آخر الأخبار

أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. كيف صنع كل طرف سرديته بعد 40 يوما من القتال؟

شارك

في كتابه "فن الصفقة" الصادر عام 1987، كتب دونالد ترمب واصفا فلسفته التي صعد بها إلى عالم المال: "أسلوبي في عقد الصفقات بسيط ومباشر للغاية، أضع أهدافا عالية جدا، ثم أستمر في الدفع والدفع والدفع للحصول على ما أريد. أحيانا أرضى بأقل مما سعيت إليه، ولكن في معظم الحالات ينتهي بي الأمر بالحصول على ما أريده".

وفي ساحات الحرب بين واشنطن وطهران، رفع ترمب سقف مطالبه إلى حد "تغيير النظام"، واستمر في الدفع العسكري العنيف لانتزاع التنازلات من طهران على مدار نحو 40 يوما من المواجهة المفتوحة.

لكنه اصطدم بخصم لا يقرأ من كتاب الصفقات، حيث النصر لا يقاس بما تكسبه من أرباح، بل بما ترفض التنازل عنه من أهداف، هذا الاستعصاء لم يتوافق مع فهم ترمب لكيفية عقد الصفقات، إذ بدا أن الطرفان لا يتقاتلان في ميدان واحد، بل في عالمين متوازيين، فبينما يراقب البيت الأبيض شاشات البورصة وأسعار النفط ليعلن انتصاره بلغة الأرقام، تنشغل طهران بصياغة مفهوم آخر للنصر وهو "البقاء".

مصدر الصورة ترمب أثار موجة جدل واسعة بإعلانه المفاجئ تعليق قصف إيران قبل دقائق من انتهاء مهلته الحاسمة (الجزيرة)

حين تتحول الأرقام إلى روايتين متناقضتين

في هذه الحرب، لا يختلف الطرفان على الأرقام، بل على معناها، فبينما ترى واشنطن في انهيار العملة شللا تدريجيا للدولة، تعيد طهران تعريفه كعملية "فطام قسري" عن النظام المالي العالمي، مما يحوّل المؤشر الاقتصادي من دليل هزيمة إلى مفهوم "للنصر".

بالنسبة لترمب، النصر يُقاس بـ17%، وهي نسبة هبوط أسعار النفط فور إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، كما ترى واشنطن أنها نجحت في "إخضاع" طهران لفتح مضيق هرمز وتأمين تدفق إمدادات الطاقة، معتبرة أن الأرقام الاقتصادية هي الحكم النهائي، في حين تعتمد طهران سردية الرموز، إذ يرى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن "البقاء هو الفوز".

إعلان

واعتبرت طهران القرار انتصارا تاريخيا لها، وقالت إنها قبلت بهذا الوقف المؤقت للقتال بناء على نصيحة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ونظرا لما وصفته بتفوقها العسكري في الميدان.

فبرغم مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي واستهداف القدرات العسكرية والبنى التحتية والجسور، سُوّق الاتفاق كـ"هزيمة نكراء للعدو"، لأن إيران أجبرت البيت الأبيض على التراجع عن تهديدات الإبادة وقبول التفاوض في إسلام آباد.

ورغم انخفاض الهجمات الصاروخية الإيرانية بنسبة 90%، وإغراق 90% من بحريتها، ومقتل أكثر من 250 قائدا إيرانيا بمن فيهم المرشد الأعلى، وفق الرواية الأمريكية، فإن آثار هذه الضربات تقصر عن تحقيق الأهداف الأكثر طموحا.

ويبين مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) أن الرهان الإيراني الحقيقي لم يكن يوما على التكافؤ العسكري، بل على "رأس المال البشري" والقدرة على التحمل، وفرض التكاليف الإستراتيجية التي تجعل من النصر التكتيكي الأمريكي عبئاً إستراتيجياً طويلاً.

مصدر الصورة إيرانيون يحتفلون بوقف الحرب مؤقتًا (الفرنسية)

تفكيك إستراتيجية الأهداف

بات واضحا أن هناك فجوة إستراتيجية عميقة اتسعت بمرور أسابيع الحرب، فبينما كانت الأهداف الأمريكية الأولية تتسم بـ"الطموح الأقصى" -المتمثل في تغيير النظام وتفكيك القدرات النووية بالكامل وصناعة حليف جديد في طهران- انتهى المطاف بواشنطن وهي تحاول تسويق "تأمين مضيق هرمز" كصورة للنصر النهائي.

وهنا تبرز القاعدة الذهبية في حروب السرديات: "كلما كبر الهدف الأصلي، اتسع مفهوم الفشل عند التراجع عنه"، وفقا لمحللين.

وفي إطار سردية النصر التي تتشكل، قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث إن بلاده حققت كل الأهداف التي وضعتها منذ اليوم الأول للحرب التي شنتها مع إسرائيل على طهران، مشددا على أن ما سمّاه النظام الإيراني الجديد "أدرك أن الصفقة أفضل بكثير من المصير الذي كان ينتظره".

وأضاف الوزير الأمريكي أن عملية " الغضب الملحمي" كانت "نصرا عسكريا وتاريخيا بجميع المقاييس"، مشيدا بالرئيس دونالد ترمب الذي قال إنه "صاغ هذه اللحظة"، وزاعما أن إيران توسلت من أجل وقف إطلاق النار.

في المقابل، يرى محللون أن طهران أدارت معركتها وفق رؤية إستراتيجية تعتبر أن النجاة من القصف هي بحد ذاتها نصر سياسي يعطل أهداف الخصم. وقد راهنت على إزاحة الثقل من خلال التركيز على إستراتيجية التحمل وفرض التكاليف، ونقل الصراع من "الداخل الإيراني" المحاصر إلى "الخارج العالمي" المتضرر من انقطاع سلاسل الإمداد، وفقا لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.

بهذا المعنى، لم تكن الحرب مجرد اشتباك عسكري، بل كانت اختباراً لقدرة واشنطن على الصمود أمام "طول أمد الأهداف"، وقدرة طهران على استغلال "صلابة البيروقراطية" و"ثقل الجغرافيا".

سلاح الجغرافيا

أثبتت الحرب أن القوة العسكرية ليست كافية لتحقيق الحسم المطلق، إذ استخدمت طهران سلاح الجغرافيا (مضيق هرمز) لليّ ذراع الاقتصاد العالمي، وأبقت الجبهات مشتعلة في لبنان والعراق، مما أثبت أن السيطرة على "الأرض" تمنح قدرة على المناورة لا تملكها التكنولوجيا المتطورة.

إعلان

فالمشكلة بالنسبة لترمب تكمن في أن قواعده القائمة على "التسوية والمعاملات التجارية" لم تجدِ نفعا أمام طهران التي ترى أن النصر ليس مسألة فوز، بل هو ببساطة "عدم خسارة"، إذ سارعت القنوات الرسمية إلى ترويج سردية النصر من خلال استضافة خبراء ونواب برلمانيين لتعداد "أبعاد الهزيمة التي لحقت ب التحالف الأمريكي الإسرائيلي وما حققه الصمود الإيراني على مدى 40 يوما".

ويقول المحلل الإيراني الأمريكي كريم سجاد بور في مقال لمجلة "ذا أتلانتيك": "أيديولوجية النظام هي المقاومة، وإستراتيجيته هي الفوضى، وهدفه النهائي هو البقاء"، وإن العداء لواشنطن بالنسبة لهذه القيادة ليس ورقة مساومة، بل هو "أمن وجودي"، فأي صفقة تتطلب التخلي عنه هي تهديد وجودي أكبر من الحرب ذاتها.

في المقابل، حاولت واشنطن فرض "سقف خانق" من خلال التحكم في المواعيد النهائية والقنوات المالية، مما دفع إيران للمسارعة إلى التفاوض لإنقاذ بنيتها التحتية.

مصدر الصورة ترمب كرر موضوع حسم الحرب في أغلب المناسبات (أسوشيتد برس)

صناعة "لا غالب ولا مغلوب"

هنا نجد قمة استخدام أدوات التسويق السياسي، إذ خاطب ترمب "العقل الغربي" القلق من تكاليف المعيشة، مصوراً نفسه كالبطل الذي منع كارثة اقتصادية وحَمَى الملاحة الدولية.

بينما خاطبت طهران "الشارع الثوري" بصور السلاسل البشرية حول محطات الطاقة لحمايتها من القصف، محولة الرعب الشعبي إلى ملحمة وطنية.

وهنا برز دور باكستان كحلقة وصل وفّرت لترمب "مخرجا مشرّفا" ولإيران "طوق نجاة"، مما يؤكد أن السرديات المتصادمة تحتاج دائما لمنصة إقليمية لإعلان التعادل السلبي، وفقا لمحللين.

وفي ذروة الحرب، ظهر نوع من التذبذب في السردية الأمريكية الرسمية؛ فبينما كان الرئيس ترمب يحاول تسويق "النصر" أمام حشوده الانتخابية، كانت التحركات العسكرية على الأرض تنطق بلغة مختلفة.

ففي الوقت الذي أعلن فيه أن تصفية علي خامنئي في الساعة الأولى كانت تعني أن الأمر "انتهى"، عاد في اللحظة ذاتها ليؤكد بلهجة مشوبة بالحذر: "علينا أن ننهي المهمة، أليس كذلك؟".

هذا التناقض -بحسب محللين- بين شعار "لقد فزنا" والحاجة المستمرة لـ"قنابل خارقة للتحصينات" يثبت جوهر فكرة التعادل المر، فواشنطن تدرك أن أي ادعاء للنصر سيظل "أجوف" ما لم يتم كسر إرادة الصمود الإيرانية، التي انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة إلى حرب استنزاف إستراتيجية تحت الأرض وعلى ضفاف المضيق.

ومع ذلك، أدرك البيت الأبيض -ولو متأخرا- أن مقياس النجاح الإيراني لم يكن عسكريا قط، بل كان اقتصادياً واجتماعياً يضرب الداخل الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي. وأمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما قبول شروط إيران لإنهاء الحرب أو الانزلاق في "حرب أبدية" تستنزف الموارد والشرعية، اختار ترمب نصيحة وينستون تشرشل الشهيرة: "الكلام أفضل من الحرب".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا