آخر الأخبار

أزمة القضاء تتصاعد في ليبيا.. انقسام ووساطة متعثرة

شارك
"الأزمة القضائية" تشتعل في ليبيا.. أرشيفية

تصاعدت حدة الأزمة القضائية التي تشهدها ليبيا خلال الساعات الأخيرة، مع انتقاد المجلس الأعلى للقضاء للبيان الذي أصدرته بعثة الأمم المتحدة، والتي أعلنت خلاله عن وساطة تهدف إلى احتواء الخلافات القائمة.

وكانت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا دخلت على خط الأزمة القضائية بقوة، محذرة من الانقسام الذي بدأ ينخر المؤسسة القضائية التي تعد تاريخيا ركيزة الوحدة الوطنية رغم الانقسام السياسي المزمن، ومشددة على ضرورة قطع الطريق أمام مزيد من الانقسام في السلطة القضائية، وضمان استعادة وحدتها بما يعزز ركائز العدالة وسيادة القانون في البلاد.

لكن المجلس الأعلى للقضاء قال إن بيان بعثة الأمم المتحدة تضمن معلومات غير دقيقة، إذ "لا توجد لجنة وساطة قائمة، وإن اللجنة الوحيدة التي علم بها كانت لمنع صدور أي حكم من المحكمة العليا (النقض) يقرر عدم دستورية قانون المجلس الأعلى للقضاء، وقد صدر ذلك الحكم، ويبدو أن بعضا من أعضاء تلك اللجنة المشكّلة من طيف واحد قد ضم إليها أطرافا أخرى لم يمثل المجلس أي عضو فيها" وفق بيان اطلع عليه موقع "سكاي نيوز عربية".

وأشار البيان إلى أن "اللجنة التي تحدثت عنها البعثة لم تحضر لمدينة بنغازي، وإنما اجتمعت في مدينة طرابلس ولم يدع إليها فقهاء القانون ورجال القضاء في الشرق الليبي".

ما جذور الأزمة القضائية في ليبيا؟

كانت الأزمة قد تفجرت في الأسابيع الأخيرة من عام 2025، مع تصاعد النزاع حول القضاء الدستوري، حيث برزت ولايات متنافسة وأحكام قضائية متضاربة بين المحكمة العليا في طرابلس والمحكمة الدستورية العليا في بنغازي التي سعى مجلس النواب إلى تفعيلها، وأدت هذه التطورات إلى تناقضات قضائية عميقة تهدد استقرار النظام القانوني، وتؤثر مباشرة على الملفات الحيوية بالبلاد.

لكن ما أشعل الخلاف، البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي، والذي أشار إلى تداول قرارات تتعلق بنقل وإنهاء انتداب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، مؤكدا أنها صادرة عمن لا يملك حق إصدارها، ولا يترتب عليها أي أثر قانونيا.

واعتبر المجلس، أن "الأمر قد جاوز مداد وبلغ حدا غير مسبوق وغير مقبول من العبث الذي يعتبر دعوة صريحة للمساس بوحدة الجهاز القضائي وتقسيمه والإساءة إلى سمعته"، داعيا أعضاء الهيئات القضائية إلى "الالتفات عنها والتمسك بوحدة الجهاز القضائي باعتبار ذلك واجبا شرعيا ووطنيا وقانونيا".

بدورها، أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أن "جهود الوساطة القائمة حاليا، والتي تضطلع بها لجنة مشكلة من نخبة من الشخصيات القضائية والقانونية والبرلمانية الليبية، هي مساعٍ وطنية خالصة وتتمتع باستقلالية تامة"، مشددة على أن مخرجات هذه اللجنة ومقترحاتها هي نتاج عملها المنفرد، وقد بلورتها عبر مشاورات موسعة مع الأطراف القانونية والقضائية المعنية.

وتتألف لجنة الوساطة المستقلة من خبراء قضائيين وقانونيين ليبيين بارزين، من بينهم القاضي المتقاعد حسين البوعيشي، والدكتور الكوني عبودة، والقاضي المتقاعد المبروك الفخري، والمحامي عصام الماوي، والذين يتمتعون بخبرة عقود طويلة في خدمة النظامين القضائي والقانوني الليبي، وفق ما ذكرت البعثة الأممية التي لفتت إلى أن دورها يقتصر على تقديم دعم فني محدود وفي حال طلب منها ذلك، دون المشاركة في جلسات اللجنة أو اجتماعاتها مع الأطراف الليبية.

وأشارت إلى أن المقترحات الثلاثة التي قدمتها اللجنة في شهر مارس الماضي تمثل الحد الأدنى الضروري لصون استقلال السلطة القضائية ونزاهتها ووحدتها، وأن هذه المقترحات تأتي استجابة لمقتضيات المصلحة العامة وضرورات الدفع بالمرحلة الانتقالية في ليبيا نحو آفاق الاستقرار.

ما مستقبل الأزمة؟

قال أستاذ القانون الدولي، الدكتور محمد الزبيدي، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن الأزمة القضائية الراهنة في ليبيا تمثل أخطر حلقات الانقسام المؤسسي، محذرا من تداعياتها على وحدة الدولة، في ظل تداخل العوامل القانونية والسياسية وفشل جهود الوساطة حتى الآن.

وأوضح الزبيدي أن الجهاز القضائي كان يُعد، إلى جانب مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، أحد آخر الأعمدة التي ظلت بعيدة نسبيا عن الانقسام بين شرق البلاد وغربها، إلا أن التطورات الأخيرة دفعت به إلى قلب التجاذبات السياسية، بما يهدد بتكريس واقع الانقسام.

وأشار إلى أن "جذور الأزمة تعود إلى تعديلات تشريعية أقرها مجلس النواب الليبي، شملت إعادة تنظيم مجلس القضاء الأعلى والمحكمة العليا"، معتبرا أن "هذه الخطوة فتحت الباب أمام ازدواجية المؤسسات القضائية، إذ أن تعيين رئيس جديد للمحكمة العليا جاء في سياق صدام مع أحكام الدائرة الدستورية، التي تأثرت بدورها بالاستقطاب السياسي".

وبيّن الزبيدي أن "إعادة تفعيل الدائرة الدستورية في طرابلس قوبلت برد من مجلس النواب تمثل في إنشاء محكمة دستورية موازية في بنغازي، ما أدى إلى وجود كيانين دستوريين متوازيين، تصدر عنهما أحكام متضاربة لا يُعترف بها بشكل متبادل بين الشرق والغرب".

واسترسل أستاذ القانون الدولي الليبي قائلا إن "الأزمة تعمقت أكثر مع تعديل قانون مجلس القضاء الأعلى، حيث نشأ وضع غير مسبوق بوجود مجلسين للقضاء، أحدهما في بنغازي يستند إلى التشريعات الجديدة، وآخر في طرابلس يتمسك بالإطار القانوني السابق، وأدى ذلك إلى حالة من الارتباك داخل المنظومة القضائية، خاصة فيما يتعلق بقرارات التعيين والترقية والنقل، التي باتت محل نزاع وعدم اعتراف متبادل".

ونبّه الزبيدي من أن "هذا الانقسام ينعكس مباشرة على العدالة، إذ قد تصدر أحكام قضائية في إحدى المنطقتين دون أن تحظى بأي حجية قانونية في الأخرى، بما يقوّض مبدأ وحدة القضاء ويضعف ثقة المواطنين في منظومة العدالة".

وفيما يتعلق بدور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أكد أنها "حاولت التدخل لاحتواء الأزمة ودعم مسارات الوساطة، إلا أن جهودها لم تحقق اختراقا يُذكر، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه، سواء بشأن المحكمة الدستورية أو مجلس القضاء الأعلى".

وشدد الزبيدي على أن حل الأزمة القضائية لا يمكن فصله عن المسار السياسي العام، معتبرا أن المخرج الحقيقي يكمن في إجراء انتخابات نيابية جديدة تُفرز سلطة تشريعية موحدة قادرة على إعادة بناء المؤسسات على أسس توافقية، كما أن بعض الطروحات الدولية، ومنها مبادرات لتشكيل سلطة تنفيذية جديدة وإعادة هيكلة المشهد السياسي، قد تفتح نافذة لتقليص حدة الانقسام، إذا ما حظيت بدعم دولي حقيقي وإرادة داخلية.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا