آخر الأخبار

من الوساطة إلى الاستهداف.. لماذا صعّدت إيران ضد عمان بعد تعثر تفاهم هرمز؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طهران- خلال ساعات قليلة، انتقلت العلاقة بين إيران وسلطنة عمان من مباحثات بشأن إنشاء آلية لعبور السفن في مضيق هرمز إلى استهداف مواقع داخل الأراضي العمانية، في تطور وضع واحدة من أكثر علاقات طهران الإقليمية استقرارا أمام اختبار غير مسبوق.

فبعد زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط وبحثه ترتيبات الملاحة مع المسؤولين العمانيين، أعلنت السلطنة تعرض مواقع على أراضيها لهجمات إيرانية، قبل أن يتكرر الاستهداف في اليوم التالي، أي أمس الاثنين.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 سفينتان غير مرتبطتين بإيران تعبران مضيق هرمز رغم إغلاقه.. ماذا نعرف عنهما؟
* list 2 of 4 ضربات أمريكية على جنوب إيران وإصابة عسكريين في الكويت بهجوم للحرس الثوري
* list 3 of 4 مضيق هرمز يشهد أقل عبور للسفن منذ شهرين
* list 4 of 4 نجاة طاقمها.. انفجار على متن سفينة هولندية قبالة سواحل عُمان end of list

وقدمت إيران الضربات باعتبارها موجهة إلى منشآت عسكرية أمريكية داخل عمان، لا إلى الدولة العمانية. لكن مسقط رفضت عمليا هذا الفصل، واستدعت السفير الإيراني وسلمته مذكرة احتجاج، معتبرة ما جرى اعتداء على سيادتها.

ولا تقتصر دلالة الحادثة على طبيعة المواقع المستهدفة، بل تشمل توقيتها بعد ساعات من زيارة عراقجي، وما يكشفه ذلك عن العلاقة بين المسارين الدبلوماسي والعسكري داخل إيران، وحدود قدرة وزارة الخارجية على حماية التفاهمات التي تسعى إليها، فضلا عن مستقبل عمان بوصفها وسيطا تقليديا بين طهران و واشنطن.

تفاهم لم يكتمل

سبقت زيارة عراقجي أسابيع من المباحثات الإيرانية العمانية بشأن الملاحة في مضيق هرمز، وتشكيل لجنة مشتركة تبحث مسارات عبور السفن والخدمات البحرية والحقوق السيادية للدولتين المطلتين عليه.

غير أن المحادثات واجهت تباينات بشأن الجهة التي تتولى تنظيم المرور في المضيق. فقد تمسكت إيران بأن أي ترتيبات يجب أن تقر بدورها في إدارة حركة السفن، بينما سعت عمان إلى توفير مسار آمن يحول دون توقف الملاحة أو تحول المضيق إلى ساحة مواجهة دائمة.

وخلال زيارة عراقجي، أعلن الجانبان مواصلة المحادثات السياسية والفنية، من دون الكشف عن اتفاق تنفيذي نهائي. وقالت الخارجية الإيرانية لاحقا إن الضغوط الأمريكية منعت مسقط من المضي في التفاهم المقترح.

إعلان

لكن هذه الرواية لم يصاحبها إعلان عماني يحمل واشنطن مسؤولية تعثر المفاوضات، كما أن انتقال إيران بعد ساعات إلى ضرب مواقع داخل السلطنة جعل الأزمة تتجاوز الخلاف الفني بشأن الملاحة، لتطرح سؤالا حول كيفية إدارة طهران علاقتها بدولة جارة وصديقة كانت لا تزال تفاوضها.

دبلوماسية لم تضبط الميدان

يرى أستاذ العلاقات الدولية علم صالح أن سرعة الانتقال من زيارة عراقجي إلى استهداف الأراضي العمانية تشير إما إلى خلل شديد في إدارة الأزمة، أو إلى وجود مراكز متعددة لصنع القرار داخل النظام الإيراني.

ويقول صالح للجزيرة نت إن هذا التسلسل يظهر أن المسارين الدبلوماسي والعسكري ربما لم يكونا منسقين بالكامل، وأن القرارات العملياتية قد تكون سبقت المبادرة الدبلوماسية أو تجاوزتها.

ولا يعني ذلك، بحسب صالح، وجود تفكك مؤسسي بالضرورة، لكنه يكشف عن تعقيد عملية صنع القرار تحت ضغط أمني حاد، إذ تواصل المؤسسات العسكرية تنفيذ خططها من دون أن تتطابق أولوياتها وتوقيتها مع تحركات وزارة الخارجية.

ويطرح ذلك تساؤلا بشأن موقع عراقجي نفسه: هل ذهب إلى مسقط وهو يعلم أن الأراضي العمانية مدرجة ضمن بنك الأهداف، أم أن القرار العسكري اتخذ في مسار لا تملك الخارجية التأثير فيه؟ وفي الحالتين، تكشف الضربة حدود المسار الدبلوماسي، فإذا كان الوزير على علم، تصبح الزيارة جزءا من إدارة متوازية للتفاوض والتصعيد، أما إذا لم يكن مطلعا، فإن ذلك يعكس ضعف قدرة الخارجية على ضبط نتائج مبادراتها.

بنية متعددة المستويات

من جانبها، تربط الباحثة في الشؤون الإيرانية والإقليمية هدى يوسفي ما جرى ببنية اتخاذ القرار في الجمهورية الإسلامية، التي تتشارك فيها الحكومة ووزارة الخارجية والمجلس الأعلى للأمن القومي والمؤسسات العسكرية والأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري.

وتقول يوسفي للجزيرة نت إن لكل مؤسسة قنوات عمل ومنطقا عملياتيا مستقلا نسبيا، وإن التنسيق الأفقي بينها يصبح أكثر صعوبة في الظروف المتسارعة، حين تتخذ القرارات خلال فترات قصيرة. ومن ثم، قد تظهر اختلافات في الأولويات والتوقيت بين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري، من دون أن تكون بالضرورة نتيجة خلاف جناحي معلن.

وتضيف أن مجرد التزامن بين زيارة عراقجي والضربة لا يكفي لإثبات وجود انقسام مؤسسي، لكنه يبرز الطبيعة اللامركزية والمتعددة المستويات لصنع القرار الإيراني في زمن الحرب.

وتسمح هذه القراءة بالنظر إلى الهجوم لا بوصفه مجرد "رد عسكري على الولايات المتحدة"، بل بوصفه نتيجة بنية قرار تتيح استمرار التفاوض مع دولة في الوقت نفسه الذي تنفذ فيه عمليات داخل أراضيها.

خلاف في تعريف الهدف

أعلنت إيران أن الضربات استهدفت منشآت وتجهيزات أمريكية، وحاول خطابها العسكري الفصل بين عُمان بوصفها دولة ذات سيادة والأصول الأمريكية الموجودة على أراضيها. لكن الموقف العماني انطلق من تعريف مختلف للحادثة، فأيا تكن هوية الموقع المستهدف، فإن تنفيذ ضربة عسكرية داخل حدود السلطنة يمثل انتهاكا لأراضيها ويضعها في قلب مواجهة حاولت طويلا احتواءها.

ويعكس هذا الخلاف تباينا أوسع في مفهوم السيادة، حيث تنظر طهران إلى المنشآت الأمريكية باعتبارها أهدافا محتملة أينما وجدت، بينما ترى الدول المضيفة أن وجود علاقات أو ترتيبات عسكرية مع واشنطن لا يسقط مسؤوليتها عن حماية أراضيها.

إعلان

وحتى حسين باك، الذي يقدم قراءة قريبة من الموقف الإيراني، يقر بأن العلاقات بين إيران وعمان تواجه توترا بسبب الضربات، وإن كان يعتقد بوجود تفاهم غير معلن بين الطرفين على منع الأزمة من تجاوز مستوى معين.

ويقول باك للجزيرة نت إن علاقة طهران بمسقط تختلف عن علاقاتها ببقية دول الخليج، وإن إيران تدرك القيود التي تواجهها السلطنة، متوقعا احتواء التوتر وعودة العلاقات إلى مستوياتها السابقة. لكن هذا التقدير يبقى مرهونا برد عمان، وبقدرة الطرفين على معالجة حقيقة أن أراضي الدولة الوسيطة أصبحت جزءا من مسرح العمليات.

وسيط تحت النار

يقول علم صالح إن استهداف عمان يعقد حتما دور مسقط بوصفها الوسيط الإقليمي الأكثر موثوقية بين إيران والولايات المتحدة.

وحتى إذا لم تكن الضربة رسالة سياسية مقصودة إلى الحكومة العمانية، فإنها تضعف الثقة بقدرة مسقط على توفير مساحة محايدة وآمنة للوساطة، وترفع الكلفة التي تتحملها لقاء استمرارها في هذا الدور.

ويرى صالح أن ما جرى يبدو حتى الآن أقرب إلى تصعيد فرضته الأزمة، وليس رفضا إيرانيا جذريا للوساطة العمانية، لكن الحكم النهائي سيتوقف على تصرفات طهران اللاحقة، وما إذا كانت ستقدم ضمانات تمنع تكرار استهداف السلطنة.

وتتفق يوسفي على أن الحادثة تضع عمان أمام معضلة مزدوجة: كيف تحافظ على قناة الحوار بين طهران وواشنطن، وتحمي في الوقت نفسه أراضيها من تداعيات مواجهتهما؟

وترجح أن تدفع الضربات مسقط إلى مزيد من الحذر، وربما إلى مطالبة الأطراف بضمانات أمنية أوضح قبل استضافة مباحثات أو نقل رسائل جديدة.

لكنها لا تتوقع انسحاب عمان سريعا من الوساطة، بسبب غياب بديل يحظى بمستوى مماثل من الثقة، فضلا عن مصلحتها المباشرة في احتواء الحرب ومنع امتدادها إلى المضيق.

وتُميز يوسفي بين الوساطة السياسية، التي يمكن لمسقط تقليصها أو تعليقها، ودورها الفني والجغرافي في إدارة حركة الملاحة في هرمز، وهو دور لا يمكن تجاوزه بحكم موقعها على الضفة الجنوبية للمضيق.

مصدر الصورة عراقجي يلتقي سلطان عمان في زيارته إلى مسقط في أبريل/نيسان 2026 (أسوشيتد برس)

علاقة تاريخية أمام اختبار جديد

تعود خصوصية العلاقات الإيرانية العمانية إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما دعمت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي السلطان قابوس خلال حرب ظفار. وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، حافظت مسقط على قنواتها مع طهران، ولم تقطع العلاقات خلال الحرب العراقية الإيرانية.

وتحولت هذه السياسة لاحقا إلى وساطة منتظمة بين إيران والولايات المتحدة، شملت ملفات المحتجزين والبرنامج النووي، فضلا عن استضافة المحادثات السرية التي مهدت للاتفاق النووي عام 2015.

وبذلك، لا تمثل الضربات حادثة عسكرية عابرة، بل اختبارا لعلاقة نجت من أزمات إقليمية متعاقبة، واستندت إلى قدرة عمان على البقاء خارج الاستقطابات الحادة.

لكن هذه القدرة أصبحت موضع شك بعد انتقال المواجهة إلى أراضيها. فالدولة التي كانت توفر مساحة آمنة للتفاوض باتت بحاجة إلى ضمان أمنها أولا، كما أن ثقتها بقدرة الدبلوماسية الإيرانية على الالتزام بما تبحثه على طاولة المفاوضات تعرضت للاهتزاز.

ويظل مستقبل العلاقة متوقفا على ما إذا كانت طهران ستتعامل مع احتجاج مسقط باعتباره أزمة يجب احتواؤها، أم ستتمسك بحق استهداف "الأصول الأمريكية"، حسب روايتها، داخل دول المنطقة بصرف النظر عن موقف الدولة المضيفة.

أما عمان، فمن المرجح أن تواصل الوساطة بحكم الجغرافيا والمصلحة، ولكن من موقع أكثر حذرا، وبعد أن أظهرت الضربات أن تاريخ العلاقة الخاصة مع إيران لا يوفر حصانة كاملة عندما تتقدم الحسابات العسكرية على التفاهمات الدبلوماسية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا