بدأت القصة برحلة صيد في صحراء مفتوحة بين كربلاء والنجف، جنوبي العراق. لكنها انتهت، بحسب إفادات ومصادر أمنية عراقية، بكشف موقع لقوة أجنبية لم تكن الاستخبارات العراقية ولا أنظمة المراقبة الجوية قد رصدتها.
ولاحقا، خلصت تقارير استخباراتية عراقية إلى أن تلك القوة كانت إسرائيلية، وأنها نفذت عملية عسكرية محدودة في واحدة من أكثر المناطق الصحراوية انكشافا وصعوبة في المراقبة.
في الثالث من مارس 2026، خرج شاب عراقي يبلغ من العمر 25 عاما، يدعى “ثاني”، مع شقيقه إلى صحراء شنانة، جنوبي قضاء النخيب، لصيد الأرانب البرية. كانت الرحلة عادية في بدايتها، كما قال لاحقا للجهات الأمنية، قبل أن يلاحظ الشقيقان طائرة مسيّرة تحلق على ارتفاع منخفض فوق منطقة صحراوية واسعة لا تخضع لرقابة دائمة.
اطلعت “الحرة” على جزء من إفادة الشاب، وتحدثت إلى مصادر أمنية وعسكرية واستخباراتية عراقية قالت إن شهادته فتحت مسارا جديدا في التحقيق بشأن ما جرى في تلك المنطقة خلال الأيام الأولى من مارس.
وكانت روايات أولية قد تحدثت عن أن راعيا هو من اكتشف وجود القوة. لكن المعلومات الجديدة التي حصلت عليها “الحرة” تشير إلى أن أول بلاغ أمني جاء من الشاب وشقيقه، بعد رحلة الصيد.
وبحسب إفادة “ثاني”، ظلت الطائرة المسيّرة تلاحقهما لفترة داخل الصحراء. ووصف مسؤول في وكالة الاستخبارات العراقية تلك المنطقة بأنها “مفتوحة أمنيا”، وتستخدم أحيانا كممرات غير رسمية.
وقال المسؤول لـ”الحرة” إن المنطقة شهدت خلال السنوات القليلة الماضية “نشاطات جوية غير معلنة بشكل واضح”، بسبب طبيعة المنطقة واتساعها وارتباطها بطرق تهريب قديمة.
ومع توغلهما في الصحراء لملاحقة الأرانب، اقترب الشقيقان من موقع ظهرت فيه مركبة مكشوفة قادمة نحوهما. وقال “ثاني” في إفادته إن عددا من المسلحين ترجلوا من المركبة، وكانوا يرتدون زيا عسكريا، وإن أحدهم تحدث إليهما بلهجة عربية غير عراقية، قبل أن يستجوبهما عن سبب وجودهما في المكان.
وتشير الإفادات التي حصلت عليها الأجهزة الأمنية إلى أن الحديث كان سريعا ومباشرا. طلب المسلحون من الشقيقين مغادرة المنطقة فورا، وحذروهما من العودة إليها أو الاقتراب منها مرة أخرى.
نفذ الشابان ما طُلب منهما وغادرا المكان. وقال مصدر استخباراتي لـ”الحرة” إن طبيعة التحرك الذي وصفه الشاب “غير نمطي مقارنة بالدوريات العراقية المعروفة في المنطقة”.
وفي إفادته اللاحقة، قال “ثاني” إنه شاهد من مسافة قريبة طائرات، رجح أنها طائرات نقل عسكرية.
بعد عودتهما من الصحراء، توجه الشقيقان إلى نقطة أمنية قريبة وقدما بلاغا رسميا بما شاهداه. وبحسب المصادر، سُجلت الإفادة ورُفعت إلى الجهات المختصة ضمن الإجراءات المتبعة عند ورود معلومات عن نشاط غير مألوف في المناطق الصحراوية.
لكن القوات الأمنية العراقية لم تتحرك فورا.
بعد يومين، أي في الخامس من مارس، توجهت قوة أمنية عراقية إلى الموقع المشار إليه للتحقق من البلاغ. وعند اقترابها من نطاق محدد داخل الصحراء، تعرضت لإطلاق نار مباشر، ما أدى إلى اشتباك محدود قبل أن تعيد القوة تموضعها وتنسحب من المنطقة.
قُتل جندي عراقي وأصيب آخرون في ذلك الاشتباك.
وقال مصدر في الجيش العراقي لـ”الحرة” إن الطرف المقابل كان يتحرك داخل بيئة صحراوية مفتوحة “بطريقة توحي بمعرفة مسبقة بالتضاريس”، مضيفا أن هوية الجهة التي أطلقت النار لم تكن قابلة للتحديد في لحظة الاشتباك.
في ذلك الوقت، حاولت السلطات العراقية التقليل من شأن ما جرى أو نفي بعض تفاصيله، لكن المعلومات انتشرت سريعا، وتحدث سياسيون عراقيون عن الحدث الغريب وغير المسبوق.
وفي السادس من مارس، بعد يوم واحد من الاشتباك، أبلغت عائلة في قضاء النخيب عن مقتل شاب يدعى عواد هادي، يبلغ من العمر 27 عاما، في منطقة قريبة من الموقع الذي قال “ثاني” إنه شاهد فيه القوة المسلحة.
كان عواد راعيا يعيش ويتنقل في الصحراء. وقالت ثلاثة مصادر أمنية اتحادية ومحلية تحدثت إلى “الحرة” إنها ترجح أنه قُتل بنيران القوة الإسرائيلية التي كانت موجودة في المنطقة.
وبحسب بلاغ رسمي قُدم إلى الشرطة المحلية، كان الشاب يقود مركبة مدنية عندما تعرض لإطلاق نار أدى إلى مقتله، فيما احترقت المركبة بالكامل.
وقال ضابط في الجيش العراقي متمركز في صحراء النجف لـ”الحرة” إن المعطيات المتوفرة لديه تدعم ترجيح المصادر الأمنية الثلاثة بأن عواد قُتل على يد القوة الإسرائيلية التي كانت تتحرك في المنطقة.
عقب الحادثة، أصدرت خلية الإعلام الأمني العراقية بيانا مقتضبا قالت فيه إن قوة من قيادة عمليات كربلاء تعرضت، أثناء تنفيذ “واجب تفتيش” في المنطقة الصحراوية الرابطة بين محافظتي كربلاء والنجف، إلى “قصف جوي وإطلاق نار”، ما أدى إلى مقتل أحد عناصرها.
ولم يحدد البيان الجهة التي نفذت القصف أو أطلقت النار.
لكنّ مسؤولين أمنيين عراقيين تحدثوا سابقا لـ”الحرة” قالوا إن المعطيات التي جمعتها الأجهزة العراقية تشير إلى وجود قوة إسرائيلية في تلك المنطقة خلال تلك الفترة. وتضيف إفادة الشاب “ثاني” وتفاصيل البلاغ اللاحق خيطا جديدا إلى الرواية التي ظلت، حتى الآن، محاطة بالكتمان والتضارب.
وفي مقابلة حديثة مع “الحرة”، قال مستشار الأمن القومي العراقي ، قاسم الأعرجي، إن “الأجواء العراقية مستباحة”، في إشارة إلى عجز بغداد عن ضبط جميع التحركات الجوية فوق أراضيها، خصوصا في المناطق الصحراوية المفتوحة.
منذ هزيمة تنظيم داعش عام 2017، تحولت أجزاء واسعة من الصحراء الغربية إلى ما وصفه ضابط عراقي سابق تحدث لـ”الحرة” بـ”المناطق الرمادية”. فهي مناطق واسعة وقليلة السكان، تتداخل فيها طرق التهريب القديمة مع مسارات غير رسمية، وتبقى مراقبتها صعبة حتى في الظروف العادية.
ومع حرب الأربعين يوما بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ازدادت أهمية هذه المناطق في الحسابات الاستخباراتية. فالصحراء الواقعة بين الأنبار وكربلاء والنجف يمكن أن تتحول، وفق مسؤولين أمنيين، إلى ممرات عبور أو نقاط نشاط غير معلنة لقوى إقليمية أو أجنبية.
وفي ذلك الوقت، قال النائب عن محافظة كربلاء، زهير الفتلاوي، إن قوة عسكرية نفذت “عملية إنزال جوي خاطفة” في منطقة تبعد نحو 40 كيلومترا عن ناحية النخيب، مرجحا أنها دخلت من الحدود السورية، واستخدمت ما بين أربع وسبع مروحيات، بالتزامن مع انتشار عجلات “همر” في الموقع.
ورجح المصدر الاستخباراتي الذي تحدثت إليه “الحرة” أن تكون القوة قد انسحبت بعد أقل من 48 ساعة على مقتل عواد هادي. وقال إن القوات الأمنية العراقية عاودت استطلاع المكان بعد نحو أسبوعين، لكنها لم تعثر على أي أثر واضح للقوة التي أبلغ عنها الشابان.
وقال مصدر أمني آخر لـ”الحرة” إن “المعلومات شبه المؤكدة تفيد بأنها قوة إسرائيلية”، مضيفا أن “القوة نصبت رادارات تشويش واستمكان تلاحق الطائرات المسيرة والصواريخ التي تُطلق من العراق وإيران”.
وكانت “الحرة” أول من كشف جوانب من القصة في وقت سابق. ورفضت مصادر في الجيش الإسرائيلي حينها التعليق على طلب أرسلته “الحرة” بشأن ما إذا كانت إسرائيل نفذت عمليات خاصة في المنطقة.
وبينما تداولت وسائل إعلام، لاحقا، تقارير عن نصب القوات الإسرائيلية قاعدة أو قاعدتين في صحراء العراق، قال مسؤول عراقي إن ما نُصب في المنطقة كان “رادارات تشويش واستمكان.
المصدر:
الحرة