في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن الرواية يومًا هامشًا في الصراع على فلسطين، ولم تبدأ مواجهة الدعاية واللغة والشرعية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
غير أن ما جرى منذ ذلك اليوم وسّع هذه الساحة إلى مدى غير مسبوق؛ إذ خرجت صور الحرب على غزة، وما رافقها من قتل ودمار وتجويع، من أسر البيانات الرسمية إلى الجامعات والشوارع والمنصات الغربية، حيث عمل ناشطون ومؤثرون وطلاب على تثبيت مصطلحات طالما حاولت إسرائيل وحلفاؤها دفعها إلى الهامش: الإبادة، وجرائم الحرب، والفصل العنصري، والاستعمار الاستيطاني.
واللافت في القراءات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة ليس أنها اكتشفت هذا التحول للمرة الأولى، بل أنها تمنحه الآن نبرة إنذار أعلى، بعد الحرب على غزة، واتساع الانتقاد في الغرب، وارتباك العلاقة مع واشنطن في ظل حرب إيران وتقلبات عهد ترمب.
فإسرائيل، كما تعكس هذه التغطيات، لا تواجه "أزمة سمعة" عابرة، بل قلقًا من أن يتحول انكشاف صورتها إلى كلفة سياسية فعلية: في الكونغرس الأمريكي، والجامعات، ومنصات التواصل، وداخل معسكرات أمريكية طالما عُدّت حصينة أمام النقد.
في جيروزاليم بوست، يكتب جيفري كاهن أن إسرائيل، رغم انشغالها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول بعدة جبهات عسكرية، تواجه جبهة أخرى ظلّت في مرتبة أدنى من الاهتمام، رغم ما تنطوي عليه من أثر إستراتيجي، وهي ما يسميه "حملة نزع الشرعية عن دولة إسرائيل".
ويقول إن هذه الحملة لا تستهدف الأرض، بل الشرعية، عبر السرديات والضغط القانوني والدبلوماسي والإعلامي.
ويعرض الكاتب القلق الإسرائيلي بلغة كاشفة؛ فـ"الصواريخ" التي تتساقط، وفق وصفه، ليست متفجرات، بل اتهامات من قبيل "الإبادة" و"جرائم الحرب" و"الفصل العنصري" و"العزلة الدولية".
ويرى أنها تنطلق عبر الحكومات والمؤسسات الدولية والإعلام والجامعات والناشطين والمؤثرين ومنصات التواصل، مضيفًا أن هذا النوع من الهجمات "لا ملاجئ" له.
تكشف هذه القراءة جانبا من خوف إسرائيلي متأصل: فما تصفه إسرائيل بـ"نزع الشرعية" هو، في جانب واسع منه، حصيلة تراكم سياسي وحقوقي وإعلامي طويل، جعل الرواية الفلسطينية ومساءلة الصهيونية والاحتلال حاضرة في قلب النقاش الغربي.
ويقول كاهن إن الرأي العام ليس مسألة صورة فحسب، لأنه يؤثر في الانتخابات، والتحالفات الدبلوماسية، والمساعدات العسكرية، والعقوبات، والتجارة، والاستثمار، والسياحة، والتعاون الأكاديمي، والتحركات القانونية الدولية.
وبحسبه، تشير استطلاعات حديثة إلى أن المواقف من إسرائيل أصبحت أكثر سلبية في ديمقراطيات غربية عدة، ولا سيما بين الأجيال الشابة، مع اتساع الانقسام الحزبي في الولايات المتحدة.
وهنا يبدو القلق أعمق من أزمة علاقات عامة. فإسرائيل، كما تعكس هذه القراءة، تخشى أن يتحول تغير المزاج الشعبي إلى قيود سياسية على حلفائها، وأن تضيق المسافة بين الشارع والبرلمان، وبين صور القتل والدمار وبين قرارات السلاح والمال والدعم الدبلوماسي.
وتلتقط بوليتيكو هذا التحول من قلب واشنطن، فتقول إن إسرائيل وحلفاءها يخوضون مهمة لإنقاذ سمعتها المتضررة في الولايات المتحدة، في مواجهة موجة غير معتادة من النقد الأمريكي العابر للحزبين.
وتشير إلى أن أكثر من 100 نائب ديمقراطي صوتوا لصالح إجراء فاشل لوقف المساعدات عنها، في حين اتهم نائب الرئيس جيه دي فانس إسرائيل بشن عملية تأثير إلكترونية ضده.
وتقول الصحيفة إن الرد المؤيد لإسرائيل شمل التواصل مع المشرعين، والإنفاق الانتخابي الموجه، وزيارة محتملة لبنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة.
كما تشير إلى أن منظمات مثل أيباك والائتلاف اليهودي الجمهوري استخدمت أذرعها المالية لاستهداف مرشحين من اليسار واليمين ترى أنهم لا يدعمون إسرائيل بما يكفي.
غير أن بوليتيكو تنقل عن نيد برايس، المسؤول السابق في إدارتي بايدن وأوباما، قوله إن المشكلة ليست مما يمكن إصلاحه بعقد ضغط مكلف، لأنها تتصل بالسلوك نفسه.
وتنقل عن دان شابيرو، المسؤول السابق في البنتاغون، أن الحوار والزيارات لا يكفيان، وأن المطلوب تغيير جدي في سياسة إسرائيل تجاه الضفة الغربية وغزة.
وفي جيروزاليم بوست أيضًا، يكتب برنار هنري ليفي، بعد مشاركته في مؤتمر بجامعة حيفا حول معاداة السامية، أن ما لمسه بين إسرائيليين حضروا المؤتمر كان شعورًا عميقًا بأنهم ضحايا "ظلم شديد"، وأنهم باتوا يُقاطعون في الجامعات والفنون والثقافة بغض النظر عن مواقفهم الفردية.
وبلغة شديدة الانحياز لإسرائيل، يصف ليفي إحساسًا بالخوف من خذلان الديمقراطيات الغربية، ومن تقييد شحنات السلاح أو تعليق الدعم، بل ومن أن تتحول الآمال المعقودة على دونالد ترمب إلى خيبة في صفقة مع قطر أو إيران.
كما يرسم صورة لأمريكا موزعة بين يسار راديكالي ويمين ماغا متذمر من التورط في حروب جديدة.
هذه اللغة تكشف مزاجًا إسرائيليًا مهمًا: لم تعد المشكلة، في نظر مؤيدي إسرائيل، أن العالم "يسيء فهمها" فحسب، بل أن شعورًا بالعزلة وفقدان الحصانة الأخلاقية والسياسية صار حاضرًا في نقاشها الداخلي.
ومن زاوية إقليمية، يكتب مايكل ميلشتاين في يديعوت أحرونوت أن الأزمة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة حول مضيق هرمز حملت فارقًا لافتًا: إسرائيل ليست طرفًا مباشرًا فيها.
فإيران، بحسب تحليله، تحرص على عدم ضرب إسرائيل، بينما يشدد الأمريكيون على أن المسألة لا تتعلق بنتنياهو، رغم أنه يرغب في الانضمام إلى القتال.
ويرى ميلشتاين أن قرار إيران عدم استهداف إسرائيل يبدو محسوبًا، لأن إدخالها في المواجهة قد يعقّد الصراع، وربما يمنح نتنياهو فرصة للخروج من مأزقه الإستراتيجي.
ويخلص إلى أن على إسرائيل ألا تفاجئ الأمريكيين بتحرك هجومي، بعدما تعلمت أكثر من مرة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول أن خطوات كهذه قد تنتهي بضرر أكبر من فائدتها.
هكذا تبرز مفارقة إضافية: إسرائيل التي اعتادت تقديم نفسها مركزًا لا يمكن تجاوزه في الإقليم، تجد نفسها في بعض القراءات الإسرائيلية خارج قلب الحدث، وفي قراءات أخرى أمام صورة تتراجع في واشنطن والجامعات والمنصات.
تقول بوليتيكو إن بعض الإسرائيليين يرون أن بلادهم تحتاج إلى إستراتيجية شاملة لإنقاذ صورتها في أمريكا.
وتنقل عن محامية إسرائيلية بارزة قولها إن ساحة المعركة لم تعد في غزة ولبنان وطهران فقط، بل في الجامعات الأمريكية والكونغرس ومنصات مثل إكس وتيك توك، وكل مكان يتشكل فيه الرأي العام.
وفي جيروزاليم بوست، يدعو كاهن إلى مؤسسات ترصد "تهديدات السردية" كما تُرصد الصواريخ، وإلى تنسيق بين الحكومة والأكاديميا والمجتمع المدني والتكنولوجيا والإعلام والجاليات اليهودية، معتبرًا أن المسألة ليست مشكلة تواصل بل تحديًا إستراتيجيًا وجوديًا.
وهنا تتضح دلالة التحول. فالعمل الذي راكمه الناشطون لأجل فلسطين ومناهضو الصهيونية في الجامعات والشوارع والمنصات لم يعد هامشًا في نظر خصومهم.
لقد صار جبهة تضطر إسرائيل وحلفاءها إلى التعامل معها كخطر حقيقي؛ جبهة لا تسقط فيها القذائف، لكنها تصيب ما هو أعمق: الصورة، والشرعية، والقدرة على إقناع العالم بأن الرواية الإسرائيلية ما زالت تكفي وحدها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة