مع بزوغ فجر السبت، توافد آلاف الإيرانيين إلى مصلّى طهران الكبير للمشاركة في مراسم وداع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، حيث رُفعت هتافات تدعو إلى "الانتقام والثأر"، في أجواء غلب عليها الحزن والتعبئة السياسية والشعارات الغاضبة.
وخيّم السواد على جموع المشيعين الذين احتشدوا لوداع المرشد الراحل، حيث تداخلت الرايات الحمراء التي ترمز لطلب الثأر مع شعارات "انتقام" المكتوبة باللغتين الفارسية والإنكليزية. وبينما غطت صور خامنئي أرجاء المكان إلى جانب الأعلام الوطنية، برزت لافتات "شهيد" في المشهد، كما لفت الأنظار حضور صور نجله مجتبى الذي لم يظهر علناً منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي بدأت في 28 شباط/فبراير.
ولم تغب الشعارات التقليدية المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، حيث ترددت هتافات"الموت لأمريكا والموت لإسرائيل''، كما برزت لافتات صريحة تدعو إلى "قتل" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
وكان رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إلى "تعبئة شعبية شاملة"، معتبراً أن المشاركة الواسعة تمثل "رداً على مقتله"، ومؤكداً أن "نداء الأمة للثأر يجب أن يتردد صداه في العالم".
قال أحد المشاركين خلال المراسم التي أعلن التلفزيون الرسمي انطلاقها قرابة الساعة السادسة صباحاً (2:30 ت غ): "نحن لسنا هنا من أجل التشييع، بل من أجل الانتقام"، وفق ما نقلته "فرانس برس".
كما قال الطالب حميد رضا شباني (18 عاماً) للوكالة: "علينا أن ننهض، وبإذن الله سننتقم لدماء قائدنا"، فيما قال جواد أكبري (43 عاماً)، وهو موظف في مصنع للمواد الغذائية: "لم تُتح لي فرصة رؤية المرشد عن قرب، وهذا يحزنني. اليوم جئت من أجل الوداع الأخير".
ووُضع نعش خامنئي وأفراد من عائلته الذين قُتلوا معه في الضربة التي استهدفت مقر إقامته في اليوم الأول من الحرب، على منصة مرتفعة في الباحة الخارجية للمصلّى. واتخذت المنصة شكلاً مشابهاً لتلك التي كان يظهر منها المرشد في المناسبات الرسمية داخل حسينية الإمام الخميني.
وطغت التلاوات القرآنية والأناشيد الدينية والوطنية على أجواء المراسم، فيما جلس العديد من المشاركين على الأرض، وتزامن ذلك مع قيام بعضهم بلطم الصدور تعبيراً عن الحزن.
وقال رضا (37 عاماً)، وهو أستاذ جامعي: "جئت لوداع خامنئي الذي توفي وهو في السادسة والثمانين من عمره، لأننا وعدنا المرشد الأعلى بالبقاء معه حتى النهاية".
في ظل ارتفاع درجات الحرارة التي يُتوقع أن تتجاوز 35 مئوية، وفّرت السلطات وسائل تبريد ورش رذاذ المياه على الحشود.
وتحولت منطقة وسط طهران إلى ما يشبه "ثكنة عسكرية"، حيث أُغلقت الطرق المؤدية إلى المصلّى ضمن نطاق يصل إلى نحو كيلومترين، باستخدام حواجز خرسانية وعناصر أمنية وسيارات شرطة.
وأعلنت السلطات أنها تتوقع مشاركة ما بين 15 إلى 20 مليون شخص في مراسم طهران وحدها، في واحدة من أوسع الجنازات في تاريخ البلاد الحديث، والممتدة على مدى ستة أيام تشمل أيضاً محطات في العراق قبل دفن الجثمان في مدينة مشهد شمال شرق إيران.
ومن المقرر أن يبقى الجثمان في المصلّى حتى الاثنين، حيث يُنقل في موكب جنائزي يجوب شوارع العاصمة، قبل أن يتوجه إلى مدينة قم جنوب طهران، ثم إلى العراق لزيارة العتبتين العلوية والحسينية في الثامن من تموز/يوليو.
وتأتي هذه المراسم بعد نحو أسبوعين من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، تمهيداً لمفاوضات حول اتفاق نهائي بين الطرفين.
وتُعد هذه الجنازة، وفق توصيف رسمي، الأضخم في إيران منذ تشييع الإمام الخميني عام 1989، في وقت تواجه فيه الجمهورية الإسلامية مرحلة تسعى من خلالها لإظهار تماسكها الداخلي وصلابة قاعدتها الشعبية، بعد سلسلة من التحديات الأمنية والسياسية خلال السنوات الأخيرة، بينها الحرب مع إسرائيل عام 2025، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية اللاحقة، إضافة إلى احتجاجات داخلية مطلع 2026.
وتولى خامنئي منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية بعد مسيرة سياسية طويلة، كان خلالها من أبرز وجوه الثورة الإسلامية ورئيساً للجمهورية خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية. وشغل منصب المرشد الأعلى بصفته ثاني من يتولاه منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، واستمر في موقعه لأكثر من ثلاثة عقود، جامعاً بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية في الدولة.
وعُرف خامنئي بقلة أسفاره الخارجية وباعتماده نمط حياة وُصف بالمتقشف، إذ أقام لسنوات في مجمع سكني وسط طهران برفقة زوجته، كما ارتبط اسمه باهتمامه بالبستنة والشعر، إلى جانب دوره السياسي والديني البارز في الحياة العامة الإيرانية.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة