في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وسط تصاعد محموم للتهديدات بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت المنطقة نفقا شديد الحساسية مع قرب نفاد المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطهران لإبرام اتفاق بشروط أمريكية.
وبينما يرى مراقبون في لغة ترمب العنيفة محاولة لفرض إيقاع تفاوضي بالقوة، يحذر خبراء عسكريون وقانونيون من أن ترجمة هذه التهديدات ميدانيا قد تعني انزلاقا نحو مواجهة غير تقليدية تهدد الوجود البشري والحضاري في المنطقة.
فقد أعلن ترمب، على منصته "تروث سوشيال"، أن "حضارة كاملة ستُحتضر الليلة" في حالة عدم الوصول إلى اتفاق مع اقتراب نهاية المهلة (فجر الأربعاء بتوقيت مكة المكرمة)، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات وجودية.
فقد أشارت مراسلة الجزيرة في واشنطن وجد وقفي إلى أن وعيد ترمب جاء في توقيت حساس تزامنا مع زيارته المجر، فهو لم يكتفِ بالتهديد العسكري، بل رسم إطارا زمنيا وتاريخيا للمواجهة، معتبرا أن "47 عاما من الابتزاز والفساد والموت ستنتهي أخيرا".
من جانبه، يرى ريتشارد وايتس خبير الأمن والإستراتيجية العسكرية في مؤسسة ويكستراد أن تحرك ترمب بعد التحذير يفتقر إلى البيروقراطية التقليدية؛ فهو يتجاوز مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، ويعتمد على "القرار الفردي" الذي يربك الخصوم والحلفاء على حد سواء.
كما اعتبر أن وعيد الرئيس رغم حدة لغته، أظهر مرونة براغماتية، مما يجعل تحركه بعد التحذير محاولة لجس نبض الاستجابة الإيرانية الأخيرة قبل الضغط على الزناد.
من المنظور العسكري، ذهب العميد حسن جوني، الخبير العسكري والإستراتيجي، إلى أن تنفيذ تهديد بمحو "حضارة" خلال ساعات -كما ورد في التغريدة- لا يمكن تحقيقه عبر الأسلحة التقليدية.
وأكد جوني أن الحضارة هي "تاريخ وجغرافيا وثقافة شعب"، وتدميرها بهذا المعنى يتطلب عسكريا اللجوء إلى "الأسلحة النووية"، وهو ما يضع المنطقة أمام سيناريو إبادة جغرافية وتاريخية شاملة.
وفي السياق ذاته، تضيف نيغار مرتضوي كبيرة الباحثين في مركز السياسة الدولية بعدا قانونيا وإنسانيا لهذا السيناريو، مؤكدة أن "القضاء على حضارة" واستهداف المستشفيات والمدارس والبنى التحتية هو تعريف قانوني صريح لـ"جرائم الحرب".
واعتبرت الخبيرة القانونية أن ترمب يهدف لإيصال رسالة مفادها أن الحرب المقبلة لن تكون ضد "النظام" فحسب، بل ضد إيران ككيان وشعب وتاريخ، وهو ما يرفع كلفة الحرب إلى مستويات أخلاقية وقانونية لم يشهدها العصر الحديث.
أما الباحث المختص في القانون الدولي سليم زخور فيرى أن حدة الخطاب هي وسيلة لفرض "إيقاع تفاوضي" قوي، مستشهدا بنجاح هذا الأسلوب في دفع طهران للرد عبر قنوات وسيطة مثل سلطنة عُمان وباكستان.
لفتت مراسلة الجزيرة في واشنطن وجد وقفي إلى الأرقام والتفاصيل الخاصة بالحشود الأمريكية خلال الأيام العشرة الماضية، فقد تم رصد نقل أكثر من 5 آلاف جندي من قوات مشاة البحرية ( المارينز) والعمليات الخاصة، وفرقة كاملة من المظليين، بالإضافة إلى ثلاث سفن حربية وأكثر من ألف بحار.
هذه الحشود -حسب وقفي- ليست مجرد "استعراض قوة"، بل هي جاهزية قتالية للقيام بعمليات "برمائية وبرية" إذا اقتضت الضرورة لإنهاء المهمة كما يراها ترمب.
وما يعزز هذه الاحتمالية هو "بنك الأهداف" الذي بدأت وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) في استهدافه بالفعل، مثل جزيرة خارك، حيث تم قصف مخابئ ومستودعات ذخيرة ومنصات رادار، في رسالة عملية بأن المهلة قد انتهت وبدأ التنفيذ.
وبدوره، يؤيد العميد حسن جوني فكرة أن التحرك البري يظل خيارا قائما إذا كان الهدف هو "التغيير الشامل"، لكنه يحذر من أن جغرافيا إيران المعقدة تجعل الاجتياح البري مغامرة كبرى قد تستنزف القوات الأمريكية.
ومع ذلك، فإن إصرار ترمب على "النصر الكامل" والضغط الشعبي الداخلي قد يدفعانه نحو مغامرة برية محدودة تستهدف مراكز الثقل الإستراتيجي لفرض واقع سياسي جديد.
هنا ينقسم المحللون حول فهم نوايا الرئيس الأمريكي من التصعيد، فقد رأى الباحث بالقانون الدولي سليم زخور أن وعيد ترمب هو "أداة تفاوضية بامتياز"، ويعتقد أنه يراهن على أن هذا الضغط سيؤدي إلى تصدع في الداخل الإيراني، مما يدفع "العقلاء" أو "المعتدلين" داخل النظام للقبول بالشروط الأمريكية لتفادي الكارثة.
ولفتت وجد وقفي إلى أن المزاج العام في واشنطن -خاصة لدى مستشاري البيت الأبيض مثل السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام- يدفع نحو "الحسم النهائي".
كما أن ترمب نفسه يواجه ضغوطا من شارعه الأمريكي الذي يعاني من تبعات الحرب الاقتصادية؛ حيث ارتفعت أسعار الوقود بنسبة 40%، وبات المواطن الأمريكي يطالب بـ"إنهاء الملف" بأي وسيلة كانت.
بدوره، أضاف الخبير الإستراتيجي ريتشارد وايتس أن ترمب قد يجد نفسه مضطرا لتنفيذ جزء من وعيده "لحفظ ماء الوجه" إذا انتهت المهلة دون استجابة إيرانية واضحة.
لكنه يستدرك بأن ترمب هو "رجل صفقات" في المقام الأول، فإذا ما لوّحت طهران بتنازل حقيقي في الدقائق الأخيرة، فإن سيناريو الإبادة سيتحول فورا إلى "سيناريو احتفالي باتفاق تاريخي".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة