آخر الأخبار

هدنة في حقل ألغام.. هل تنجح المفاوضات في إعادة هندسة السيطرة والأمن بالخليج؟

شارك

بعد 40 يوما من دوي الانفجارات وتلبد سماء الشرق الأوسط بدخان حرب غير مسبوقة، دخلت المنطقة في استراحة حذرة إثر إعلان هدنة مؤقتة مدتها أسبوعان بين الولايات المتحدة وإيران.

وهذا التوقف التكتيكي لم يأت من فراغ، بل فرضته تداعيات كارثية متراكمة؛ إذ أفضى إغلاق مضيق هرمز الذي يعبر خلاله 20% من نفط العالم والغاز المسال إلى شلل شرايين الطاقة العالمية وتهديد حقيقي بانهيار اقتصادي واسع، بالإضافة إلى مقتل أكثر من ألفي شخص في إيران خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب، وأجبر نحو مليون لبناني على الفرار من منازلهم في ظل غارات إسرائيلية متواصلة طالت المستشفيات والجسور والمدارس.

وفي هذا السياق المتفجر، يقدم هذا التقرير خلاصة تحليلية لـ5 مقالات نشرها موقع الجزيرة نت، حيث تفكك في مجملها المشهد الراهن وتغوص في كواليس القرار الإستراتيجي، شارحةً الظروف الجيوسياسية التي أوجد الهدنة وتداعياتها المحتملة.

وتُجمع هذه القراءات التحليلية على أن الاختراق الدبلوماسي يقف على أرض رخوة، وتتقاذفه محاولات إسرائيلية حثيثة للالتفاف والتخريب، كما تتقاطع الرؤى حول شرخ عميق بين الأهداف النهائية لواشنطن الباحثة عن مخرج يعيد هندسة السلوك الإيراني بأقل التكاليف، وبين طموح تل أبيب الساعية لانهيار شامل للدولة الإيرانية وتفكيك أذرعها، في وقت دخلت فيه منطقة الخليج مرحلة أمنية معقدة تتجاوز فيها مفاهيم القوة الكلاسيكية.

مصدر الصورة

الطريق إلى إعلان الهدنة

لا تبدو التهدئة الحالية انعكاسا لنهاية الصراع أو تسوية لجذوره، بل هي أشبه بتكتيك مرحلي فرضته حافة الهاوية العسكرية والاقتصادية، فالجلوس إلى طاولة المفاوضات جاء مدفوعا بضرورات ملحة تجاوزت حسابات الأطراف المتحاربة لتصيب استقرار الاقتصاد العالمي بأسره، غير أن هندسة هذا الاتفاق تواجه ألغاما سياسية وميدانية تهدد بنسفه، خاصة مع تباين تفسيرات الأطراف لنطاق التهدئة الجغرافي والسياسي.

إعلان

وفي تفكيك لمشهد هذه التهدئة، تبرز القراءة التي يقدمها سفير باكستان السابق لدى الولايات المتحدة مسعود خان، إذ يضع هذا التوقف المؤقت لإطلاق النار في سياق "دبلوماسية مكوكية" فائقة الدقة قادتها إسلام آباد، وحظيت بدعم صيني وأمريكي وتوافق إقليمي.

وحسب الكاتب، فقد أسفرت هذه الدبلوماسية المكثفة عن اجتماع لوزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان في إسلام آباد، وتعزز لاحقا بخارطة طريق من 5 نقاط طورتها باكستان والصين، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار والحوار وضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

ويُحذر مسعود خان -في مقاله- من هشاشة هذا المسار الذي يظل رهينة لحسابات متقاطعة، مبينا أن إعادة فتح المضيق مثّلت الأولوية القصوى التي حركت بكين وواشنطن لدعم الهدنة، نظرا لكون إغلاقه الجزئي شكّل قضية محفوفة بالمخاطر ليس فقط للأطراف المتحاربة بل للعالم بأسره.

مصدر الصورة

وفي المقابل، تتضح معالم محاولات إفشال هذا المسار من خلال التحليل العميق الذي يقدمه مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي، الذي يستنتج أن إسرائيل تمارس دور "المعرقل المنهجي" الساعي لتخريب الهدنة عبر محاولة فصل المسار اللبناني عن الإيراني والاستفراد ببيروت عسكريا، وهو ما ترفضه طهران المتمسكة بمبدأ "تلازم المسارين" الذي نجحت في تضمينه بالاتفاق الأولي، بشهادة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نفسه الذي أكد أن الاتفاق يشمل لبنان.

وتتجسد في هذا المشهد أوراق الضغط الإيرانية المتمثلة في التلكؤ المقصود في فتح المضيق كرسالة احتجاج ضاغطة لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتلويح الدائم برد عسكري يستهدف العمق الإسرائيلي حصرا مع تحييد دقيق للقواعد الأمريكية، في خطوة تكتيكية بالغة الحساسية تهدف إلى إبقاء نافذة التفاوض مواربة وتجنب استفزاز الإدارة الأمريكية، حسب الرنتاوي.

مصدر الصورة

الخليج وإستراتيجية "ما بعد الردع"

أفرزت المواجهة الأخيرة تحولات جيوسياسية عميقة في بنية الأمن الإقليمي، كاشفة عن قصور المقاربات التقليدية في حماية المكتسبات الوطنية. فقد وجدت دول الخليج نفسها، وهي التي تحولت إلى ساحة تماس دون إرادتها، أمام واقع جديد بعد أن استهدف الرد الإيراني موانئها ومطاراتها ومحطات الطاقة ومصافي نفطها، مما يستوجب الانتقال السريع من سياسات "الدفاع السلبي إلى مبادرات الردع الذكي والمركب".

هذه التحولات الإستراتيجية يبلورها الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر عبد الله بندر العتيبي، الذي يذهب في مقاربته إلى أن المنطقة قد دخلت فعليا مرحلة "ما بعد الردع"، حيث لم تعد القوة العسكرية التقليدية كافية لمنع التهديدات المعتمدة على الضربات المحدودة والمليشيات العابرة للحدود.

ويكشف العتيبي عن أن السلوك الإيراني تطور إلى نمط أكثر مرونة وتعقيدا ويقوم على استغلال "المنطقة الرمادية" بين الحرب والسلم، بما يسمح بتحقيق ضغط إستراتيجي دون الانزلاق إلى حرب شاملة؛ حيث تراهن طهران ليس على الحرب، بل على قابلية الخليج للاستنزاف عبر فرضيتين:


* إمكانية تنفيذ ضربات محدودة تحقق أثرا سياسيا أو اقتصاديا.
* شبكة وكلائها تمنحها قدرة على الضغط المستمر والتطويق الإقليمي.
إعلان

وتتطلب هذه المرحلة الحرجة، وفقا لتحليل الأستاذ المساعد بجامعة قطر، بناء "مرونة اقتصادية حيوية" تمنح دول الخليج قدرة فائقة على امتصاص الصدمات الاستثنائية، وذلك عبر حماية البنية التحتية وتعدد مسارات الإمداد والقدرة على التعافي السريع. وتتوازى هذه المرونة مع حتمية تبني إستراتيجية "الرد غير المتماثل" عبر توظيف أدوات اقتصادية وسياسية متطورة لجعل أي مغامرة تصعيدية إيرانية مكلفة للغاية، مع العمل الحثيث على تحويل شبكة الوكلاء التابعة لطهران من أصول إستراتيجية إلى أعباء سياسية واقتصادية ترهق كاهل صانع القرار الإيراني وتستنزف موارده.

مصدر الصورة

صراع الأجندات بين واشنطن وتل أبيب

خلف واجهة التحالف المتين والعمليات العسكرية المشتركة، تتصارع تباينات إستراتيجية عميقة بين صانع القرار في البيت الأبيض والقيادة في تل أبيب.

ففي حين يشترك الطرفان في الرغبة في تحجيم النفوذ الإيراني بالمنطقة وتقويضه، تتصادم الرؤى جذريا بشأن النهاية السياسية المطلوبة لهذه الحرب، وحجم الأثمان الميدانية والجيوسياسية التي يمكن تكبدها في سبيل تحقيق هذه الغايات، في مشهد بات فيه الحليفان يخوضان بشكل متزايد معركتين مختلفتين على الجغرافيا ذاتها.

وتتفرع التحليلات في قراءة هذه التباينات إلى تيارين أساسيين:

فجيمس روبينز المستشار الخاص السابق في مكتب وزير الدفاع الأمريكي يتبنى الطرح القائل باستقلالية القرار الأمريكي، مستندا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ظل على مدى عقود ناقدا للنظام الإيراني وداعيا للحل العسكري منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأن هذه الحرب امتداد طبيعي لنزعته الإستراتيجية.

وتتجه هذه المقاربة إلى أن واشنطن تسعى لإضعاف النظام الإيراني هيكليا لإجباره على توقيع اتفاق نووي بشروط قاسية، تمهيدا لفرض بيئة مستقرة تخدم الصفقات الاقتصادية الكبرى.

وفي الاتجاه المعاكس تماما، تتقاطع رؤى الأستاذ الفخري في العلاقات الدولية بجامعة أوكسفورد آفي شلايم مع ما طرحه عريب الرنتاوي، وذلك عند استنتاج مفاده أن نتنياهو تلاعب بالاندفاعة الأمريكية ونجح في جرّ واشنطن إلى مستنقع حرب مكلفة.

ويستحضر شلايم شهادة وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي الذي قال في مجلة "إيكونوميست" إن الولايات المتحدة "فقدت السيطرة على سياستها الخارجية"، كاشفا عن أن الولايات المتحدة وإيران كانا "على وشك التوصل إلى اتفاق حقيقي" في مفاوضات جنيف النووية قبل أن تتساقط القنابل على طهران بعد 48 ساعة فقط.

وتكمن غاية نتنياهو القصوى، حسب هذا تحليل شلايم، في إحداث انهيار هيكلي كامل للدولة الإيرانية وتفتيتها من الداخل عبر تغذية الحركات الانفصالية كالأذريين والبلوش والعرب والأكراد، وصولا إلى التفكيك النهائي لـ" محور المقاومة". وهذا الشرخ الإستراتيجي يفسر مسابقة إسرائيل للزمن عبر تنفيذ 100 غارة جوية خلال أقل من 10 دقائق على لبنان، خوفا من أي صفقة أمريكية إيرانية قد تكتفي بتحجيم النظام بدل إسقاطه.

مصدر الصورة

ماذا ينتظر المنطقة بعد أسبوعين؟

في المحصلة، ترسم القراءات التحليلية المتعددة مشهدا شديد التعقيد لما بعد هدنة الأسبوعين، حيث تبدو المنطقة كأنها تسير على حبل مشدود بين تسوية دبلوماسية قسرية وانفجار إقليمي أوسع. وتلتقي الرؤى على أن واشنطن تبحث عن نصر إستراتيجي وتكتيكي يضمن مصالحها الاقتصادية وحرية الملاحة، بينما تستميت تل أبيب لدفع الأمور نحو الحسم الصفري مستغلة الغطاء النيراني للولايات المتحدة.

واستشرافا للمرحلة المقبلة، يُرجح أن يشهد الشرق الأوسط ولادة "توازن رعب جديد"؛ تعيد فيه دول الخليج هندسة أمنها القومي ذاتيا عبر تعزيز مناعتها الاقتصادية وتقليل ارتهانها للتقلبات، في حين سيتعمق التصدع الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل كلما اقتربت واشنطن من إبرام تسوية تعيد تقييد طهران بـ"أنياب مقلمة" ضمن النظام الدولي.

إعلان

وهو السيناريو الذي ستبذل تل أبيب قصارى جهدها لإجهاضه، ولو تطلب الأمر إشعال جبهات رديفة واستدامة حالة الاستنزاف الإقليمي لخلط الأوراق وتمديد أمد الحرب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا