آخر الأخبار

ضجيج المُسيّرات الإسرائيلية يهز الأمن النفسي للبنانيين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بيروت- لم تكن عايدة تتخيل أن يتحول صوت في السماء إلى ثقل يومي يلازمها أينما ذهبت، ويصير الضجيج جزءا من تفاصيل يومها.

لكن ذلك حصل، فاليوم لا تغيب الطائرات المسيّرة الإسرائيلية عن السماء، و"هي دائما موجودة، لا تُرى بقدر ما تُسمع"، و"أحيانا أشعر وكأنها داخل البيت، وفوق رؤوسنا تماما. الصوت لا يحتمل، والصداع لا يفارقني".

وهذا الصوت، الذي لا ينقطع، لا يترك مجالا لالتقاط أنفاس هادئة، يتحول إلى رفيق ثقيل، يتسلل إلى الغرف، ويكسر سكون الليل، لم تعد السماء فضاء مفتوحا للطمأنينة بل مصدرا دائما للقلق.

مصدر الصورة مهام المُسيّرات تتجاوز الرصد والترقب إلى تنفيذ ضربات قاتلة في لبنان (الجزيرة)

إرهاق يومي

وحال فاطمة ليس ببعيد، إذ تختصر التجربة بكلمات أقل وأكثر عمقا، وتخبر الجزيرة نت بأنها " حرب نفسية"، مؤكدة أن الإنسان قد يحتمل هذا الصوت لدقائق، "لكن عندما يستمر لساعات، يبدأ كل شيء بالتراكم، توتر وقلق وضغط لا يهدأ".

وبالنسبة لها، لا تكمن القسوة في شدة الصوت بقدر ما هي في استمراريته، وذلك الإحساس بأن لا مهرب منه.

ولا يبدو صوت المُسيّرات مجرد ضجيج عابر، بل تجربة نفسية يومية، تفرض إيقاعها على تفاصيل الحياة، طنينٌ متواصل يرافق الناس في منازلهم، وأماكن عملهم، وحتى في لحظات الراحة القليلة التي يحاولون انتزاعها من يوم مثقل.

ومن شرفة منزلها، تراقب ميرفت أرناؤوط السماء بعين اعتادت المشهد، ولم تعد تنظر بدهشة، بل بنوع من التكيف القلق، قائلة للجزيرة نت "أسمعها بوضوح وأراها كيف تدور، أحيانا أنادي أختي لتراها"، لا تتحدث عن خوف مباشر، لكنها تشير إلى أثر آخر أكثر خفاء، "وجع في الرأس، وإرهاق من الصوت نفسه"، حسب تعبيرها.

أما سلوى مملوك، فتلفت إلى الوجه الأكثر هشاشة في هذه الحالة: الأطفال، وتقول للجزيرة نت إن الأثر لا يحتاج إلى تفسير معقد، "الصوت وحده يكفي، والخوف، والبكاء، والارتباك"، مضيفة أن الأطفال لا يفهمون ما يجري "لكن أجسادهم تستجيب وكأنها تعرف أن هناك خطرا حتى لو لم تره".

إعلان

ولم تعد المُسيّرات في سماء لبنان مجرد أدوات تحليق أو مراقبة، بل جزءا مما يصفه مختصون بـ"حرب الضجيج"، حيث يُستخدم الصوت كسلاح غير مرئي، سلاح لا يُدمّر الأبنية لكنه يتسلل إلى الداخل، إلى الإحساس بالأمان، ويضع الإنسان في حالة ترقّب مستمر.

ضجيج ومهام حربية

وفي السياق، اعتبر خبير الأمن السيبراني و الذكاء الاصطناعي، رولان أبي نجم، أن المُسيّرات لم تعد مجرد طائرات تحلق في السماء بل تحولت إلى أنظمة متكاملة تضم تقنيات متقدمة، من أدوات التجسس وكاميرات المراقبة إلى تجهيزات قتالية قد تشمل صواريخ أو مواد متفجرة، مما يتيح لها تنفيذ مهام هجومية بشكل ذاتي أو موجه.

وأضاف، للجزيرة نت، أن التأثير لا يقتصر على الاستخدام العسكري المباشر، إذ يشكل الصوت الصادر عنها عاملا نفسيا في حدّ ذاته، فهذا الصوت، الناتج عن مراوحها، يكون واضحا بفعل تحليقها على علو منخفض ومع ما يرافقه من انعكاسات صوتية، يخلق حالة من التوتر والقلق، تُصنَّف ضمن أدوات الحرب النفسية حتى قبل وقوع أي استهداف.

وفيما يتعلق بآلية عملها، يُوضّح أبي نجم أن المسيرات تُدار إما عبر الترددات اللاسلكية عندما تكون ضمن نطاق قريب، أو عن طريق الأقمار الصناعية في حال كانت على مسافات بعيدة، مما يتيح التحكم بها من مسافات تمتد لعدة كيلومترات، وأحيانا أكثر وفق قدراتها التقنية.

مصدر الصورة المُسيّرات الإسرائيلية تنفذ مهمات استطلاعية وتنفذ غارات على الأحياء المدنية (الجزيرة)

وتتراوح مهامها -بحسبه- بين الرصد والمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية مع قدرتها على العمل ليلا ونهارا، كما يمكن لبعضها جمع بيانات بيومترية (تقنية لتحديد الهوية)، مثل بصمة الصوت أو التعرُّف على الوجوه، في ظل تنوع كبير في أنواعها واستخداماتها.

وفي سياق مواجهة هذا التهديد، لفت الخبير السيبراني إلى أن الحد من تأثير المُسيّرات ممكن من الناحية التقنية لكنه يظل مرتفع الكلفة، فبعض الدول تعتمد على صواريخ (أرض جو) لاعتراضها، غير أن كلفتها غالبا ما تتجاوز بكثير كلفة المُسيّرات نفسها، مما يفرض أعباء مالية كبيرة، لا سيما مع استخدامها بأعداد كبيرة.

ولفت أبي نجم إلى أن الواقع اللبناني يختلف عن دول تمتلك منظومات دفاعية متكاملة، إذ إنّ التعامل مع هذا النوع من التهديد لا يجري ضمن إطار حكومي شامل، مما يحدّ من القدرات التقنية والعسكرية على المواجهة، خصوصا في ظل انتشار المُسيّرات على نطاق جغرافي واسع.

الأطفال.. الأكثر تضررا

من جهته، أوضح المختص والمعالج النفسي جورج أبو مرعي، في حديثه للجزيرة نت، أن أصوات المُسيّرات لا تندرج ضمن الضجيج العابر، بل تُمثّل عامل ضغط نفسي مزمن، نظرا لاستمراريتها وغموضها وارتباطها بإمكانية الخطر، فالصوت هنا لا يسمع فقط بل يعاش كحالة ترقُّب دائمة، تُبقي الإنسان في توتر مستمر حتى في غياب تهديد مباشر.

وهذا النوع من الأصوات -وفق أبو مرعي- يضرب أحد أهم أسس التوازن النفسي، وهو الإحساس بالسيطرة، فمع صوت المُسيّرات يفقد الفرد قدرته على التنبؤ: متى يبدأ الصوت؟ ومتى ينتهي؟ وهل يحمل خطرا فعليا؟ هذا الغموض يضع الدماغ في حالة استنفار دائم، ويؤدي إلى ما يُعرف بـ"الضغط المزمن"، حيث يبقى الجسم في حالة تأهّب مستمرة.

إعلان

ومن الناحية العصبية، نبّه أبو مرعي إلى أن تكرار الصوت المرتبط بالخطر يُبقي اللوزة الدماغية في حالة إنذار دائم، مما يفعل استجابة "القتال أو الهروب" بشكل مستمر، دون وجود نهاية واضحة للتهديد، ومع الوقت يتحول هذا التنشيط إلى عبء نفسي وجسدي، تظهر آثاره في الإرهاق، وضعف التركيز، وفرط اليقظة، وحتى أعراض جسدية كآلام الرأس والمعدة.

أما لدى الأطفال، فيأخذ التأثير بعدا أكثر عمقا وخطورة، فالطفل لا يمتلك القدرة على تفسير مصدر الصوت أو طبيعته، بل يتعامل معه كإشارة مباشرة على الخطر، لذلك يتحوُّل صوت المُسيّرات بالنسبة إليه إلى "لغة تهديد" تربك إحساسه الأساسي بالأمان.

مصدر الصورة رجل يحمل طفلين هاربا من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حيّا في بلدة مية مية شرق صيدا جنوب لبنان (الفرنسية)

وأضاف المختص أبو مرعي أن هذه التأثيرات تظهر بوضوح في سلوك الأطفال اليومي، من خلال الخوف المفاجئ، والبكاء المتكرر، والتعلّق الزائد بالأهل، ورفض النوم بمفردهم، واضطرابات النوم، فضلا عن العصبية أو الانسحاب.

وحذّر من أن استمرار هذا النمط من الضجيج قد يرسخ لدى الطفل شعورا دائما بانعدام الأمان، مما قد ينعكس على نموه النفسي على المدى الطويل، ويُؤسس لحالات قلق مزمن أو اضطرابات سلوكية.

وفي المقابل، شدد على أن دور الأهل يبقى حاسما في التخفيف من هذا الأثر عبر توفير الطمأنينة، والبقاء إلى جانب الطفل أثناء الأصوات المقلقة، وتفسير ما يحدث بلغة بسيطة إضافة للحفاظ على روتين يومي مستقر، والحد من تعرّضه لمصادر الخوف.

وخلص أبو مرعي إلى أن أخطر ما تفعله أصوات المُسيّرات ليس شدة الصوت بحد ذاته بل قدرتها على خلق بيئة نفسية قائمة على التهديد المستمر، حيث يعيش الطفل وكذلك البالغ في حالة خوف لا يرى، لكنه يثقل يومياته ويُقوّض شعوره بالأمان.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا