في مشهد تكرّر مرات عدة في الفترة الأخيرة داخل المستشفيات الجزائرية، أصبحت فواجع الموت المفاجئ في صفوف الأطباء تكشف حجم الضغوط التي يرزح تحتها العاملون في القطاع الصحي. وتكشف تلك الحالات أيضا جانبًا من أزمة متفاقمة تعيشها هذه المنظومة في البلاد. فقد أعادت وفاة عدد من الأطباء المقيمين إشعال موجة الغضب داخل الوسط الطبي ، بعدما تحولت هذه الحوادث إلى رمز لمعاناة الآلاف، لأنهم يواجهون منذ سنوات واقعًا يطغى عليه ضغط العمل، ونقص الإمكانات، وضعف الأجور، وغياب الظروف التي تضمن لهم ممارسة مهنتهم بكرامة.
ورغم تخرج آلاف الأطباء سنويًا من الجامعات الجزائرية، يجد كثير منهم أنفسهم أمام خياريْن أحلاهما مرّ: إما البقاء داخل منظومة صحية تعاني اختلالات هيكلية متراكمة، أو الهجرة بحثا عن بيئة عمل أكثر استقرارًا وتقديرًا. وبسبب هذا النزيف، تواصل الجزائر خسارة جزء مهم من رأسمالها البشري في القطاع الصحي خصوصا الشباب منهم.
شهد الوسط الطبي الجزائري خلال الفترة الأخيرة حالة من الغضب والحزن عقب وفاة طبيبة مقيمة مختصة في التخدير والإنعاش كانت تعمل بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية محمد لمين دباغين بباب الوادي في العاصمة. فقد كتب زملاء وناشطون منشورات على مواقع التواصل تنتقد ظروف العمل الضاغطة لكن وزارة الصحة الجزائرية نفت وجود الطبيبة في مناوبة عمل ليلة وفاتها. لكن المنشور لقي ردود فعل تستنكر تبرير الوزارة وإغفالها مسألة مهمة وهي: تراكم ضغوط المهنة ونقص الإمكانات باعتبارهما عاملا رئيسيا لظاهرة وفاة الأطباء.
ورغم النفي الرسمي، فقد سبقت تلك الحادثة بأيام قليلة، حالة وفاة أخرى، إذ قضى الدكتور أيمن باديس، وهو طبيب مقيم اختصاصي جراحة الأعصاب في مسشفى فرانتز فانون بمدينة البليدة، إثر أزمة قلبية ألمّت به عقب انتهائه من مناوبة عمل امتدت 24 ساعة. وقبل هذا، عرفت الجزائر أيضا وقائع أخرى مشابهة.
وبطيعة الحال، سرعان ما تحولت هذه الحوادث إلى قضية رأي عام، بعدما اعتبرها كثيرون انعكاسًا لحجم الضغوط التي يتحملها العاملون في القطاع الصحي. كما أعادت إلى الواجهة مطالب الأطباء بضرورة تحسين ظروف العمل، وتقليص ساعات المناوبة الطويلة، ومعالجة النقص المسجل في الموارد البشرية والتجهيزات.
ورغم أن الرئيس عبد المجيد تبون قال يوما في مقابلة تلفزيونية أن الجزائر لديها أفضل منظومة صحية في إفريقيا، فإن هذا القطاع يعيش تحديات كبيرة منذ عقود كثيرة. إذ تعاني البلاد من مركزية واضحة في توزيع الموارد الصحية، فأهم المستشفيات الجامعية والمراكز الاستشفائية توجد في المدن الكبرى، بينما تعرف العديد من الولايات الداخلية من نقص حاد في الأطباء المختصين والتجهيزات الطبية، ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتمتد التحديات إلى البنية التحتية والآلات الطبية. إذ تعاني مؤسسات صحية عديدة من أعطال متكررة في أجهزة فحص حيوية، مثل أجهزة التصوير بالأشعة والرنين المغناطيسي، بسبب تأخر عمليات الصيانة أو صعوبة توفير قطع الغيار. كما تؤدي الإجراءات الإدارية والبيروقراطية المرتبطة باقتناء المعدات الحديثة إلى إبطاء عمليات تحديث المستشفيات، ما يدفع بعض المؤسسات الصحية إلى مواصلة الاعتماد على تجهيزات قديمة لا تلبي دائمًا احتياجات الطب الحديث.
وتعود أزمة القطاع الصحي الجزائري إلى سنوات طويلة مضت، فقد شهدت المستشفيات موجات متكررة من الاحتجاجات والإضرابات للمطالبة بإصلاحات عميقة وتحسين ظروف العمل. ويُعد إضراب الأطباء المقيمين عام 2018 من أبرز المحطات التي كشفت مدى الاحتقان داخل القطاع، بعدما شارك فيه نحو 13 ألف طبيب مقيم على مدى عدة أشهر، مطالبين بمراجعة نظام الخدمة المدنية الذي يُلزم الأطباء المختصين بالعمل في مناطق تعاني نقصًا في الإمكانات، إلى جانب طرح مطالب مهنية واجتماعية أخرى.
ورغم مرور سنوات على ذلك التحرك، يؤكد عدد من العاملين في القطاع أن العديد من أسباب الأزمة لا تزال قائمة، بل ازدادت تعقيدًا مع مرور الوقت، وهو ما يفسر استمرار الاحتجاجات وتجدد المطالبات بالإصلاح في كل مناسبة، وسط دعوات لإعادة النظر في أساليب تسيير القطاع، وتحسين ظروف عمل الأطباء، وضمان خدمات صحية أفضل للمواطنين.
بحسب شهادات وتقارير نقابية، يضطر بعض الأطباء إلى أداء ما يصل إلى 10 مناوبات شهرية في أقسام تعاني نقصًا في عدد العاملين، في حين يُحتسب لهم أجر ست مناوبات فقط، وهو ما يعتبره الأطباء إجحافًا بحقوقهم.
ويرى الأطباء أن الرواتب لا تعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ولا سنوات الدراسة والتكوين الطويلة التي تتطلبها المهنة، إذ يتقاضى الطبيب المقيم، الذي يتحمل جزءًا كبيرًا من العمل اليومي داخل المستشفيات، راتبًا يعتبره كثيرون غير متناسب مع حجم الأعباء التي يتحملها.
كما يشكون من ضعف تعويضات المناوبات الليلية، رغم ساعات العمل الطويلة والضغط المستمر داخل أقسام الاستعجالات والمصالح المتخصصة، فضلًا عن نقص الطواقم الطبية، وتأخر صيانة المعدات، وغياب بعض الوسائل الضرورية، والاكتظاظ الذي تعرفه العديد من المؤسسات الاستشفائية، وهي عوامل تزيد من صعوبة أداء مهامهم اليومية.
ويطالب الأطباء بـ"إعادة النظر في المرسوم التنفيذي رقم 13-195 المؤرخ في 20 مايو/أيار 2013 والمنظم للمناوبة، ومراجعة والرفع من قيمة منحة المناوبة بما يتناسب مع حجم المسؤوليات والأعباء المهنية، إضافة إلى تحديد المدة الزمنية القانونية للمناوبة بما يحفظ حقوق الأطباء وجميع مستخدمي قطاع الصحة، وتحسين ظروف العمل وضمان استمرارية وجودة الخدمة العمومية الصحية".
وأشاروا أيضًا إلى أن من بين أسباب تفاقم الأزمة الظروف الاجتماعية التي يعيشها الطبيب المقيم أو طالب الطب في سنته النهائية، سواء المرتبطة بالأسرة أو السفر والتنقل، لافتين إلى أن بعض الأطباء يكونون في الوقت نفسه طلبة يدرسون خلال الفترة النهارية، قبل الالتحاق مباشرة بالمناوبات الليلية، وهو ما يزيد من الضغط الجسدي والنفسي عليهم.
وفي إطار البحث عن حلول، اقترح المهنيون تخفيض ساعات العمل، وتخصيص ثلاثة أطباء أو أكثر، بحسب حجم الطلب في كل مصلحة استشفائية، إلى جانب تخصيص فترة راحة للطبيب أثناء المناوبة، وتعزيز التوجيه داخل المستشفيات لتوعية المواطنين بضرورة التوجه إلى مصالح الفحوصات بدلًا من مصالح الاستعجالات في الحالات غير الطارئة، فضلًا عن توفير مرافقة مهنية للأطباء الجدد من قبل المختصين وأساتذة الطب، بحيث يرافق كلَّ طبيب حديث التخرج طبيبٌ أكثر خبرة خلال فترة التكوين الميداني.
وفي ختام مقترحاتهم، دعوا إلى توفير ظروف عمل أكثر ملاءمة داخل المستشفيات، من خلال تحسين فضاءات المناوبة وتجهيزها بالأفرشة والأغطية، وضمان النظافة وتوفير وجبات صحية، بما يضمن الحد الأدنى من الراحة للأطباء أثناء ساعات العمل الطويلة، على غرار ما هو معمول به في العديد من القطاعات الأخرى.
يتواصل نزيف هجرة الأطباء الجزائريين بوتيرة متصاعدة، في ظل استمرار التحديات التي يواجهها القطاع الصحي.
وقد تحولت فرنسا إلى الوجهة المفضلة والملاذ الأول لآلاف الكفاءات الطبية الجزائرية، التي ترى في الهجرة فرصة للحصول على ظروف مهنية أفضل، ومستقبل يواكب طموحاتهم.
وتحذر النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية في الجزائر من تفاقم الظاهرة، معتبرة أن الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتقاضاه الطبيب في الجزائر لا يجب أن يقل عن 140 ألف دينار شهريًا، بما يتناسب مع طبيعة المهنة وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه.
غير أن النقابة تؤكد أن قرار الهجرة لا يرتبط بالأجور وحدها، مشيرة إلى أن عددًا من الأطباء العاملين في القطاع الخاص، والذين لا يعانون بالضرورة من مشكلات مالية، اختاروا هم أيضًا مغادرة البلاد. فالأزمة، بحسبها، أعمق من الجانب المادي، إذ تمتد إلى تراجع ظروف العمل، وضعف فرص التطور المهني، والاكتظاظ داخل المستشفيات، فضلًا عن تنامي الاعتداءات التي تستهدف الطواقم الطبية أثناء أداء مهامها.
وأمام هذا الواقع، اختار آلاف الأطباء الجزائريين الهجرة خلال السنوات الماضية، لتصبح فرنسا الوجهة الأولى لهم، مستفيدة من التقارب اللغوي والتاريخي، إلى جانب تشابه نظام التكوين الطبي بين البلدين، وهو ما يسهل نسبيًا اندماج الأطباء الجزائريين في المنظومة الصحية الفرنسية.
وتعد الجزائر اليوم أكبر مصدر للأطباء الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي العاملين في فرنسا، إذ يشكل الأطباء الجزائريون النسبة الأكبر ضمن فئة الأطباء المعروفة باسم PADHUE، وهم أطباء حصلوا على شهاداتهم خارج الاتحاد الأوروبي، ويزاولون المهنة في فرنسا بعد استكمال إجراءات خاصة للاعتراف بمؤهلاتهم العلمية والمهنية.
فبحسب أرقام رسمية فرنسية لعام 2026، فإن أكثر من ثلث الأطباء الأجانب غير الأوروبيين العاملين في فرنسا كانوا جزائريين. ويدق هذا الواقع ناقوس الخطر في بلاد تُحرم تدريجيا من هذه الثروة البشرية. إذ تكشف أرقام منظمة الصحة العالمية لسنة 2022 ، أن لدى الجزائر 17 طبيب لكل 10 آلاف ساكن في الجزائر مقابل 40 طبيبا لكل 10 آلاف مواطن فرنسي مثلا. هذا ناهيك عن التباين الواضح بين المناطق خصوصا النائية منها.
رغم اعتماد المستشفيات الفرنسية بشكل متزايد على الأطباء الأجانب لسد النقص في العديد من التخصصات والمناطق، فإن مسار الاعتراف بالشهادات الطبية يبقى طويلًا ومعقدًا بالنسبة للأطباء القادمين من خارج دول الاتحاد الأوروبي.
ويُلزم هؤلاء الأطباء باجتياز اختبارات مهنية واستكمال إجراءات إدارية متعددة قبل الحصول على الترخيص النهائي لمزاولة المهنة، وهو نظام سبق أن انتقده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، معتبرًا أنه يعرقل اندماج أطباء ذوي خبرة يحتاج إليهم القطاع الصحي الفرنسي.
وبحسب مصادر إعلامية في باريس، تقول طبيبة جزائرية تعمل في فرنسا إنها تتقاضى نحو 1400 يورو صافيًا شهريًا، أي ما يعادل تقريبًا الحد الأدنى للأجور، رغم أن الطبيب المتخصص الحاصل على شهادة فرنسية يتقاضى راتبًا يزيد على ذلك بأربع مرات على الأقل.
وتوضح أنها تضطر إلى الاعتماد على ساعات العمل الإضافية لتغطية نفقاتها، رغم ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على صحتها، مشيرة إلى أنها تعمل طوال أيام الأسبوع ولا تحصل سوى على 25 يومًا من الإجازة السنوية.
وتصف الطبيبة أوضاع الأطباء الأجانب في فرنسا بأنها تقوم على "الاستغلال المفرط" و"غياب التقدير"، معتبرة أن مساهمتهم الأساسية في سد النقص داخل المستشفيات لا تنعكس على أوضاعهم المهنية أو المالية.
وبحسب صحيفة "لوموند"، بلغ عدد الأطباء المسجلين رسميًا في نقابة الأطباء الفرنسية والحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي، حتى الأول من يناير/كانون الثاني 2025، نحو 19,154 طبيبًا.
وحسب التقرير، يتصدر الأطباء الجزائريون القائمة بنسبة 38.8%، يليهم الأطباء التونسيون بنسبة 15.1%، ثم السوريون بنسبة 8.6%، فالمغاربة بنسبة 7.4%، واللبنانيون بنسبة 4%.
المصدر:
يورو نيوز