مقديشو- أعلنت الخارجية الإسرائيلية، الأربعاء، تعيين ميخائيل لوتيم أول سفير لها بإقليم أرض الصومال الانفصالي شمال غرب الصومال، وهو دبلوماسي لأكثر من عقدين في ساحات مختلفة، وسيعمل المرحلة الأولى بصفة "غير مقيم".
وأثار التعيين غضب الحكومة الصومالية في مقديشو، التي أدانت خارجيتها في بيان صحفي شديد اللهجة "الإجراء الإسرائيلي بتعيين ممثل دبلوماسي في المنطقة الشمالية الغربية من الصومال (إقليم أرض الصومال أو صومالي لاند)"، وقالت إنه يقوض سيادة وسلامة الصومال، داعيا إسرائيل إلى التراجع الفوري عن القرار.
وقوبلت الخطوة الإسرائيلية بإدانات من منظمات دولية في مقدمتها الجامعة العربية و منظمة التعاون الإسلامي، بينما جددت مقديشو تأكيدها على صون سيادتها بكافة الوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية.
من جانبها، سارعت إدارة إقليم أرض الصومال إلى الترحيب بالخطوة، واعتبرتها "نجاحا ملموسا نحو تحقيق الاعتراف المنشود الذي انتظرته هرغيسا منذ عام 1991، وحدثا تاريخيا"، وفق تصريحات صحفية لوزير إعلام الإقليم برخد بتون.
وفق المصادر المفتوحة، يُعتبر ميخائيل لوتيم دبلوماسي إسرائيلي خبير في الدبلوماسية الاقتصادية ولا سيما في الملف الأفريقي، ولديه مسيرة طويلة في العمل بالخارجية الإسرائيلية، حيث كان يشغل منصب السفير الاقتصادي المتنقل في أفريقيا، وسبق أن عمل سفيرا في كينيا، وأوغندا، وملاوي وسيشل ما بين 2021 و2025.
وتقلّد منصب مدير إدارة الشؤون الاقتصادية لآسيا ودول الكومنولث المستقلة في الفترة من 2017 إلى 2021، كما شغل منصب قنصل عام في مدينة سانت بطرسبورغ في روسيا، ومبعوث خاص لشؤون الطاقة ما بين 2012 و2014، وسفيرا في أذربيجان ما بين 2009 و2012، وسفير لدى كازاخستان وقيرغيزستان.
وبهذا التعيين اكتملت عملية تبادل السفراء بين الإقليم الانفصالي وإسرائيل؛ إذ أعلنت إدارة الإقليم تعيين محمد حاجي عمر محمود سفيرا فوق العادة ومفوضا لها لدى إسرائيل في 15 فبراير/شباط الماضي، وقبلت إسرائيل اعتماده في الحادي والعشرين من الشهر نفسه.
وسبق تعيين السفراء سلسلة من الإجراءات، ابتداء من الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، وزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرغيسا في 6 يناير/كانون الثاني 2026، وتوجيه دعوة رسمية لزعيم الإقليم عبد الرحمن عرو لزيارة تل أبيب، وهي لم تتم حتى الآن.
تعتبر الحكومة الصومالية الاعتراف الإسرائيلي ثم تعيين سفير لتل أبيب في هرغيسا انتهاكا صريحا لسيادة الصومال عبر سياسة فرض الأمر الواقع.
ويقول مستشار الشؤون العربية في وزارة الخارجية بمقديشو عبد الفتاح شيخ محمد، للجزيرة نت، إن أي وجود إسرائيلي في منطقة شمال غرب الصومال (صومالي لاند)، التي تطل على خليج عدن والبحر الأحمر هو سعي لإيجاد موطئ قدم استراتيجي في القرن الأفريقي، محذرا من خطورة إنشاء قاعدة عسكرية في الإقليم.
ووفق الدبلوماسي الصومالي، تسعى هذه القاعدة لاستهداف إيران والحوثيين في اليمن والتحكم في الملاحة الدولية بالبحر الأحمر، إضافة إلى احتمال استخدامها لاستهداف إيران في أي جولة متجددة من الصراع، قد تندلع في أي لحظة، مما يعرض الأمن الإقليمي لخطر شامل.
ويرى المستشار عبد االفتاح بأن الخطوة الإسرائيلية بإعلان سفير في الإقليم الانفصالي تهديد للاستقرار الإقليمي وتنذر بمزيد من التصعيد واستباحة سيادة الدول.
وحذر من أن الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم سيسمح "بانتعاش المنظمات الإرهابية النشطة في المنطقة مثل تنظيم الدولة وحركة الشباب المتشددة في الصومال والقاعدة في اليمن". وبرأيه، لا يقف الخطر عند هذا الحد بل "قد يصل إلى ولادة تنظيمات أكثر تطرفا وإجراما".
ويحذر الدبلوماسي الصومالي من أن تهديد الأمن الإقليمي لا يقتصر على خطر "الإرهاب"، بل يتجاوزه إلى زعزعة كيانات الدول القائمة عبر تشجيع الحركات الانفصالية وتعزيز الحروب بالوكالة بتسليح القوى الصاعدة ومنحها نفوذا داخليا وسلطة تفرضها بالأمر الواقع، ما ينذر بخطر الدخول في دوامة الصراعات المسلحة، بالإضافة إلى الصراعات الدفينة الموجودة أصلا حول الحدود.
يتزامن التحرك الإسرائيلي في وقت توجّه الصومال جهودها لهزيمة "التنظيمات المتطرفة" واستعادة المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة، وتعزيز التحول الديمقراطي بإجراء انتخابات عبر الاقتراع المباشر، كما يعلن مسؤولوها.
ويربط الباحث الصومالي المختص في الاقتصاد السياسي أحمد سعيد، توقيت تعيين السفير الإسرائيلي، بمساعي مقديشو لاستخراج ثرواتها الطبيعية من النفط والغاز بالتعاون مع تركيا؛ وتحديدا بعد 5 أيام من وصول سفينة "تشاكري بيه" التركية إلى مقديشو لحفر آبار في أعماق البحر في مهمة تستغرق 10 أشهر بحسب سلطات الطاقة في البلدين.
ويوضح سعيد في حديث للجزيرة نت أن التوقيت ليس في صالح الصومال، ولا سيما مع انشغال العالم في أحداث الشرق الأوسط ما يفقد هذا البلد التعاطف والاهتمام الدبلوماسي.
ويتزامن ذلك مع معاناة القطاع الاقتصادي الصومالي من آثار الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وإغلاق مضيق هرمز وما نتج عنها من تداعيات سلبية على المعيشة، حيث يستورد الصومال 100 صنف من المشتقات النفطية والغاز من الشرق الأوسط، وفق تصريحات إعلامية لوزير التجارة والصناعة.
من ناحية أخرى، يقول الباحث في شؤون القرن الأفريقي عبد الولي محمد سيد للجزيرة نت، إن السفير الإسرائيلي الجديد لدى أرض الصومال يواجه مهمة معقدة وحساسة، إذ يتعامل مع "كيان غير معترف به دوليا، ويُعد جزءا من سيادة الصومال وفق القانون الدولي".
ومع ذلك، يقول سيد إن خبرة السفير الدبلوماسية، خاصة في أفريقيا، قد تجعله يؤدي دورا يتجاوز تعزيز العلاقات الثنائية، ليشمل حشد الدعم الأفريقي للاعتراف بأرض الصومال عبر شبكاته وخبراته الإقليمية.
ويقول الباحث إن إسرائيل تدرك أن أي اعتراف أوسع بأرض الصومال سيتطلب دعما من الدول الأفريقية، كما أن تعيين أول سفير من دولة عضو في الأمم المتحدة قد يمنح أرض الصومال زخما سياسيا ويزيد الاهتمام الدولي بوضعها، كذلك، قد تستفيد أرض الصومال من الخبرات الفنية والدعم المالي الإسرائيلي.
لكن أثر هذا الدعم قد يظل محدودا، وفق الباحث الصومالي، بسبب ضعف القدرات المؤسسية وهشاشة الاقتصاد في الإقليم المنفصل، وهي عوامل قد تعرقل الاستفادة الفعلية من المساعدات الخارجية، كما ظهر سابقا في علاقة "صومالي لاند" مع تايوان التي حققت حضورا دبلوماسيا أكثر من أي نتائج تنموية ملموسة.
ويعتبر الباحث عبد الولي سيد أن خيارات الحكومة الفيدرالية الصومالية محدودة، وقد تأتي تحركاتها على مراحل:
غير أن الخيار الأمثل والرد الأكثر فاعلية يتمثل برأيه في تقوية مؤسسات الدولة، وتعزيز الشرعية الداخلية، وتوسيع نطاق الحكم الفعّال، وترسيخ وحدة الشعب الصومالي، باعتبار ذلك الأساس الأقوى لحماية السيادة ووحدة الأراضي والتماسك الوطني.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة