آخر الأخبار

البحر والأرض والذهب.. لماذا تدعم إثيوبيا حميدتي والدعم السريع؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في يوم من أيام مايو/ أيار 1991، أقلعت طائرة مروحية صغيرة من الخرطوم وعلى متنها ميليس زيناوي في طريقه إلى أديس أبابا لتسلم السلطة في بلده إثيوبيا بعد سنوات من "التمرد المسلح" ضد الحكومة الشيوعية بقيادة مانغستو هايلي ماريام. إلى جواره جلس قائد الطائرة، الفاتح عروة، ضابط الاستخبارات ومستشار الأمن القومي السوداني الأسبق، مرتديا زيا ميدانيا.

لم تكن الرحلة آمنة تماما؛ إذ تعطل أحد محركي الطائرة لعطل قرب مدينة الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق السودانية، قبل أن يعود إلى العمل، لكن الرحلة تواصلت رغم المخاطرة. حلقت الطائرة فوق الهضبة الإثيوبية، ومع الاقتراب من أديس أبابا، جرى الهبوط بشكل حلزوني حذر في ظل غياب ضمانات تأمين المطار. وبعد الوصول، أهدى زيناوي لعروة حزامه ومسدسه الشخصي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 السؤال الصعب حول "هانتا".. هل هو أخطر من كورونا؟
* list 2 of 2 كيف أصبحت "لاند كروزر" السيارة المفضلة للحروب؟ end of list

تكشف لنا هذه الرواية، التي حكاها عروة في بودكاست "حكايات أفريقية" على منصة "أثير"، عن نمط حكم العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا لسنوات طويلة، حيث تداخلت الأدوار عبر الحدود، مع قدرة كل طرف على التأثير في مسار السلطة لدى الطرف الآخر. ويشير عروة إلى أن إثيوبيا كانت حاضرة دوما في "عقل النظام السوداني" بوصفها مسرح العمليات الرئيسي المحتمل، بحكم طول الحدود والتداخل القبلي بين البلدين، ما دفع الخرطوم إلى بناء اهتمام إستراتيجي خاص بها.

مصدر الصورة الفاتح عروة مستشار الأمن القومي السوداني السابق (الجزيرة)

في هذا السياق، نسج عروة علاقات وثيقة مع زيناوي، قائد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي آنذاك، إلى جانب الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة أسياس أفورقي، في مواجهة نظام منغستو الذي حكم إثيوبيا منذ سقوط النظام الملكي عام 1974 وحتى مطلع التسعينيات، وكان يُنظر إليه في الخرطوم بوصفه "خصما" نظرا لدعمه الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، التي قادت "التمرد" في الجنوب السوداني.

"كان الرهان السوداني واضحا: استقرار جنوب السودان يبدأ من إزاحة نظام منغستو"

كان الرهان واضحا: استقرار جنوب السودان يبدأ من إزاحة منغستو. ومن هنا تشكل تحالف وثيق شمل تخطيطا مشتركا ودعما لوجستيا مباشرا. وتجلى ذلك في لحظة سقوط النظام الإثيوبي عام 1991، حين سارعت الخرطوم إلى استقبال زيناوي بوصفه رئيسا فعليا، قبل انتقاله إلى أديس أبابا لتولي السلطة. وفي ذلك المشهد، كان آبي أحمد، الذي سيقود إثيوبيا لاحقا، عنصرا شابا داخل أحد فصائل الجبهة الموسعة التي أطاحت بالنظام الشيوعي.

إعلان

بعد أكثر من 3 عقود، تبدو المفارقة لافتة. فالسودان الذي ساهم بشكل أو بآخر في صعود نظام جديد في أديس أبابا، يجد نفسه اليوم في قلب حرب مفتوحة، تتزايد فيها المؤشرات على أن إثيوبيا بقيادة آبي أحمد، الذي نشأ داخل حواضن حركة زيناوي، لم تعد تكتفي بدور الوسيط، بل تتحرك بثبات نحو موقع الفاعل المباشر في السودان، ساعية إلى إعادة تغيير الجغرافيا المحيطة بها، سعيا إلى حلم بعيد الأمد هو الوصول إلى البحر الأحمر.

مصدر الصورة الرئيس السوداني السابق عمر البشير (يمين) يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي لدى وصوله إلى الخرطوم في 29 يونيو/حزيران 2000 (غيتي)

أشباح على ضفاف النيل الأزرق

في مستهل العام الرابع من حرب السودان، عادت منطقة النيل الأزرق، التي كانت يوما ممرا في رحلة صعود زيناوي إلى الحكم، تشتعل من جديد، معلنة فتح جبهة ميدانية أخرى في الصراع السوداني. ففي تحول لافت أواخر مارس/آذار الماضي، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على بلدة الكرمك بمشاركة الحلفاء في الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال (جناح عبد العزيز الحلو)، وذلك بعد "معارك شرسة" ضد الجيش.

وتكتسب الكرمك أهميتها من موقعها الجغرافي الحساس، إذ تقع على بعد نحو 136 كيلومترا من الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، وعلى مقربة من الحدود الإثيوبية. ولذا هي تمثل حلقة وصل بين السودان وكل من إثيوبيا وجنوب السودان، وتقع البلدة في منطقة مرتفعة نسبيا، ما يمنح المسيطر عليها أفضلية ميدانية، إلى جانب قدرتها على التحكم في طرق حيوية تربط بين ولايتي النيل الأزرق وسنار. لا عجب إذن أن الجيش السوداني يكرس جهودا كبيرة لاستعادة المدينة بدأت بالسيطرة مؤخرا على منطقة الكيلي، وهي منطقة استراتيجية تقع على تخوم الكرمك، بعد معارك مع قوات الدعم السريع والحركة الشعبية.

"تمثل الكرمك حلقة وصل بين السودان وكل من إثيوبيا وجنوب السودان، وتقع البلدة في منطقة مرتفعة نسبيا، ما يمنح المسيطر عليها أفضلية ميدانية"

وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظلت المنطقة محور اهتمام عسكري، إذ شهدت معارك سابقة بين الجيش السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في تسعينيات القرن الماضي. كما أنها تمثل حزاما أمنيا مباشرا لمرافق حيوية، في مقدمتها خزان الروصيرص، أحد أعمدة منظومتي المياه والكهرباء في السودان. وتزداد أهمية المنطقة مع ما تتمتع به من موارد طبيعية، خاصة المياه، فضلا عن كونها من أغنى مناطق السودان زراعيا، وتضم مساحات إنتاجية واسعة، وتحتوي النسبة الأكبر من غابات البلاد، ما يمنحها وزنا عسكريا واقتصاديا مضاعفا.

أثار سقوط الكرمك موجة من الغضب داخل قيادة الجيش السوداني، في ظل ربط متزايد بين هذا التقدم الميداني ودور محتمل لأديس أبابا في مسار الحرب. ووفقا لبيان صادر عن الجيش، فإن الهجمات على الكرمك انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، عبر تحركات لسيارات خرجت من مدينة أصوصا في إقليم بني شنقول-قمز، مرورا بمناطق حدودية تُستخدم كنقاط انطلاق، وصولا إلى داخل الأراضي السودانية. وفي السياق ذاته، شدد عبد العاطي الفقي، محافظ ولاية النيل الأزرق، على أن المقاتلين المشاركين في الهجوم "مدعومون من إثيوبيا"، واصفا ما جرى بـ"الغزو".

إعلان

لم تقتصر تداعيات القتال على البعد العسكري، بل أسفر كذلك عن موجة نزوح واسعة، حيث فر عدد من السكان إلى مدينة الدمازين، فيما لجأ آخرون إلى داخل الأراضي الإثيوبية، في مشهد يعكس تعقيد التداخل الحدودي بين البلدين. وعلى مدار الأسابيع التي سبقت السيطرة على الكرمك (وبعدها)، كانت العلاقة بين أديس أبابا والخرطوم تشهد توترا متصاعدا على خلفية اتهامات سودانية متكررة بدعم إثيوبي للدعم السريع، لا سيما في المناطق المتاخمة للنيل الأزرق.

"الهجمات على الكرمك انطلقت من داخل إثيوبيا، عبر سيارات خرجت من مدينة أصوصا في إقليم بني شنقول-قمز، نحو الأراضي السودانية"

مع مطلع مايو/ أيار الحالي، خرجت هذه الاتهامات إلى العلن، بعدما أعلنت وزارة الخارجية السودانية رسميا أن إثيوبيا تسمح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لمسيرات الدعم السريع، التي استهدفت مدنا وبلدات داخل السودان. وفي المقابل، جاء الموقف الإثيوبي مقتضبا، بين نفي دبلوماسي متكرر وصمت لافت إزاء تفاصيل الاتهامات، وهو ما زاد من الغموض المحيط بطبيعة الدور الذي تلعبه أديس أبابا في الصراع.

بصمات إثيوبية في أرض المعركة

ما كان يُتداول في الظل حول التورط الإثيوبي في حرب السودان، بدأ يجد طريقه إلى تقارير موثقة منذ فبراير/شباط الماضي، حين كشف تحقيق استقصائي نشرته وكالة رويترز عن وجود معسكر داخل الأراضي الإثيوبية يُستخدم في تدريب عناصر من قوات الدعم السريع، إلى جانب حلفائها من حركة الحلو، وعناصر أخرى من جنوب السودان، بل وأفراد إثيوبيين. ووفقا للتقرير، يقع المعسكر في إقليم بني شنقول-قمز، في منطقة أحراش تسمى "مينغي"، على بعد نحو 32 كيلومترا من الحدود السودانية، في نقطة تلتقي فيها إثيوبيا والسودان وجنوب السودان، ما يمنحه موقعا إستراتيجيا بالغ الحساسية.

وقد أشار التحقيق إلى أن المعسكر مصمم لاستيعاب نحو عشرة آلاف مقاتل، ينشط منهم بالفعل ما يزيد على أربعة آلاف عنصر، وأنه ممول من حلفاء الدعم السريع الإقليميين. واستند التحقيق إلى شهادات 15 مصدرا مطلعا، بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، إلى جانب وثائق أمنية وبرقيات دبلوماسية، وتحليل صور أقمار صناعية. وقد أظهرت هذه الصور نشاطا متزايدا في المنطقة منذ منتصف عام 2023، ما يعزز فرضية وجود دعم منظم وممتد زمنيا.

"أشارت رويترز إلى معسكر داخل الأراضي الإثيوبية يُستخدم في تدريب عناصر من قوات الدعم السريع، إلى جانب حلفائها من حركة الحلو"

كما رصد التقرير أعمال تطوير لافتة في مطار أصوصا القريب، على بعد نحو 53 كيلومترا من المعسكر، شملت إنشاء حظائر طائرات، ومناطق تشغيل ممهدة، وتجهيزات يُرجح استخدامها لدعم المسيرات، من بينها محطات تحكم أرضية وهوائيات اتصال بالأقمار الصناعية. ولا تنفصل هذه التطورات عن سياق أوسع، إذ نقل التقرير عن مسؤولين إثيوبيين أن الجيش يعمل على تحويل المطار إلى مركز عمليات للمسيرات ضمن شبكة قواعد في غرب البلاد، في إطار الاستعداد لما وُصف بـ "تهديدات محتملة" على الحدود مع السودان، وحماية منشآت إستراتيجية في مقدمتها سد النهضة.

في السياق ذاته، أثار قرب المعسكر من السد، على مسافة تُقدر بنحو 100 كيلومتر، مخاوف لدى عدد من المسؤولين والدبلوماسيين، الذين حذروا من احتمالات امتداد الصراع إلى هذه المنطقة الحساسة إن تصاعد القتال. ويعزز ما أوردته رويترز ما خلص إليه تحقيق لاحق لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، رصد نشاطا يتسق مع تقديم دعم عسكري مباشر للدعم السريع داخل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية في مدينة أصوصا بإقليم بني شنقول-قمز، في الفترة بين 29 ديسمبر/كانون الأول 2023 و29 مارس/آذار 2024.

ووفقا لمختبر ييل، لم يعد الأمر يقتصر على التدريب، بل يمتد إلى الدعم اللوجستي والعملياتي، حيث رُصد نشاط مكثف شمل وصول شاحنات ومركبات جرى تحويلها إلى منصات قتالية، إلى جانب بنية إمداد نشطة تضم خياما ومعدات وناقلات وقود في فترة زمنية قصيرة. مع ملاحظة تطابق هذه المركبات مع تلك التي ظهرت في معارك داخل السودان، لا سيما في جبهة النيل الأزرق، ومع الأخذ في الاعتبار القرب الجغرافي للقاعدة، التي تبعد نحو 100 كيلومتر فقط عن مناطق القتال.

إعلان

على المستوى الجوي، رُصد في مطار أصوصا وجود مروحيات من طراز "مي-17" (Mi-17)، وطائرات نقل عسكرية من طراز "سي-130" (C-130)، إلى جانب أعمال تطوير وتحصين في المطار. ويخلص التقرير إلى أن الهجمات التي يشنها الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق تنطلق من داخل الأراضي الإثيوبية، وأن الدعم يأتي من داخل منشأة عسكرية رسمية. وعلى هذا الأساس، خلصت التحقيقات الصحافية إلى أن منطقة عسكرية موسعة مزودة بمطار قد أقيمت على الأراضي الإثيوبية، وأنها تعمل كمنصة متقدمة لوجستية وعملياتية وتدريبية لصالح الدعم السريع وحلفائه.

"هناك منطقة عسكرية موسعة مزودة بمطار أقيمت على الأراضي الإثيوبية، وعملت كمنصة متقدمة لوجستية وعملياتية وتدريبية لصالح الدعم السريع"

وفي تطور إضافي كشفت حسابات التتبع والتحقق مفتوحة المصدر، إلى أن الإسناد الإثيوبي لقوات الدعم السريع امتد إلى بناء شبكة نقل وإمداد متعددة المسارات. ووفق هذه البيانات، تُستخدم المطارات الإثيوبية كنقاط انطلاق وتوزيع لوجستي للإمدادات المتجهة إلى الدعم السريع، سواء نحو الجبهة الجنوبية الشرقية عبر النيل الأزرق، أو باتجاه الجبهة الغربية مرورا بمطار نجامينا في تشاد.

تشير هذه المسارات إلى نمط متكرر لحركة جوية تنطلق من بلدان إقليمية داعمة لحميدتي إلى مطارات داخل إثيوبيا، أحيانا عبر نقاط وسيطة في كينيا أو جمهورية أفريقيا الوسطى، قبل أن يُعاد توجيهها نحو مسارح العمليات المختلفة داخل السودان. ولا يقتصر النشاط على المسارات الجوية، بل يشمل خطوط إمداد برية وبحرية، من بينها شحنات وصلت إلى ميناء بربرة في صوماليلاند قبل أن تُنقل برا إلى منطقة أصوصا، في دعم مباشر للجبهة الجنوبية.

وفي سياق متصل، أشار السياسي الإثيوبي الأورومي المعارض جوهر محمد إلى تورط الخطوط الجوية الإثيوبية في نقل عناصر من الدعم السريع عبر رحلات مدنية، وهي مزاعم عززتها مقاطع مصورة تداولها بعض المقاتلين ووثقتها منصات التحقق المفتوحة، ما يطرح تساؤلات حول استخدام طيران مدني في مهام ذات طابع عسكري.

"أشار السياسي الإثيوبي الأورومي المعارض جوهر محمد إلى تورط الخطوط الجوية الإثيوبية في نقل عناصر من الدعم السريع عبر رحلات مدنية"

في مجملها، وعند وضع هذه المؤشرات إلى جانب ما كشفته التقارير الاستقصائية، تتشكل صورة أوضح للدور الإثيوبي المحوري والمباشر في حرب السودان، بين التدريب والدعم اللوجستي والعملياتي وإدارة مسارات الإمداد، عبر شبكة متشعبة. ولا تقتصر أهمية هذه المؤشرات على كشف طبيعة الدعم الإثيوبي لحميدتي، بقدر ما تطرح سؤالا حول كيفية تحول إثيوبيا من وسيط سعى إلى إدارة التوازنات في السودان، إلى طرف منخرط في صراعه لصالح طرف واحد.

مصدر الصورة حسابات التتبع والتحقق مفتوحة المصدر أشارت إلى أن الإسناد الإثيوبي لقوات الدعم السريع امتد إلى بناء شبكة نقل وإمداد متعددة المسارات (الفرنسية)

آبي أحمد.. وسيط لم يدم طويلا

لم تكد تمضي أشهر قليلة على صعود آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا حتى اندلعت ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 في السودان، التي أنهت ثلاثة عقود من حكم البشير. في تلك اللحظة، بدا أن أديس أبابا تتبنى مقاربة مختلفة قائمة على تهدئة التوترات الإقليمية وإعادة بناء العلاقات مع دول الجوار.

فقد أنهى آبي أحمد قطيعة طويلة مع إريتريا، ونسج تقاربا مع الصومال ليدشن محورا إقليميا ثلاثيا ضم أديس أبابا وأسمرة ومقديشو. وفي هذا السياق، قدم رئيس الوزراء الإثيوبي الشاب نفسه وسيطا في الأزمة السودانية، حيث قادت إثيوبيا جهود الوساطة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير بصفتها ممثلا عن التيار المدني، بهدف ترتيب الحكم خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة.

"نجحت التحركات الإثيوبية في الدفع نحو توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس/آب 2019، لتصبح الإطار الحاكم للفترة الانتقالية في السودان"

نجحت التحركات الإثيوبية في الدفع نحو توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس/آب 2019، لتصبح الإطار الحاكم للفترة الانتقالية. وقد حضر آبي أحمد مراسم التوقيع بصفته ضامنا للانتقال السياسي، وحظي بحفاوة واسعة داخل الأوساط السودانية، عكستها شعارات رفعها بعض النشطاء والقوى السياسية، أشهرها "إثيوبيا أخت بلادي". ولم يكن هذا الشعار مجرد تعبير عاطفي عابر، بل حمل دلالة رمزية لافتة، إذ إنه يستدعي مطلع أغنية شهيرة للفنان السوداني الراحل عبد الكريم الكابلي كانت تقول "مصر يا أخت بلادي يا شقيقة"، التي ارتبطت تاريخيا بالعلاقة السودانية – المصرية. وبهذا المعنى، بدا الشعار وكأنه إعادة توجيه للرمزية السياسية نفسها، لكن هذه المرة نحو أديس أبابا.

إعلان

بعد ذلك بشهرين، تُوج هذا الحضور الإقليمي بحصول آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام، استنادا إلى دوره في إنهاء الصراع مع إريتريا، ودفع مسارات الانتقال السياسي في السودان، والانفتاح الداخلي في إثيوبيا. غير أن هذه الوساطة الإثيوبية في السودان لم تكن منفصلة عن حسابات إستراتيجية أوسع، إذ أسهمت في تشكيل موقف سوداني اتسم بقدر من الحياد في ملف سد النهضة، ما أتاح لإثيوبيا هامشا أكبر للمضي قدما في استكمال المشروع والمناورة في مسار التفاوض مع مصر.

مصدر الصورة آبي أحمد يتوسط الرئيس الصومالي السابق محمد عبد الله محمد (يمين) والرئيس الإريتري أسياس أفورقي عام 2018 (الفرنسية)

لاحقا مثل الخلاف حول إقليم الفشقة في ولاية القضارف نقطة التحول الحرجة في العلاقة بين أديس أبابا والخرطوم، منهيا ما بدا شهر عسل سياسي استمر نحو عامين. وتُعد الفشقة منطقة زراعية خصبة تُقدر مساحتها بنحو 1.2 مليون هكتار، وتستند الخرطوم في سيادتها عليها إلى اتفاقية 1902 الموقعة بين الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني والسلطات البريطانية، والتي تنص على تبعيتها للسودان، بينما ظلت أديس أبابا تطالب بشريط حدودي داخلها.

وعلى مدى عقود، تشكل وضع حدودي ملتبس، حيث استقر مزارعون إثيوبيون داخل المنطقة، وارتبط وجودهم بترتيبات غير رسمية سمحت لهم بالزراعة مقابل دفع ضرائب لإثيوبيا، في ظل غياب فعلي للقوات السودانية منذ منتصف التسعينيات، عقب توتر العلاقات بين البلدين على خلفية اتهامات إثيوبية لجهات سودانية بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.

"أنهى الخلاف حول إقليم الفشقة شهر عسل سياسي دام عامين بين الخرطوم وأديس أبابا"

غير أن هذا الوضع بدأ يتغير مع اندلاع الحرب في إقليم تيغراي عام 2020، حين انشغل الجيش الإثيوبي بجبهته الداخلية، ما أتاح للسودان إعادة الانتشار في الفشقة، معلنا استعادة "الأراضي المغتصبة". ومنذ ذلك الحين، تصاعدت الاشتباكات الحدودية بين الجانبين، فتحولت المنطقة إلى بؤرة توتر. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، طرحت الإمارات العربية المتحدة عام 2021 مبادرة استثمارية بقيمة 8 مليارات دولار، تقوم على مشروع زراعي مشترك وخط سكة حديد، كمدخل لتسوية النزاع، إلا أن المبادرة لم تر النور، وبقيت الفشقة نقطة اشتباك تثقل مسار العلاقة بين البلدين.

لاحقا، انشغل كل طرف بأزماته الداخلية، ما أعاد تشكيل توازنات العلاقة بينهما. ففي إثيوبيا، عكس آبي أحمد مساره الأولي القائم على التهدئة، وانخرط في حرب دامية في إقليم تيغراي، أسفرت عن نصف مليون قتيل وما يزيد على مليون نازح، واستمرت لعامين قبل أن تنتهي باتفاق هش في بريتوريا عام 2022. غير أن هذا الاتفاق لم ينه التوترات، إذ سرعان ما برزت خلافات مع حلفاء الأمس، لا سيما إقليم الأمهرة وإريتريا، إلى جانب استمرار التوتر مع القاهرة.

في المقابل، كان السودان غارقا في تجاذبات المرحلة الانتقالية بين المكونين المدني والعسكري، التي بلغت ذروتها بإطاحة المكون العسكري برئيس الوزراء المحسوب عبد الله حمدوك في أكتوبر/تشرين الأول 2021، قبل عودته المؤقتة ثم استقالته مطلع عام 2022. وفي ظل تصاعد الانقسامات السياسية أعيدت هندسة المشهد عبر ما عُرف بالاتفاق الإطاري في ديسمبر/كانون الأول 2022 بدعم دولي، لكن دون دور إثيوبي يُذكر نتيجة انشغالها الداخلي.

القاهرة تتحرك.. وإثيوبيا تحتضن حميدتي

في هذا الفراغ النسبي، تحركت القاهرة لتعزيز حضورها عبر توطيد العلاقات مع المؤسسة العسكرية السودانية، وإجراء خمس مناورات عسكرية مشتركة في غضون عامين فقط (2020–2022): حماة النيل، ونسور النيل 1، ونسور النيل 2، وحارس الجنوب 1، وحارس الجنوب 2، في سياق تقارب مصري-سوداني مدفوعا بالرغبة في التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن سد النهضة.

ثم جاءت لحظة اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، فيما كانت العلاقات بين أديس أبابا والخرطوم مثقلة بشد وجذب سابق يتعلق بالفشقة وسد النهضة، إلى جانب القلق الإثيوبي من التقارب المصري-السوداني. وزادت هذه التوترات مع تقارير عن توغل جماعات إثيوبية داخل الفشقة في الأيام الأولى للحرب السودانية، وهو ما نفاه آبي أحمد لاحقا، في مؤشر على هشاشة الوضع الحدودي. ورغم ذلك، تبنت إثيوبيا في بدايات الصراع موقفا يدعو إلى التهدئة وضبط النفس والعودة إلى الحوار بين طرفي النزاع؛ الجيش والدعم السريع. غير أن هذا الخطاب قوبل برفض من الخرطوم، التي اعتبرته مساواة بين حكومة شرعية وتمرد يقوده حميدتي.

"دعا آبي أحمد خلال قمة الإيغاد إلى فرض حظر جوي ونزع المدفعية الثقيلة في السودان، زاعما أن السودان يعاني فراغا في القيادة، وهو ما رفضته وزارة الخارجية السودانية بشدة"

مع مرور الأشهر، بدأ التباين يتحول إلى توتر دبلوماسي واضح. ففي يوليو/تموز 2023، دعا آبي أحمد خلال قمة الإيغاد إلى فرض حظر جوي ونزع المدفعية الثقيلة في السودان، زاعما أن "السودان يعاني فراغا في القيادة"، وهو ما رفضته وزارة الخارجية السودانية بشدة، معتبرة التصريحات مساسا بالسيادة السودانية وتدخلا غير مقبول في الشأن الداخلي. وفي أغسطس/آب 2023، استضافت أديس أبابا اجتماعات "قوى الحرية والتغيير-المجلس المركزي"، وهو ما اعتبرته الخرطوم دعما للظهير السياسي للدعم السريع، نظرا للعلاقة الجيدة بينهم وبين حميدتي، ومؤشرا على انحياز إثيوبي متزايد في مسار الأزمة.

غير أن النقلة الأوضح جاءت مع نهاية العام ذاته، حين استقبلت إثيوبيا حميدتي في أديس أبابا بمراسم رسمية وحفاوة واضحة، حيث التقى آبي أحمد قائد الدعم السريع في لقاء تشاوري شارك صوره عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي. بالنسبة للخرطوم، لم يكن هذا اللقاء مجرد تواصل سياسي، بل إعلانا فعليا عن سقوط صفة الوسيط ودخول أديس أبابا موقع الطرف في الصراع.

مصدر الصورة آبي أحمد استقبل حميدتي عام 2023 (وكالة الانباء الإثيوبية)

وتعزز هذا الانطباع في مطلع عام 2024، مع استضافة لقاء بين حميدتي ورئيس تنسيقية "تقدم" عبد الله حمدوك، الذي انتهى بإعلان ما عُرف بإعلان أديس أبابا، الداعي إلى التهدئة والحوار. غير أن الخرطوم قرأت هذا التطور بوصفه محاولة لإعادة تقديم حميدتي سياسيا ومنحه غطاء مدنيا برعاية إثيوبية، في لحظة كانت تتصاعد فيها الاتهامات الموجهة لقواته بارتكاب انتهاكات واسعة منذ اندلاع الحرب.

استمر التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا، ولم تفلح زيارة آبي أحمد في يوليو/تموز 2024 إلى السودان في احتواء الأزمة. وقد جاءت تلك الزيارة بهدف تقليل الخسائر وتحقيق بعض المكاسب، في وقت استطاع فيه الجيش السوداني استعادة توازنه في أرض المعركة، وتزامن ذلك مع سياق إقليمي مضغوط، عقب تعثر مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر عبر اتفاق مع صوماليلاند، وما تبعه من اضطراب في العلاقات مع مقديشو، ودخول مصر على خط المعادلة بتوقيع اتفاق عسكري مع الصومال، إلى جانب تقارب ثلاثي بين القاهرة ومقديشو وأسمرة، إضافة إلى تقارب سوداني مع هذا المحور، خصوصا مع استمرار الاضطرابات داخل إثيوبيا في أقاليم تيغراي وأمهرة وأورومو.

"انتقلت إثيوبيا من موقع الوسيط إلى الطرف السياسي في الصراع السوداني، قبل أن تجد نفسها منخرطة بشكل مباشر في لوجستيات وتسليح الدعم السريع"

ورغم محاولة أديس أبابا احتواء التدهور، لم تُترجم الزيارة إلى خطوات عملية تطمئن الخرطوم بشأن تعديل الموقف الإثيوبي من الحرب أو من الدعم السريع. بل على العكس، تزايدت الشكوك حول استمرار الدعم اللوجستي، خاصة مع بقاء إثيوبيا مقرا مفتوحا لتنسيقية "تقدم"، وما وفرته من مساحة سياسية وإعلامية لتحركاتها، ما اعتبره الجيش السوداني نوعا من تقسيم الأدوار بين الواجهة السياسية والعسكرية.

بلغت هذه التفاعلات ذروتها في اللحظة الراهنة، مع إعلان السودان رسميا عبر وزارة خارجيته اتهام إثيوبيا بالتورط المباشر في الحرب، من خلال السماح باستخدام أراضيها نقطة انطلاق لمسيرات استهدفت مواقع داخل السودان على مدار فبراير/شباط ومارس/آذار الماضيين. وبذلك، تتبلور نهاية مسار امتد لسنوات، انتقلت فيه إثيوبيا من موقع الوسيط إلى الطرف السياسي في الصراع، قبل أن تجد نفسها منخرطة بشكل مباشر في لوجستيات وتسليح العمليات العسكرية للدعم السريع.

زيارة آبي أحمد (ثاني يمين) إلى البرهان في يوليو/تموز 2024 جاءت بهدف تقليل الخسائر وتحقيق بعض المكاسب ولكنها لم تفلح في احتواء الأزمة (الفرنسية)

السودان في عقل آبي أحمد

لا يمكن تفسير تغير موقف آبي أحمد في السودان من زاوية واحدة، إنما تنطوي دوافعه على مستويات متعددة، تبدأ من الداخل الإثيوبي وتمتد إلى المشهد الإقليمي. إن فتح جبهة في النيل الأزرق لا يُقرأ بوصفه توترا حدوديا بين دولتين فحسب، بل جزءا من خريطة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي، خصوصا في ظل الاضطراب المتزايد في البحر الأحمر.

على المستوى الداخلي، يواجه نظام آبي أحمد مجموعة من التحديات، أولها الاقتصاد المتعثر في ظل حرب إيران، التي أسفرت عن أزمة وقود حادة ضربت البلاد، إلى جانب تخلف مزمن في سداد الديون، وإضرابات عمالية وفئوية لأسباب تتعلق بتحسين ظروف العمل والخدمات وصلت إلى القطاع الصحي. فوق كل ذلك، لا تزال معضلة الاندماج الوطني عالقة، حيث امتدت الاضطرابات العرقية مع مجموعات رئيسية مثل الأورومو والأمهرة، وتفاقمت مع الأخيرة إلى صدامات مسلحة مفتوحة، فيما يظل اتفاق السلام مع إقليم تيغراي في مهب الريح وسط احتمالات تجدد الحرب.

"فتح جبهة في النيل الأزرق لا يُقرأ بوصفه توترا حدوديا بين دولتين فحسب، بل جزءا من خريطة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي"

وتأتي هذه الأزمات التي أنتجت واقعا إنسانيا مأساويا ونزوحا جماعيا في مناطق الصراع في سياق سياسي حساس مع اقتراب استحقاقات انتخابية تحيط بها انتقادات تتعلق بتراجع الحريات وتقييد المجال السياسي وتآكل سيطرة الدولة. وفي هذه الظروف، بدت سياسات آبي أحمد في السنوات الأخيرة أقرب إلى نمط "القفز إلى الأمام"، أي محاولة احتواء الأزمات الداخلية عبر تصديرها أو تجاوزها بمشروعات كبرى وخطابات طموحة ومساعي تعزيز نفوذ إقليمي، مثل سد النهضة، وخطط إنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، والإعلان عن مشروع إنشاء أكبر مطار دولي في القارة. كل تلك أدوات لإعادة إنتاج الشرعية السياسية، رغم محدودية انعكاسها المباشر على الأوضاع المعيشية.

على المستوى الإقليمي، يتعامل آبي أحمد مع أزماته الداخلية بنقلها إلى الخارج بدلا من احتوائها. وهنا تتصدر قضية الوصول إلى البحر التي تبناها رئيس الوزراء الإثيوبي بوصفها أحد أولويات الخطاب الرسمي لبلاده في السنوات الأخيرة، وعليه تأسس مشروع إنشاء قوة بحرية، وجرى تقديمه كـ "قضية وجودية" للشعب، في تعبير عن طموح لإعادة تشكيل موقع إثيوبيا ومستقبلها في الإقليم.

"يتعامل آبي أحمد مع أزماته الداخلية بنقلها إلى الخارج بدلا من احتوائها"

ظهر ذلك التلويح المتكرر باستعادة ميناء عصب من إريتريا واعتبار فقدانها خطأ تاريخيا ينبغي تصحيحه، حسب تعبير آبي أحمد أثناء الاحتفال بافتتاح سد النهضة سبتمبر/أيلول العام الماضي، ومن قبلها في مطلع عام 2024 التحرك نحو صوماليلاند وتوقيع مذكرة تفاهم تمنح إثيوبيا منفذا سياديا للبحر الأحمر وقاعدة بحرية.

كل ذلك أتى ضمن وصفة إعادة تموضع إثيوبي في خضم رغبة لتعديل موازين القوى في القرن الأفريقي. وقد دفعت تلك التحركات الصومال إلى الاقتراب أكثر من مصر، التي سارعت بدورها إلى توقيع اتفاق عسكري مع مقديشو، بالتوازي مع تقارب ملحوظ مع إريتريا، ما أفضى إلى تشكل محور إقليمي جديد بين الدول الثلاث يتبنى تصورا مشتركا تجاه "التهديد الإثيوبي".

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (يمين) ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

ضمن هذا المشهد، برز السودان ساحة مركزية للصراع، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بالنظر لكونه نقطة تقاطع بين أمن البحر الأحمر، والتوازنات مع مصر وإريتريا، ومسارات النفوذ في القرن الأفريقي. ولذا، فإن الانخراط الإثيوبي في الحرب ومحاولة خلق واقع ميداني جديد، لا ينفصل عن محاولة توسيع هامش التأثير داخل مساحات منافسي أديس أبابا في القاهرة وأسمرة، واحتواء التحركات المصرية المتصاعدة في الصومال وجيبوتي وإريتريا، وفي السودان نفسها حيث بدأت مصر تمارس نشاطا دبلوماسيا وعسكريا مكثفا لحماية عمقها الجنوبي.

المثال الأبرز على ذلك ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز في فبراير/شباط الماضي عن قاعدة مصرية متقدمة في الصحراء الغربية تقدم الإسناد العملياتي للجيش السوداني وما نشرته دورية أفريكا إنتليجنس وشبكة عين المحلية السودانية عن مقتل عميد وثلاثة جنود من الجيش المصري في الخطوط الأمامية في السودان ضمن مهام التدريب والدعم العملياتي واللوجستي للجيش (لم تؤكد القاهرة سبب وفاة العميد رسميا لكنها أقامت له جنازة عسكرية). بل ويمكن قراءة البيان المصري الصادر نهاية العام المنصرم بخصوص الخطوط الحمراء في السودان كاستجابة مباشرة للتحركات الإثيوبية.

على المستوى الاقتصادي، يتيح السودان إذا تغيرت موازين القوة داخله، إمكانيات متعددة لإثيوبيا، أبرزها الاقتراب من الثروات الزراعية والمعدنية غير المستغلة، ومنها المعادن النادرة المتوفرة بكميات كبيرة في السودان. أما الذهب السوداني فقد برز دوره مؤخرا حين أعلن أن إنتاج الذهب في البلاد تضاعف 10 مرات من 4 إلى 40 طنا في عام واحد، محققا عائدات بلغت نحو 3.5 مليار دولار، وهو حوالي نصف إجمالي صادرات إثيوبيا في السنة المالية الماضية.

"الزيادة المفاجئة في صادرات إثيوبيا من الذهب لا يمكن تفسيرها بمعزل عن السودان"

من الناحية الفنية يصعب تحقيق زيادة كهذه دون اكتشافات جديدة ضخمة، وهو أمر لم يُعلن عنه. لكن من جهة أخرى، كان وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم قد أقر في تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس أن 20 طنا فقط من الذهب صُدرت عبر القنوات الرسمية من إجمالي إنتاج عام 2023 البالغ 70 طنا، ما يعني فجوة مقدارها 50 طنا هُربت.

وقد كشف تقرير منظمة "سويس إيد" عن تورط شبكات دولية وإقليمية في استنزاف الذهب السوداني، وأشار التقرير إلى تحول دول الجوار، مثل جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا إلى منصات عبور لإعادة تصدير الذهب السوداني وتغيير منشئه قبل وصوله إلى الأسواق العالمية، وهو ما يتوافق مع ما نقلته مجلة ذا ريبورتر الإثيوبية من أن مدينة شاير الإثيوبية أصبحت مركزا إقليميا لتهريب الذهب السوداني.

إثيوبيا تراهن على حميدتي

على ضوء هذه التغيرات يمكننا فهم تحولات السلوك الإثيوبي في السودان، من وسيط إلى طرف منخرط في دعم حميدتي. فالتجارب السابقة، من أزمة الفشقة إلى تعقيدات ملف سد النهضة، وصولا إلى التقارب المتزايد بين السودان ومصر؛ كلها كشفت حدود الرهان على شراكة مستقرة مع الدولة السودانية، خاصة في ظل تمسك المؤسسة العسكرية باعتبارات السيادة وحدودها. في المقابل، يفتح التعامل مع فاعل دون الدولة مثل الدعم السريع، بكل ما يتيحه من مرونة سياسية وعسكرية، هامش حركة أوسع في إدارة التوازنات والثروات الحدودية ومسارات النفوذ والتموضع الجيوسياسي.

"لا يبدو الانخراط الإثيوبي تفصيلة عابرة في مسار الحرب، بل عاملا يعيد صياغة مسارها"

تأتي المقاربة الإثيوبية في السودان المنسي الذي يدخل عامه الرابع من حرب لم تعد معه البلاد مجرد ساحة قتال، بل ما يشبه فسيفساء من الدمار والموت واللجوء والانهيار والخراب الشامل، لتضيف طبقة جديدة من التعقيد فوق مشهد إقليمي متشابك. لم يعد يجدي فيه اختزال صراع السودان في توصيفات تبسيطية من قبيل حرب أهلية أو صراع بين جنرالين، بل ظهر أنه أقرب إلى ساحة لإدارة التوازنات الإقليمية، ونقطة تقاطع لمشاريع متنافسة في قرن أفريقي يعيش أزمات عميقة داخلية ويدخل بدوره مرحلة إعادة تشكيل مفتوحة ضمن إقليم مضطرب ونظام دولي فاقد الاتزان.

لا يبدو الانخراط الإثيوبي تفصيلة عابرة في مسار الحرب، بل عاملا يعيد صياغة مسارها. فمن المرجح أن يدفع دور إثيوبيا نحو أحد ثلاث مسارات: إما تثبيت نفوذ إثيوبي في مناطق سودانية بعينها عبر أدوات غير مباشرة، أو انزلاق نحو صدام إقليمي، خصوصا مع مصر وإريتريا، أو استمرار حالة الحرب بما تنتجه من تعدد مراكز النفوذ وتفكك السيطرة المركزية في السودان. وهنا تكمن المفارقة التي افتُتح بها المقال. فإذا كانت الخرطوم قد لعبت دورا في تغيير قواعد السلطة في أديس أبابا قبل عقود، فإنها تجد نفسها اليوم داخل نسخة معكوسة من الماضي حيث تسعى إثيوبيا لتحقيق مصالحها من خلال التأثير على مستقبل الحكم والسلطة في السودان.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا