لم يقتصر صخب الحرب في إيران خلال شهري مارس وأبريل الماضيين على أصوات الغارات ودوي الانفجارات، بل شمل احتدام الصراع الداخلي بين الحرس الثوري والجيش الإيراني.
يعود تاريخ الصراع بين الحرس الثوري والجيش الإيراني إلى مايو 1979، عندما قرر روح الله الخميني بعد سيطرته على الحكم في إيران، تأسيس جيش موازٍ للجيش الإيراني لحماية النظام الجديد آنذاك من أي محاولة انقلابية قد يقدم عليها الجيش المتهم بولائه لنظام الشاه السابق، على الرغم من أن نظام خميني أجرى تصفية سريعة لقادة الجيش الكبار والضباط، لكن التشكيك بمن تبقى من الجيش ظل قائما طيلة العقود الماضية.
على مدى أكثر 47 عاما الماضية سيطر الحرس الثوري تباعا ووفق خطة متقنة على المناصب القيادية العليا في الجيش الإيراني، لتجنب أي محاولة للانقلاب على النظام. لكن السيطرة على قمة الهرم العسكري لم تحد من استمرار الصراع بين الرتب الدنيا والجنود في هاتين القوتين، مع استمرار تنامي نفوذ الحرس وسيطرته الكاملة على الاقتصاد والسياسة والأمن داخل إيران وإشرافه على تعزيز النفوذ الإيراني في الخارج.
وبعد محاولات عديدة وعبر وسطاء محليين من المعارضة الإيرانية، تمكنت “الحرة” من التواصل مع ثلاثة ضباط أكراد سابقين في الجيش الإيراني، أحدهم عميد متقاعد، إضافة إلى ناشطين مختصين برصد الصراع داخل اركان النظام الإيراني، جميعهم يقيمون داخل إيران ولديهم علاقات مع ضباط حاليين في الجيش.
ويشير هؤلاء إلى أن الصراعات بين الجيش والحرس الثوري تصاعدت خلال حرب الأربعين يوما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
ووفق هذه المصادر، شهدت طهران وتبريز وأصفهان وكرمانشاه ومريوان والأحواز اشتباكات مسلحة بين الحرس الثوري والجيش الإيراني خلال الحرب، أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى من الجانبين.
وتشير ذات المصادر الى أن الاشتباكات نشبت إثر طرد الحرس الثوري لضباط وعناصر من الجيش الإيراني من القواعد المشتركة بين الجانبين بعد اتهامهم بالخيانة ونقل معلومات عن القواعد الصاروخية والطائرات المسيرة لإسرائيل وأميركا.
وتضيف المصادر أن استخبارات الحرس اعتقلت عشرات من ضباط وجنود الجيش بعد احتواء الاصطدامات بين الجانبين ولم تفرج عنهم حتى الآن.
وتؤكد المصادر أن العديد من ضباط الجيش الإيراني يرفضون تنفيذ أوامر وخطط الحرس الثوري العسكرية داخل المدن الإيرانية ويرفضون الامتثال لقرارات الحرس وتدخلاته في شؤون الجيش، ويعتبرونها خططا فاشلة عسكريا، إلى جانب انشار حالة الغضب لدى كثير من الرتب الدنيا في الجيش بسبب التهميش الذي يمارسه الحرس الثوري وقادته ضدهم.
يشير الناشط السياسي الكردي الإيراني، آسو قادري، المقيم في أوروبا، الى أن السبب الرئيسي للتوتر بين الحرس الثوري والجيش ليس نزاعا حول الإصلاح أو التغيير في البنية السياسية أو الأمنية الإيرانية، بل هو تنافس على السلطة والنفوذ.
“نظريا، يُعتبر مجتبى خامنئي زعيما للجمهورية الإسلامية، لكنه عمليا لم يضطلع بالدور الحاسم نفسه الذي اضطلع به والده. وقد أدى ذلك إلى انتقال السلطة إلى شبكة أمنية وعسكرية تتنافس فيها دوائر نفوذ مختلفة وتتعاون في الوقت نفسه. في غضون ذلك، يسعى الحرس الثوري إلى تعزيز سيطرته على كافة مفاصل الدولة،” يقول قادري لـ”الحرة”.
ويلفت مراقبون ومختصون في الشأن الإيراني، تحدثوا لـ”الحرة”، إلى أن الصراعات بين أركان نظام ولي الفقيه الحاكم في إيران، وخاصة بين الحرس الثوري والجيش الإيراني وبين الاستخبارات الإيرانية الحكومية واستخبارات الحرس الثوري، تعمق وارتفعت وتيرتها منذ مقتل المرشد الإيراني السابق علي الخامنئي في 28 فبراير الماضي، إثر غارة أميركية إسرائيلية استهدفته مقر إقامته في العاصمة الإيرانية طهران.
ويرى أمين سر الجبهة العربية لتحرير الأحواز، فؤاد ابو رسالة، أن الصراع بين الجيش والحرس الثوري بدأ منذ اللحظة التي أعدم فيها الخميني ونظام ولي الفقيه كبار قادة وضباط الجيش من رتبة رائد فما فوق بعد سيطرته على الحكم في إيران قبل أكثر من 47 عاما، ولن ينتهي هذا الصراع إلا بسقوط النظام.
“الفجوة بين الحرس الثوري والجيش الإيراني أصبحت أكثر عمقا في ظل غياب مرشد النظام مجتبى خامنئي، الجيش الإيراني يبحث عن فرصة لتخلص من الحرس الثوري أو بالأحرى الانتقام منه وتعويض حالة التهميش التي يعيشها منذ نحو 5 عقود، لذلك سنشهد المزيد من التحركات المناهضة للحرس ومن ضمنها عمليات عسكرية خاصة، يقدم عليها ضباط الجيش الإيراني خلال الفترة المقبلة، مستغلين حالة الفوضى وتراجع قوة الحرس” يوضح أبو رسالة لـ”الحرة”.
ويشدد أبو رسالة على أن الإيرانيين بشكل عام، وخاصة الشعوب غير الفارسية، تكره الحرس الثوري وأذرعه الداخلية والخارجية وتعتبره قوة إرهابية قمعية، بينما الجيش مازال يمتلك شيئا من المقبولية شعبيا.
ولا توجد إحصائيات رسمية إيرانية عن أعداد القوات المسلحة في البلاد، لكن “الحرة” تمكنت من الحصول على إحصائيات غير رسمية من معارضين إيرانيين عن أعداد القوات المسلحة الإيرانية التي أظهرت تفوق الجيش الإيراني من ناحية العدد على الحرس الثوري، وهو المجال الوحيد الذي يتفوق فيه الجيش على الحرس، ويبلغ عدد أفراد الجيش قرابة مليون عنصر، 700 ألف منهم يشكلون القوة الفعلية، و300 ألف عنصر احتياط. وهم موزعون على القوات البرية والبحرية والجوية، بينما يبلغ تعداد الحرس نحو 500 ألف عنصر موزعين على القوات البرية والبحرية والقوة الجوفضائية وفيلق القدس واستخبارات الحرس.
وترتبط قوة التعبئة الشعبية “الباسيج” هي الأخرى بالحرس الثوري وتشرف على إدارة الشأن الأمني الداخلي، واستخدمها الحرس الثوري خلال الثمانينيات في الحرب الإيرانية العراقية، وتبين الإحصائيات أن عدد عناصر قواتها الفعلية تصل إلى نحو 300 ألف عنصر، وقوات احتياط من المتطوعين تصل إلى أكثر من مليوني متطوع.
تعتبر ترسانة سلاح الحرس الثوري أكثر تطورا وأكبر من ترسانة الجيش الإيراني، فالحرس يتحكم بشكل مباشر ببرامج الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة وصناعات الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية إلى جانب البرنامج النووي، أما الجيش الإيراني فترسانته قديمة ومنهكة، ولم يشهد تطويرا وتحديثا منذ الحرب الإيرانية العراقية.
ومن الناحية الاقتصادية يمتلك الحرس الثوري مقر “خاتم الأنبياء”، وهو الذراع الاقتصادي للحرس، ويسيطر من خلاله على الاقتصاد الإيراني بالكامل، وتخضع له كافة المجالات الاقتصادية في البلاد، إلى جانب تحكمه بالتجارة الخارجية وعمليات الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران. ويوفر هذا للحرس ميزانية مالية مفتوحة يستخدمها في تحديث برامجه التسليحية وتنفيذ عمليات عسكرية خارجية وداخلية أكبر من الجيش.
وتعتبر الباحثة المختصة في شؤون الجماعات المتطرفة، لامار أركندي، اتساع الهوة بين الحرس الثوري الإيراني والجيش أمر بالغ الخطورة على بنية النظام الأمنية.
“هذا تطور خطير جدا سيتمخض عنه صراع على السيطرة بين قيادات الحرس الثوري الإيراني والجيش، بالتالي سيلجأ الحرس لتدابير أمنية جديدة في المدن الإيرانية، كمحاولة سريعة لاحتواء الوضع قبل أن يتوسع ويؤدي إلى اضطرابات داخلية واصطدامات بين الأجهزة الأمنية المرتبطة بالجانبين، ويؤدي الى ضعف مركز القرار الخاضع للحرس وسحب البساط من تحت قدميه”، تبين أركندي لـ”الحرة”.
وتؤكد أركندي على أن الانشقاقات الأمنية سواء داخل الحرس الثوري أو بين الحرس والجيش، تعني انتقال إيران من حالة التوتر إلى حالة اهتزاز في بنية النظام الأمنية، وهو مستوى أخطر بكثير من مجرد ضغط أو خلاف داخلي.
المصدر:
الحرة