. صور أقمار صناعية تكشف دمارا واسعا يمتد بين زوطر الشرقية والغربية end of list

واستغلت تلك الحسابات تزامن نشر المقطع مع التصعيد الإقليمي لتقديمه على أنه يوثق الضربات الأخيرة في العراق، الأمر الذي أسهم في وصوله إلى مئات الآلاف من المستخدمين، رغم غياب أي تحقق من مصدر الفيديو أو تاريخ تصويره.

أول من نشر الفيديو؟

وبتتبع النسخة الأولى للمقطع، تبيّن أن مؤسسة "Kurdistan24" الإعلامية العراقية كانت أول من نشر الفيديو عبر حساباتها الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي، وهي مؤسسة تمتلك حضورا رقميا واسعا، إذ يتابع صفحاتها ما يقارب مليون مستخدم على مختلف المنصات، وتنشط في تغطية التطورات السياسية والأمنية والعسكرية في العراق والمنطقة.

ويظهر شعار المؤسسة بوضوح على مشاهد الفيديو، فيما أرفقته بعبارة: "من زاوية أخرى.. شاهد لحظة القصف الأمريكي السعودي على مقر الحشد الشعبي"، وهي صياغة قدمت المقطع على أنه يوثق حدثًا وقع بالفعل، من دون الإشارة إلى مصدر التسجيل، أو تقديم أي معلومات تدعم صحة الادعاء أو تحدد زمان ومكان تصويره.

ولم يقتصر انتشار الفيديو على الحساب الأصلي، إذ أعادت عشرات الحسابات والصفحات الإخبارية المحلية والإقليمية نشره خلال وقت قصير، من بينها صفحات متخصصة في متابعة الأخبار العاجلة والتطورات العسكرية، وأخرى اعتادت نشر محتوى يتعلق بالنزاعات في العراق وسوريا والشرق الأوسط.

كما تداولته حسابات شخصية ذات معدلات تفاعل مرتفعة، اكتفت بإعادة نشره أو اقتباسه مع عناوين تؤكد وقوع الهجوم، دون أي محاولة للتحقق من مصدر الفيديو أو سياقه الحقيقي.

وأظهرت مراجعة نمط تداول المقطع أن معظم الحسابات الناشرة اعتمدت النص ذاته أو صيغا متقاربة، مع التركيز على الربط بين الفيديو والتصعيد الإقليمي، وهو ما أسهم في تعزيز مصداقية الادعاء لدى المتابعين وإضفاء انطباع بأن المقطع يمثل توثيقًا ميدانيا مستقلا، رغم أن جميع النسخ المتداولة تعود في الأصل إلى المصدر نفسه.

إعلان

وساعد هذا النمط من إعادة النشر المتسلسل -المعروف في بيئات التضليل الرقمي- على وصول الفيديو إلى مئات الآلاف من المستخدمين خلال فترة وجيزة، قبل أن تتناقله صفحات ومجموعات أخرى بوصفه دليلًا على القصف الأمريكي السعودي لمقرات مليشيات مسلحة في العراق، من دون الاستناد إلى أي تأكيد رسمي أو مصدر مستقل يثبت صحة الرواية المتداولة.

تحليل تقني: كيف جرى التلاعب بالمشهد؟

أخضعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة المقطع المتداول لتحليل بصري وصوتي، ومقارنته بالنسخة الأصلية التي نُشرت لأول مرة، وتبين أن الفيديو لم يُتداول بصيغته الأصلية، بل خضع لتعديلات رقمية هدفت إلى تعزيز تأثيره وإيهام المشاهد بأنه يوثق هجوماً حقيقياً وقع حديثاً.

وأظهر التحليل أن مساراً صوتياً يتضمن دويّ انفجارات متتالية أُضيف إلى المقطع بعد إنتاجه، إذ يتزامن بدقة مع لحظة تصاعد كرة النار واتساع سحابة الدخان، مما يمنح المشهد انطباعا بوجود تسجيل صوتي مباشر من موقع الحدث، رغم أن هذه الأصوات لم تكن موجودة في النسخة الأصلية.

كما أظهرت المقارنة بين النسختين تطابق جميع العناصر البصرية، بما في ذلك حركة الكاميرا، وتوقيت الانفجار، واتجاه تصاعد الدخان، في حين اقتصر الاختلاف على المسار الصوتي المضاف، وهو ما يؤكد أن التعديل اقتصر على الجانب السمعي دون إجراء أي تغيير على المحتوى المرئي.

ولم يرصد الفريق أي مؤشرات تقنية تدل على أن الأصوات المصاحبة جزء من التسجيل الأصلي، إذ جاءت خصائصها الصوتية منفصلة عن البيئة الطبيعية للمشهد، بما في ذلك غياب الضوضاء المحيطة أو التغيرات الصوتية المرتبطة بحركة الكاميرا، وهو ما يشير إلى أنها أُدمجت لاحقاً أثناء عملية المونتاج.

ويُعد هذا الأسلوب من أكثر تقنيات التضليل شيوعاً في أوقات النزاعات، إذ تُعاد مشاركة مقاطع قديمة أو مجتزَأة بعد إضافة مؤثرات صوتية أو تعديلات بسيطة تجعلها تبدو أكثر حداثة وواقعية، الأمر الذي يصعّب على المتابع العادي التمييز بين التسجيل الأصلي والنسخة المعدلة، خاصة عند تداولها بالتزامن مع أحداث أمنية أو عسكرية متسارعة.

ما الحقيقة؟

قاد البحث العكسي عن الفيديو -إلى جانب تحليل المقطع وتقسيمه إلى لقطات منفصلة وفحص كل منها باستخدام أدوات المصادر المفتوحة- إلى العثور على نسخ أقدم من التسجيل، وهي منشورة على عدد من المنصات في سبتمبر/أيلول 2024، أي قبل نحو عامين من إعادة تداوله بالادعاء الحالي.

وكشف تتبع النسخة الأصلية أن الفيديو لا يمت بصلة إلى العراق، بل يوثق انفجارات وقعت في مدينة تيخوريتسك التابعة لإقليم كراسنودار جنوبي روسيا، إثر هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية استهدف مستودعًا للذخيرة في المنطقة.

وأظهرت مراجعة التقارير والصور المنشورة آنذاك أن السلطات الروسية أعلنت سقوط حطام طائرتين مسيّرتين أوكرانيتين بعد اعتراضهما بالقرب من المستودع، مما أدى إلى اندلاع حريق أعقبه انفجار الذخائر المخزنة داخل الموقع، وهو ما يفسر الانفجارات المتتالية وكرة النار الضخمة التي تظهر في المقطع المتداول.

إعلان

كما طابقت وحدة المصادر المفتوحة المعالم الظاهرة في الفيديو مع تسجيلات وصور أخرى وثقت الحادثة نفسها، بما في ذلك شكل ألسنة اللهب، واتجاه تصاعد الدخان، وتسلسل الانفجارات، وهو ما أكد أن المشاهد تعود إلى الواقعة ذاتها التي شهدتها تيخوريتسك في سبتمبر/أيلول 2024.

ولم يقتصر التحقق على النسخة الأولى، إذ رصد الفريق تسجيلًا آخر للحادثة صُوّر من زاوية مختلفة، وأظهر الانفجارات نفسها والتوقيت ذاته، مما وفر توثيقًا مستقلًا للواقعة، وأكد أن الفيديو المتداول يوثق حدثًا وقع في روسيا، وليس قصفًا استهدف مدينة البصرة كما زعمت المنشورات المتداولة.

وتُظهر نتائج التحقق أن المقطع أُعيد توظيفه خارج سياقه الزمني والجغرافي، مع إرفاقه بادعاء مضلل يربطه بالتصعيد الأخير في العراق، في نموذج متكرر من أنماط التضليل الرقمي التي تعتمد على إعادة تدوير مقاطع قديمة، وإعادة تقديمها باعتبارها أحداثا جارية لاستغلال الزخم الإخباري وزيادة انتشارها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا