في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتحرك الصين على إيقاع توازنات دقيقة عشية الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين، في لحظة تتقاطع فيها الحرب والتفاوض وأمن الطاقة، بينما يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمصالح الصينية والأمريكية على حد سواء.
وفي فقرة "سياق الحدث"، حاولت النافذة التحليلية تفكيك شبكة المصالح التي تحكم الموقف الصيني، حيث تسعى بكين إلى التوازن بين شراكتها مع إيران، وتنافسها مع الولايات المتحدة، ومصالحها الاقتصادية مع إسرائيل.
وقبل أيام، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الصين "لا تتحدى الولايات المتحدة" في الملف الإيراني، واصفا الرئيس الصيني شي جين بينغ بأنه "محترم جدا" في تعامله مع أزمة الشرق الأوسط، في إشارة فسّرها مراقبون بأنها تمهيد لتفاهمات محتملة خلال القمة المرتقبة بين الجانبين.
وفي المقابل، أظهرت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين حجم الرهان الإيراني على الصين، بعدما وصفها بأنها "صديق مخلص"، مؤكدا أن التعاون بين البلدين سيكون "أقوى من أي وقت مضى" في ظل الظروف الراهنة.
أما بكين، فحرصت على تقديم نفسها بوصفها طرفا داعما للتهدئة، إذ شدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، عقب لقائه عراقجي، على أن وقفا شاملا لإطلاق النار "أمر ملح"، معتبرا أن استئناف الأعمال العدائية "غير مقبول"، ومؤكدا ضرورة العودة إلى الحوار والمفاوضات.
ويأتي الموقف الصيني امتدادا لمبادرة طرحها الرئيس شي جين بينغ في أبريل/نيسان الماضي، تقوم على احترام السيادة الوطنية والالتزام بالقانون الدولي وتحقيق توازن بين التنمية والأمن في الخليج والشرق الأوسط، في محاولة لتقديم الصين باعتبارها قوة استقرار دولية.
في المقابل، لا تبدو إسرائيل مرتاحة للدور الصيني المتنامي، فقد اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بكين بتقديم "دعم ومكونات تقنية" لتصنيع الصواريخ الإيرانية، مؤكدا أن إسرائيل تراقب التحركات الصينية عن كثب، رغم التزامها الصمت في بعض الملفات الحساسة.
وتبرز أهمية مضيق هرمز في قلب الحسابات الصينية، باعتباره ممرا حيويا للطاقة والتجارة، وخلال الفقرة، أوضحت سلام خضر على الجزيرة أن الصين تستورد عبر المضيق نحو 80% من احتياجاتها المتعلقة بالطاقة، بينما تمر عبره قرابة 60% من تجارتها البحرية، وفق بيانات نقلتها عن وكالة بلومبيرغ.
وأضافت سلام أن الصين تستورد يوميا عبر المضيق نحو 5.4 ملايين برميل نفط من إيران ودول الخليج، لافتة إلى أن 50% من واردات النفط الصينية و30% من واردات الغاز المسال تمر عبر هرمز، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة تهديدا مباشرا للاقتصاد الصيني.
كما ترتبط بكين بشراكات اقتصادية متنامية مع دول الخليج، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين عام 2024 نحو 257 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى 375 مليار دولار بحلول 2030، بحسب بيانات وكالة شينخوا الصينية.
وفي ظل هذه المعطيات، بدأت الصين البحث عن بدائل جزئية لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، عبر تعزيز التعاون مع روسيا وتركمانستان في مجال الطاقة، رغم استمرار العقوبات الأمريكية على النفط الروسي، وتعقيدات البنية اللوجستية للبدائل المطروحة.
من جانبه، قال الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري إن الصين تمتلك موقعا فريدا في الأزمة الحالية، بحكم علاقاتها المتوازنة نسبيا مع مختلف الأطراف، معتبرا أن بكين قادرة على لعب دور دبلوماسي مؤثر دون الظهور كحليف مباشر لواشنطن.
وأوضح الزويري أن حجم العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، الذي يقدّر بنحو 600 مليار دولار، يمنح بكين هامشا واسعا للمساومة، خصوصا في ظل الملفات الحساسة المرتبطة بتايوان والتجارة والتكنولوجيا والمعادن النادرة.
وأشار إلى أن الصين قد تستخدم ملف التعاون في مضيق هرمز كورقة تفاوضية مع واشنطن، خاصة بعد صفقة الأسلحة الأخيرة بين الولايات المتحدة وتايوان، والتي اعتبرها الزويري نقطة ضغط رئيسية يمكن لبكين استثمارها خلال المفاوضات المقبلة.
وفي ما يتعلق بطهران، رأى الزويري أن الصين تمتلك أدوات تأثير مهمة، أبرزها اعتماد إيران اقتصاديا على السوق الصينية، إضافة إلى كون بكين المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، فضلا عن التقارب السياسي والثقافي الذي يجعل النموذج الصيني أقل إثارة للحساسية الإيرانية مقارنة بالنموذج الغربي.
ورسمت الفقرة التحليلية 4 سيناريوهات محتملة للدور الصيني، يبدأ أولها بتأثير حاسم تقنع فيه بكين طهران بفتح مضيق هرمز والعودة إلى التفاوض، مقابل تفاهمات أوسع مع واشنطن تشمل ملفات التجارة وتايوان والأمن الإقليمي.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على دور صيني محدود يركز على التهدئة ووقف إطلاق النار دون فرض تسوية شاملة، بينما يفترض السيناريو الثالث عجز الصين عن تغيير المعادلة إذا تمسكت واشنطن وطهران بخطوطهما الحمراء المتعلقة بالملف النووي والسيادة.
ويبقى السيناريو الرابع قائما على اكتفاء بكين بحماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، من دون الانخراط في ضغوط مباشرة على أي طرف، وهو خيار قد تفضله الصين إذا رأت أن كلفة التدخل السياسي تتجاوز المكاسب المحتملة.
ويرى الزويري أنه في حال فشلت الصين في لعب دور مؤثر، قد يندفع العالم نحو مزيد من الفوضى وغياب المرجعية الدولية، معتبرا أن الأزمة الحالية تمثل فرصة تاريخية لبكين لتقديم نفسها كقوة قادرة على حل واحدة من أخطر أزمات القرن الحادي والعشرين.
المصدر:
الجزيرة