آخر الأخبار

باكستان تتصدر المشهد بهدوء في الشرق الأوسط | الحرة

شارك

يثير وصول قوات عسكرية باكستانية إلى السعودية قبل أيام تساؤلات بشأن أهداف هذا الحضور الأمني المتزايد لإسلام آباد في الشرق الأوسط، خصوصا في وقت تستضيف فيه باكستان محادثات بين الولايات المتحدة وإيران لاحتواء الحرب التي اندلعت بينهما في فبراير الماضي.

وتزامن هذا الحضور العسكري مع توتر غير معلن في العلاقات بين إسلام آباد، وأبوظبي التي طالبت باكستان بسداد وديعة مالية بقيمة 3.5 مليار دولار. وأعقب ذلك تقديم الرياض والدوحة دعما ماليا بقيمة خمسة مليارات دولار لباكستان، في خطوة بدت ردا على التحرك الإماراتي.

وبين استضافة محادثات واشنطن وطهران وتعزيز حضورها الأمني في الخليج، تتحرك باكستان بثبات، على ما يبدو، لاستغلال “اللحظة المناسبة” لتوسيع دورها في الشرق الأوسط، مستفيدة من شبكة علاقات نسجتها على مدى سنوات مع أطراف متنافسة.

“يمكن القول إن باكستان أصبحت لاعبا صاعدا في الشرق الأوسط،” يقول كامران بخاري، وهو مدير أول في معهد نيو لاينز، مضيفا في حديث لـ”الحرة” أن تعزيز الوجود العسكري الباكستاني في السعودية “يمثل رسالة رمزية لإيران: نحن نعمل على الوساطة، لكننا أيضا حلفاء للسعودية”.

في 11 أبريل، قالت وزارة الدفاع السعودية إن باكستان أرسلت طائرات مقاتلة وقوات عسكرية أخرى إلى المملكة. وذلك في سياق اتفاقية دفاع مشترك وقعها البلدان في سبتمبر أيلول الماضي، وتنص على أن أي “عدوان” على أحدهما يُعد هجوما على البلدين معا.

وبدأ رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الأربعاء، زيارة رسمية للمنطقة استهلها بزيارة جدة، قبل أن يتوجه إلى الدوحة، الخميس، ومن المقرر أن يطير من العاصمة القطرية إلى تركيا للمشاركة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية، ولقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير عن احتمال عقد جولة ثانية من مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد قريبا.

يقول المستشار الأمني، الخبير العسكري السعودي، محمد القبيبان أن “وجود القوات الباكستانية في السعودية لا يستهدف دولة بعينها، بل يندرج ضمن مفهوم الردع والتحسب لأي تطورات قد تخرج عن السيطرة”.

ويضيف في حديث مع “الحرة” أن “العلاقات بين باكستان وإيران جيدة، وهذا التحرك غير موجه ضد طهران، بل يندرج ضمن إطار الدفاع المشترك وتعزيز التنسيق العسكري بين باكستان والسعودية”.

ويشير اللواء السعودي المتقاعد، الكاتب والباحث في الدراسات الاستراتيجية والعلوم السياسية والعسكرية، محمد بن صالح الحربي، إلى أن “وجود القوات الباكستانية في قاعدة الملك عبدالعزيز يهدف لرفع مستوى الجاهزية وتعزيز المناورات والتدريب المشترك”.

ويلفت الحربي في حديثه لـ”الحرة” إلى أن المعاهدة الموقعة بين السعودية وباكستان، والتي تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يعد اعتداء على الطرف الآخر، تفسر “أهمية التوقيت الحالي في ظل مرحلة إقليمية تتسم بالتوتر والغموض”.

ومع ذلك، من الواضح أن التحركات التي تقوم بها إسلام آباد في المنطقة لم تحض بقبول الإمارات، الدولة الخليجية التي تختلف مع السعودية في كثير من الملفات الإقليمية، انطلاقا من اليمن ومرورا بالصومال والسودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا.

وامتدت الخلافات بين الدولتين الخليجيتين إلى باكستان أيضا. ففي خطوة مفاجأة طلبت أبوظبي من إسلام آباد سداد وديعة بقيمة 3.5 مليار دولار تعود إلى عام 2018 دون تأجيل، ما جعل إسلام آباد في موقف محرج اقتصاديا.

وقوبلت الخطوة الإماراتية بتحرك سعودي يهدف إلى تقليل الضغط على باكستان، إذ أعلنت الرياض، الخميس، أنها مددت أجل وديعة بقيمة خمسة مليارات دولار لدى البنك المركزي الباكستاني، وأعلنت عن وديعة إضافية بقيمة ثلاثة مليارات دولار.

“أعطى توقيع الاتفاقية الأمنية بين باكستان والسعودية انطباعا بأن إسلام آباد تميل أكثر نحو الرياض، خاصة في ظل الخلاف السعودي-الإماراتي بشأن اليمن،” يقول الزميل الأقدم في المجلس الأطلسي، أفق حسين.

“ومع اندلاع الحرب الأخيرة، حافظت باكستان على موقف محايد، ولم تنحز بالكامل إلى دول الخليج، بل أبقت قنواتها مفتوحة مع إيران، ما زاد من التوتر مع الإمارات،” يضيف حسين لـ”الحرة”.

سحب الوديعة الإماراتية، في مقابل دعم السعودية وقطر لباكستان في هذا التوقيت الحرج، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها باكستان، قد يفهم على أنه نوع من ممارسة الضغوط أو “لي الأذرع،” وفقا للقبيبان.

ويضيف أن دعم السعودية لباكستان “لا يمكن تفسيره على أنه استعداء أو مكايدة للإمارات، بل يندرج في جوهره ضمن تعاون استراتيجي مع دولة شقيقة وعضو في العالم الإسلامي وترتبط مع دول الخليج بعلاقات واسعة في مختلف المجالات”.

في المقابل، يقول بخاري: “من الواضح أن باكستان عالقة بين الإمارات والسعودية في خلافهما، فوجهتا نظر الرياض وأبوظبي، خاصة بعد الخلاف الذي برز خلال حرب اليمن، أدّتا إلى تباعد في المصالح بين العاصمتين، وباكستان حليفة لكليهما”.

ويضيف أن “باكستان تعتمد على البلدين في المساعدات المالية، وكذلك في الحصول على النفط بأسعار تفضيلية، وعندما يبدأ حليفان لك بالدخول في صراع، تجد نفسك في المنتصف، والتعامل مع هذا الوضع يشكّل تحديا كبيرا”.

من الناحية الاقتصادية، تعتمد باكستان على دول الخليج بشكل أساسي في مجال النفط والمسائل المتعلقة بالتجارة عموما.

لكن هناك عامل آخر بالغ الأهمية في علاقة باكستان بدول الخليج، وهو الجاليات. هناك أعداد كبيرة من الباكستانيين في دول الخليج، والأهم ليس العدد فقط، بل حجم التحويلات المالية التي يرسلونها إلى بلدهم، والتي تصل إلى مليارات الدولارات سنويا.

في ظل الوضع الاقتصادي الصعب في باكستان، أصبحت هذه التحويلات مصدرا أساسيا للدخل. فالخليج يوفر فرص عمل حتى للعمالة غير الماهرة، خلاف أوروبا أو الولايات المتحدة التي تستقبل غالبا أصحاب المواهب.

ووفق بيانات البنك المركزي الباكستاني، بلغت التحويلات الرسمية نحو 3.8 مليار دولار في مارس 2026 فقط. وهذه الأموال تذهب مباشرة إلى العائلات، وتُستخدم لتغطية نفقات المعيشة من طعام وملابس وفواتير، ما يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد.

لا تمتلك باكستان قوة اقتصادية كبيرة، لكن أهميتها تأتي من كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك قنابل نووية، بالإضافة لموقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعبة مع قوى متنافسة. فعلى سبيل المثال، هي من الدول القلائل التي تمتلك علاقات استراتيجية مع كل من الولايات المتحدة والصين في آن واحد.

في الداخل، لدى باكستان أقلية شيعية كبيرة تصل إلى نحو 20% من السكان، ما يفرض عليها مراعاة هذا العامل، خاصة أن هناك تعاطفا مع إيران داخل هذه الشريحة. كما أن المزاج العام في البلاد، حتى بين الأغلبية السنية، يتسم بمشاعر معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، ما يعزز نوعا من التعاطف مع إيران، وإن كان أقل حدة مما هو في الأوساط الشيعية.

يقول بخاري إن “القيادة الحالية، سواء العسكرية أو السياسية، نجحت في إدارة هذا التوازن بشكل جيد حتى الآن، دون ظهور تداعيات خطيرة”.

وبالإضافة للسعودية، لدى باكستان علاقات جيدة مع تركيا، التي تعتبر إلى جانب الرياض من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة.

ومع الاستراتيجية الجيوسياسية الجديدة التي تعتمدها إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، والتي تقوم على تقاسم الأعباء، تعتمد واشنطن على السعودية وتركيا لتولي مسؤولية الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، مع دور أميركي ثانوي.

ويرى بخاري أن السعودية أدخلت باكستان في هذا المحور عبر اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، كما أن “الولايات المتحدة دفعت باكستان للعب دور الوسيط مع إيران، لذلك، يمكن القول إن باكستان أصبحت لاعبا صاعدا في الشرق الأوسط”.

من هنا، بات واضحا أن حجم الروابط بين باكستان ومنطقة الخليج آخذ بالتوسع، ليشمل الوجود العسكري، وعدم الاقتصار على الاقتصاد والسياسية.

“باكستان تنظر إلى استقرار الخليج بوصفه ركيزة أساسية لاستقرارها، خاصة مع وجود ملايين من مواطنيها العاملين في دول الخليج،” يقول المستشار السياسي والدولي البحريني أحمد الخزاعي لـ”الحرة”.

على الجانب الآخر، تتواصل المساعي الباكستانية لوقف الحرب بشكل نهائي. وزار قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الذي يقوم بدور محوري في الوساطة، طهران، الأربعاء، في محاولة لمنع تجدد الصراع، مع ورود إشارات إيجابية من الولايات المتحدة وإيران بشأن العودة لطاولة الحوار.

ومع ذلك، لا تزال هناك إمكانية لاستئناف الحرب في حال وصلت المفاوضات لطريق مسدود، ما قد يضع باكستان أمام احتمال الانخراط بشكل أكبر في النزاع.

تعمل القوات الباكستانية في السعودية على حماية البنية التحتية والمنشآت الحيوية من الهجمات الإيرانية الصاروخية وبالطائرات المسيرة.

“كل شيء يعتمد على مسار الأحداث، فإذا فشلت الجهود الدبلوماسية وتصاعدت المواجهة، قد تجد باكستان نفسها منخرطة عسكريا داخل السعودية،” يقول بخاري.

“لا يمكن الجزم بشأن طبيعة هذا الانخراط الباكستاني، لكن إسلام آباد على الأغلب ستحاول إيجاد موازنة وتكون حذرة للغاية كي لا تنجر لمواجهة مباشرة مع إيران،” يقول الخزاعي.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا