وسط حرب مفتوحة مع إيران، وأزمة طاقة عالمية متصاعدة، وتوترات متفاقمة حول تايوان والتجارة والتكنولوجيا، يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين في قمة توصف بأنها واحدة من أكثر اللقاءات حساسية بين القوتين الأعظم منذ سنوات.
كان الهدف الأساسي من القمة، التي تُعقد بين 13 و15 مايو/أيار الجاري في بكين، معالجة التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران دفعت الملف الأمني إلى صدارة المشهد، بعدما تسبب إغلاق مضيق هرمز في اضطراب أسواق النفط العالمية وإثارة قلق واسع داخل الصين، التي يعتمد جزء كبير من وارداتها النفطية على الممر البحري الحيوي.
وقد أولت الصحف البريطانية الصادرة اليوم الثلاثاء اهتماما خاصا بهذه الزيارة، فقد أفادت آمي هوكينز، كبيرة مراسلي صحيفة غارديان -في تحليل إخباري- بأن بكين باتت تعتبر إعادة فتح مضيق هرمز أولوية اقتصادية وإستراتيجية، خصوصا أن نحو نصف وارداتها من النفط الخام يمر عبر المضيق.
ورغم أن الصين تملك احتياطيات كبيرة ومصادر طاقة متنوعة، فإن المخاوف تتزايد من أن يؤدي استمرار الحرب إلى ركود اقتصادي عالمي ينعكس مباشرة على اقتصادها المعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات.
وبحسب الصحيفة، فإن السؤال الكبير الذي يلوح في الأفق هو: هل سيُجبر الرئيس الأمريكي على طلب المساعدة من نظيره الصيني لإنهاء حربه؟
هذا التساؤل يعكس تحولا عميقا في ميزان القوى؛ فترمب الذي طالما وُصف بأنه "صانع صفقات"، يجد نفسه اليوم في وضع "لم يعتد عليه"، وهو طلب العون من شي جين بينغ لحل أزمة إغلاق مضيق هرمز، كما يقول البروفيسور دالي يانغ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، مضيفا أن هذا الوضع يمنح بكين نفوذا دبلوماسيا هائلا قبل أن تبدأ المفاوضات رسميا.
وأشار يانغ إلى أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين اتسمت بكثير من أساليب "التعامل بالمثل" و"العين بالعين"، بدءا من الرسوم الجمركية الباهظة وصولا إلى تقييد بكين لصادرات المعادن الأرضية النادرة.
وقال إن الأمر وصل في هذه الحرب التجارية لدرجة أنها بدت وكأن الطرفين يتنافسان في حلبة "مصارعة سومو"، مشيرا إلى أن التباري بينهما وصل إلى "نقطة التعادل"، حيث لم يعد هناك رابح فيها أو خاسر.
ولا يتوقع يانغ، شأنه شأن الكثير من المحللين، حدوث اختراق كبير بشأن اتفاق تجاري؛ وبدلا من ذلك، قد يصدر بيان بصياغة فضفاضة تسمح لكل جانب بالادعاء بأن الاجتماع كان مثمرا.
ويرجح أن تكون النتيجة الأكثر احتمالا هي تمديد الهدنة التي تم الاتفاق عليها في كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
استمرار تعطّل الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة سيصبح مشكلة خطيرة حتى بالنسبة للصين، رغم قدرتها على تحمّل اضطرابات قصيرة الأمد بصورة أفضل من كثير من حلفاء الولايات المتحدة في آسيا
بواسطة المحلل السياسي على وين
ونقلت الصحيفة أيضا عن علي وين، المستشار البارز في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إنه "ما من دولة في العالم ترى في إطالة أمد هذا الصراع خدمة لمصالحها الوطنية".
وحذر من أن استمرار تعطّل الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة سيصبح مشكلة خطيرة حتى بالنسبة للصين، رغم قدرتها على تحمّل اضطرابات قصيرة الأمد بصورة أفضل من كثير من حلفاء الولايات المتحدة في آسيا.
وفي ظل هذه الضغوط، تبدو واشنطن بحاجة متزايدة إلى دور صيني للمساعدة في احتواء الأزمة الإيرانية، فقد دعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بكين إلى "تكثيف الضغط" على طهران من أجل إعادة فتح المضيق، فيما استقبلت الصين الأسبوع الماضي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في خطوة عكست استمرار التواصل الوثيق بين الجانبين.
أما القضية الأكثر حساسية فتظل تايوان، فبكين تضغط بقوة لوقف حزمة المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 11 مليار دولار لتايوان التي تعتبرها الصين جزءا من أراضيها.
وبحسب تحليل غارديان، تأمل بكين في أن تعتمد إدارة ترمب صياغات أكثر قربا من الموقف الصيني، مثل الانتقال من التصريح بأن واشنطن "لا تدعم استقلال تايوان" إلى أنها "تعارض استقلال تايوان"، وهو ما تعتبره الصين مكسبا سياسيا مهما في معركتها لإعادة تشكيل الخطاب الدولي بشأن الجزيرة.
وفي المقابل، تبدو إدارة ترمب حريصة على نفي أي تراجع جوهري في التزاماتها تجاه تايوان، ونقلت ديلي تلغراف في تقريرها عن مسؤول أمريكي كبير قوله إنه "لا يوجد أي تغيير في السياسة الأمريكية"، مضيفا أن ترمب "لن يقدم تنازلا كبيرا بشأن تايوان".
في الشق التجاري، يسعى ترمب بالدرجة الأولى إلى العودة من بكين باتفاقات اقتصادية تساعده داخليا قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، خصوصا مع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب وارتفاع أسعار النفط إلى نحو 120 دولارا للبرميل.
وأوضحت صحيفة ديلي تلغراف في تقرير لكبير مراسليها في واشنطن، كونور سترينغر، وممفيس باركر في بكين، أن ترمب يريد إبرام صفقات لشراء 25 مليون طن من فول الصويا سنويا، وصفقة كبرى مع شركة بوينغ لبيع 500 طائرة من طراز "737 ماكس".
كما تسعى واشنطن إلى تخفيف القيود الصينية على تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية الأمريكية.
على أن الصراع الحقيقي يكمن في "سيادة التكنولوجيا"، فبينما تطالب واشنطن الصين بفتح أسواقها ورفع القيود عن المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية، تضغط بكين لرفع الحظر عن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ويصف الصقور في واشنطن -مثل وزير الخارجية ماركو روبيو والممثل التجاري جيمسون غرير- هذا الصراع بأنه "صراع وجودي بين القوى العظمى"، ويحذرون من أن تمكين الصين من تكنولوجيا مقابل صفقات تجارية عابرة خطأ إستراتيجي، خاصة أن ما تعرضت له شركة "ديب سيك" الصينية للذكاء الاصطناعي مؤخرا من مشاكل يثبت فاعلية الحظر الأمريكي الحالي.
وكانت منصة ديب سيك قد شهدت في مارس/آذار عطلا تقنيا هو الأطول منذ انطلاقتها، حيث توقفت الخدمة لأكثر من 7 ساعات، مما أثار تساؤلات حول موثوقية المنصات في ظل الاعتماد المتزايد عليها.
وفي تقرير نشرته صحيفة إندبندنت، ذهب محررها للشؤون الدولية سام كيلي إلى أبعد من ذلك، فرأى أن ترمب يصل إلى بكين "محبطا ومهانا" من قبل "نظام أضعف وعنيد وصامد في طهران".
ووفق الكاتب، فإن ترمب لم ينجح في الحد من تدفق إمدادات النفط إلى الصين، مضيفا أن نتائج الحرب قد تؤدي إلى "تحول جذري مفاجئ في الجغرافيا السياسية لمصلحة بكين".
واستند التقرير إلى قراءة نفسية لشخصية ترمب، نقلها عن فيونا هيل، المستشارة السابقة للأمن القومي الأمريكي والباحثة في مؤسسة بروكينغز، التي قالت إن ترمب "يتوق بشدة إلى اعتراف قادة العالم الأقوياء به"، وإنه يسعى للشعور بأنه جزء من "نادي الزعماء الأقوياء" إلى جانب شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وبحسب التقرير، قد تستخدم بكين هذا الاحتياج النفسي لتقديم "مخرج مشرف" لترمب من الحرب الإيرانية، ربما عبر اتفاق يسمح بنقل المواد النووية الإيرانية إلى الصين، مقابل تنازلات أمريكية تتعلق بتايوان أو بحر جنوب الصين.
وفي خلفية كل هذه الملفات، يبرز إدراك متزايد بأن العلاقة بين واشنطن وبكين دخلت مرحلة جديدة لم تعد تقوم فقط على المنافسة الاقتصادية، بل على صراع أشمل حول شكل النظام الدولي المقبل.
ترى الصين أن إدارة ترمب الحالية أقل تشددا من الإدارات السابقة حيالها، بعدما خففت القيود على بعض صادرات التكنولوجيا، وأظهرت حذرا أكبر في دعم تايوان، فيما يعتقد بعض المحللين أن الرئيس الأمريكي يميل بالفعل إلى تصور عالم قائم على "مناطق نفوذ" تتقاسمها القوى الكبرى.
لكن رغم التصريحات المتفائلة والاحتفالات البروتوكولية التي تنتظر ترمب في بكين، تبدو القمة أبعد ما تكون عن الخروج بتسوية شاملة، لأن حرب إيران ما تزال مفتوحة، والتوتر حول تايوان يتصاعد، والحرب التجارية لم تُحسم، فيما تتحول الطاقة والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة إلى أسلحة جيوسياسية في معركة إعادة تشكيل موازين القرن الحادي والعشرين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة