في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- "اختارت واشنطن أهدافها بعناية هذه المرة، إذ بدأت بقصف جسر آق قلا شمالي إيران، ثم منشآت الكهرباء جنوبا، فأصول للاتصالات في مدينة بندر عباس، وصولا لاستئناف الحصار البحري على الموانئ، وفق خارطة طريق تهدف لقطع شرايين البلاد واحدا تلو الآخر". هكذا يقرأ المواطن الإيراني سيروس -وهو متقاعد في قوى الأمن الداخلي- التصعيد العسكري المتواصل في المياه الخليجية.
وفي حي "أكباتان" غربي طهران، يؤكد سيروس (76 عاما) للجزيرة نت أنه يعرف سواحل بلاده الجنوبية ومداخلها كما يعرف تجاعيد كفه، موضحا أن "زيادة الضربات على الجنوب ليست لقطع التجارة بوجه الموانئ الإيرانية فحسب بل تمهد لهجوم بري". ويضيف "يريدون إنهاك الرادارات والدفاعات الإيرانية كي يفتحوا طريقا من هناك.. برأيي الحصار هو الفصل الأول، لا القصة كلها".
وكانت القيادة المركزية الأمريكية ( سنتكوم) أعلنت، الثلاثاء، استئناف الحصار البحري على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، ردا على استهداف طهران سفنا في مضيق هرمز، لتغلق آخر نافذة بحرية كانت تتنفس منها البلاد.
وبعد مرور نحو 3 أسابيع فقط من توقيع مذكرة التفاهم التي لم ترقَ إلى مستوى اتفاق سلام شامل بين واشنطن وطهران، يؤكد الطرفان انهيارها، ليدخل التصعيد العسكري منعطفا أكثر عنفا، ما يرسم علامة استفهام عن كيفية قراءة الشارع الإيراني تحولات المواجهة.
وفي جولة ميدانية للجزيرة نت في أحياء طهران، بدا المشهد خليطا من القلق المرهق والغضب الصامت، فبينما يأخذ أحدهم إمكانية اتساع رقعة القصف ووصوله إلى العاصمة خلال الساعات أو الأيام المقبلة بعين الاعتبار، يتمسك آخرون بشاشات هواتفهم متابعين قفزات أسعار العملة الصعبة وانهيار مؤشر البورصة، غير أن المشترك في أحاديث الناس كان شعورا عاما بأن "البلاد تُدفع إلى الزاوية الأكثر ضيقا".
وتعتبر فرناز (32 عاما) وهي مديرة تسويق لعلامة تجارية بطهران، أن "الحصار الجديد لم يعد مجرد عقوبات على الورق، بل واقعا بحريا يهدد بالتهام ما تبقى من صمود الاقتصاد الوطني"، مضيفة للجزيرة نت أن "النزاع الحالي ليس على الملاحة في مضيق هرمز، إنه للسيطرة عليه. أعتقد أن واشنطن تتقدم خطوة خطوة لإنهاك قواتنا كي تُخرج هرمز من سيطرة القوات الإيرانية".
وتابعت "يريدون تعويد الإيرانيين على الحرب بعد أن عودوهم على العقوبات، أن يصبح القصف روتينا يتكرر بين الفينة والأخرى وهذا خطر حقيقي أن يتحول مضيق هرمز إلى نقطة استنزاف، تدمر من أجله أصول بمليارات الدولارات، بينما نتعرض للقصف ليل نهار.. إذا كان الاحتفاظ بالمضيق يعني تدمير بنيتنا التحتية، فالنهاية ستكون مختلفة".
وفي شارع "ميرزاي شيرازي" وسط المدينة، كان الشاب كيوان (37 عاما) -وهو صاحب بقالة- يحدق في هاتفه بصمت متابعا تداولات سوق البورصة وتقلبات سعر العملة الصعبة، وقال للجزيرة نت بصوت متقطع "مؤشر البورصة في انهيار متواصل منذ أسبوع، والريال يذوب، وأسعار السلع -ما عدا المواد الغذائية- ترتفع كل ساعة.. الحصار لم يغلق الموانئ فقط، بل سيغلق استقرار الأسواق".
وأضاف وهو يفتح تطبيقا لأسعار الذهب "الناس تسحب مدخراتها من البنوك، والذهب يقفز، والسوق في حالة ذعر. هذا ليس مجرد حصار، هذا انهيار مالي بالحركة البطيئة. الناس لا تسأل عن الإستراتيجية، بل تسأل: هل يستطيع راتبي شراء الدواء والغذاء غدا؟".
هذا القلق نفسه كان يرتسم على وجه فاطمة (34 عاما) وهي ممرضة، والتي دخلت البقالة لشراء بعض الحاجات التي تراها ضرورية قبيل وصول القصف إلى طهران، فقالت إنه "في حرب يونيو/حزيران 2025 قلنا: ستنتهي. وفي الثانية قبل أشهر قلنا: ستنتهي. ومع كل جولة عقوبات نقول: هذه الأخيرة.. والآن يأتي الحصار البحري ليقول لنا: لا شيء سينتهي".
وأضافت للجزيرة نت "أنا لا أعرف السياسة ولا أريد مناقشة الإستراتيجيات، لكن وجدت هذا البلد محاصرا منذ أن وعيت على الدنيا، فتعلمنا أن نجد طرقا أخرى بانتظار انتهاء الضغوط لكن دون جدوى"، وتابعت "كل ما يحدث الآن وعلى رأسه الحرب والحصار البحري سببه الأول والأخير هو الملف النووي".
وأكملت فاطمة "ماذا جنينا من هذا الملف؟ حتى لم يوفر لنا ردعا ولم يعد هناك ما نخسره؛ فإما أن نصنع القنبلة فعلا ونردعهم، أو نغلقه إلى الأبد ونريح شعبنا المنهك".
من جانبه، يرى الدكتور فرزاد أحمدي، الباحث في الجغرافيا السياسية والأمن القومي بجامعة "تربيت مدرس"، أن الضربات على الموانئ والجسور لم تكن مجرد عقاب لطهران، بل كانت إشارات مرسومة على خريطة عالمية أوسع.
وقال أحمدي للجزيرة نت إن ما يجري في جنوب إيران ليس مجرد حصار بحري، بل هو "فصل من محاولة أمريكية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للقوة على مستوى العالم. طهران في قلب تنافس جيوسياسي بين القوى الغربية بقيادة واشنطن، والقوى الشرقية وفي مقدمتها الصين وروسيا. وفي هذه المعادلة، إيران ليست مجرد دولة هامشية، بل عقدة جيواقتصادية وجيوسياسية وأي تغيير في اتجاه هذه العقدة، أو فكها، سيغير ميزان القوى في النظام العالمي".
وأوضح "استهداف جسر آق قلا ليس ضربة منفصلة عن الحصار. فبعد حرب أوكرانيا اكتشفت أمريكا أن لروسيا متنفسين؛ بكين التي تحولت إلى مصرف يشتري بضاعتها، وطهران التي وفرت بشبكتها من الممرات البرية طريقا للالتفاف على العقوبات، هذا الطريق كان حلقة في شبكة الممرات التي تصل إيران بالصين و روسيا على حد سواء".
"وبالتزامن مع الحصار الأمريكي على إيران، توجه واشنطن رسالة إلى موسكو وبكين مفادها: نحن مصممون على جر طهران إلى الغرب، حتى لو اضطررنا لإلحاق الضرر ببنيتكم التحتية ومصالحكم. إنها رسالة بأن اليد الأمريكية طويلة، وقادرة على قطع خيوط التحالف الشرقي عند العقدة الإيرانية"، وفق أحمدي.
وعن مضيق هرمز الذي يصفه بأنه "قلب الأزمة"، يرى أن "المفارقة أن إيران هي أكثر دولة في العالم تعتمد على المضيق. صادراتنا النفطية ومعظم وارداتنا تمر من هنا. وفي الوقت نفسه، المضيق هو ورقتنا الرابحة للضغط على الخصوم. لكن واشنطن تريد أن تستخدم هذه الازدواجية ضدنا. الحصار البحري يهدف إلى جعل اعتمادنا عليه أكثر ألما".
وتابع "تريد واشنطن أن يرتد علينا سلاح المضيق. ضررها من الحصار البحري وإغلاقه أقل بكثير من ضرر إيران ودول المنطقة. أمريكا تريد خنق اقتصادنا من الداخل، وإشعال ضغوط اجتماعية واقتصادية تمهد لاعتراضات داخلية، مع الاستمرار في توجيه ضربات موجعة للمنشآت العسكرية والبنى التحتية".
لكن أحمدي لا يعتقد أن خيارات إيران قد نفدت، ويوضح "طهران تملك أوراقا تصعيدية أخرى، إذا استمر الحصار عليها قد تلجأ إلى تعطيل الملاحة بالكامل في المضيق نفسه، أو استهداف المصالح الأمريكية خارج المنطقة. وسبق أن لوحت بتوسيع الصراع إلى خارج الإقليم وقد يعني ذلك ضرب منشآت الطاقة في شرق المتوسط، كما أنها قادرة على زعزعة الأمن في مضيق باب المندب".
وخلص إلى أن طهران إذا شعرت بأنها تُدفع إلى الزاوية، فقد تقدم على ردود لا يمكن التنبؤ بها بما يغير قواعد الاشتباك الراهنة، محذرًا "هناك خط رفيع بين الضغط الذي يغير السلوك، والضغط الذي يغير التحالفات. إذا مضت أمريكا في تهديدها باستهداف البنية التحتية ومنشآت الطاقة، فإنها قد تحقق هدفا عكسيا. إيران لن تستسلم لأن جغرافيتها الجبلية المعقدة واستعداداتها الدفاعية الموزعة في ربوع البلاد تجعل هزيمتها من الخارج شبه مستحيلة".
وتابع "الضربات الموجعة لن تكسرها، بل ستدفعها حتما إلى أحضان الصين وروسيا أكثر فأكثر. وستصبح بكين هي المُعيد الوحيد لإعادة إعمار إيران، وهذا سيعمق التحالف الثلاثي الذي تخشاه واشنطن". وختم "يجب ألا ننسى أن طهران تقاتل حتى الآن وحدها. لم تستفد بعد من دعم صيني أو روسي مباشر. وإذا أجبرتها واشنطن على الاستعانة بهذا الدعم، فإن الحرب ستنتقل إلى مستوى مختلف تماما. أمريكا قد تربح الحصار، لكنها قد تخسر التوازن العالمي".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة