آخر الأخبار

حرب إيران تهز الأمن الغذائي العالمي.. هل يواجه العالم أزمة جوع جديدة؟

شارك

تفاقمت الأزمة بفعل ارتفاع موازٍ في أسعار الغذاء العالمية، غذّته تكاليف الطاقة والمخصبات المرتفعة. وأظهر مؤشر منظمة الأغذية والزراعة "فاو"، الذي اطلعت عليه رويترز، قفزة ملحوظة منذ اندلاع الحرب، مسجلاً ارتفاعات متتالية خلال 2023 و2024 و2025 ووصولاً إلى يونيو 2026.

كشفت الحرب التي اندلعت مع إيران عن الوجه الهش للأمن الغذائي العالمي، حين حوّل صاروخٌ أو طائرة مسيّرة ممراً مائياً حيوياً إلى نقطة اختناق تعطل سلاسل إمداد تطعم مليارات البشر . لم تكن الأزمة مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل صدمة عنيفة هزت أركان منظومة غذائية راهن العالم على استقرارها منذ أكثر من قرن.

ورصدت رويترز انقطاع 17% من إمدادات الغاز الطبيعي العالمية مع الاشتباكات الأولى، وتوقف ما يزيد على 30% من إمدادات مخصبات النيتروجين التي تعتمد عليها الزراعة الحديثة.

وبالتوازي، ظل نحو نصف صادرات الكبريت العالمية حبيساً بسبب تعطل حركة الملاحة في مياه الخليج، بعدما شلت الهجمات العبور عبر مضيق هرمز.

ووثقت رويترز رسو مئات السفن التجارية عاجزة عن الحركة، فيما صمتت محطات الغاز الطبيعي وتوقفت مصانع المخصبات عن الإنتاج. صواريخ وطائرات مسيرة دمرت منشآت كاملة، وأخرى تضررت بشكل يهدد بخروجها من الخدمة لأشهر أو حتى سنوات، حتى وإن فتح المضيق غداً.

أسعار تحترق في ذروة المواسم الزراعية

وجاءت الضربة في أسوأ توقيت ممكن. فمع بدء مواسم الزراعة في الهند والولايات المتحدة وأستراليا، قفزت أسعار المخصبات إلى مستويات قياسية، بحسب ما وثقته رويترز.

ورغم تراجعها لاحقاً، كان الضرر قد وقع فعلاً على المزارعين، وبالتبعية على مليارات المستهلكين الذين يعتمدون على محاصيلهم.

وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن ووزارة الزراعة الأمريكية، التي اطلعت عليها رويترز، أن عقود اليوريا الحبيبية الآجلة في خليج المكسيك بلغت أعلى مستوياتها خلال مواسم الزراعة الحرجة للدول الأكثر استيراداً من منطقة الخليج في 2024.

تسابق محموم على الكميات المتبقية

وبادرت الهند إلى شراء كميات هائلة من اليوريا بأسعار مرتفعة للغاية، واضعة نصب عينيها مصالح ملايين المزارعين والمستهلكين، وفق ما رصدته رويترز.

وأدى ذلك إلى امتصاص المعروض العالمي وتقليص الكميات المتاحة لبقية الدول المتنافسة.

وامتدت التداعيات من الحقول الأسترالية، حيث يستعد المزارعون لخفض حاد في مساحات القمح المزروعة لعجزهم عن تغطية فاتورة المخصب، إلى القرى الإفريقية التي كافح مزارعوها لمجرد العثور على أي أسمدة.

وفي البرازيل، التي تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها، وجد المزارعون أنفسهم بين خيارين كلاهما مر: شراء المخصب بأسعار تُفقرهم، أو تقليص استخدامه وقبول محصول أقل يُفقرهم أيضاً.

ضربة مزدوجة: حرب ومناخ

وتفاقمت الأزمة بفعل ارتفاع موازٍ في أسعار الغذاء العالمية، غذّته تكاليف الطاقة والمخصبات المرتفعة. وأظهر مؤشر منظمة الأغذية والزراعة "فاو"، الذي اطلعت عليه رويترز، قفزة ملحوظة منذ اندلاع الحرب، مسجلاً ارتفاعات متتالية خلال 2023 و2024 و2025 ووصولاً إلى يونيو 2026.

وتزيد من تعقيد المشهد عودة ظاهرة "النينيو" المناخية هذا العام، والتي ارتبطت تاريخياً بأمطار أقل من المعدل في الهند وموجات جفاف أضرت بالمحاصيل وأجبرت حكومات على تقييد صادراتها من السلع الغذائية الأساسية. اليوم، تزامنت الحرب مع النينيو لترفع أسعار الغذاء عالمياً إلى مستويات تنذر بأزمة إنسانية طويلة الأمد.

إرث "هابر-بوش" الذي بدده صاروخ

وتعيد هذه الأزمة إلى الأذهان مشاهد القلق التي سادت أوساط العلماء في أواخر القرن التاسع عشر، حين تنبؤوا بمجاعة عالمية بسبب نقص مخصبات التربة. آنذاك، قلب عالمان ألمانيان الموازين بين عامي 1909 و1913 بتطوير عملية "هابر-بوش"، القادرة على سحب النيتروجين من الهواء وشطره بحرارة وضغط الغاز الطبيعي لإنتاج الأمونيا.

وتحول هذا المخصب إلى عمود فقري لزراعة القمح والذرة والأرز، وقاد بالاشتراك مع الثورة الخضراء في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى إنقاذ أكثر من مليار إنسان من المجاعة، خصوصاً في الهند والمكسيك.

ولأول مرة، شعر العالم أنه ودّع إلى الأبد شبح نفاد الغذاء. وفي 1960 بلغ سكان الأرض ثلاثة مليارات، ثم كادوا يتضاعفون ثلاث مرات إضافية خلال سبعين عاماً، بفضل قفزات الإنتاج الهائلة.

لكن تلك المعجزة التي قامت على افتراض توفر الغاز الطبيعي الدائم، اصطدمت اليوم بحقيقة أن صاروخاً واحداً في الممر الضيق بين إيران وعُمان قادر على إحياء شبح المجاعة مجدداً. والمليارات الذين اعتادوا غذاءً وفيراً وميسوراً تقف خلفهم معجزة زراعية هشة، تكفي هزة واحدة في مضيق هرمز لتحويلها إلى أزمة إنسانية تمتد تداعياتها لأشهر، وربما لسنوات مقبلة.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا