جسد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الموجه للأمة حول الحرب الإيرانية، والذي استغرق 19 دقيقة، سردية إستراتيجية تتمحور حول "النصر الوشيك"، وذلك في وقت تتشابك فيه التناقضات العملياتية والسياسية والقانونية، دون وجود حل واضح يلوح في الأفق.
وبينما يصر الخطاب- بلهجة حادة- على أن الأهداف الأمريكية للحرب باتت الآن "في المتناول"، فإنه يشير في الوقت ذاته إلى تصعيد مستمر، ويفتقر إلى رؤية واضحة لما بعد الحرب، أو خطة خروج منظمة، كما يظل مغلفا بغموض متعمد بشأن النتيجة النهائية، ووضع حد للأعمال القتالية.
وفي تقدير مجموعة من المحللين العسكريين المخضرمين- أمثال العقيد المتقاعد لورانس ويلكرسون (رئيس أركان وزير الخارجية الأسبق الجنرال كولن باول)، والعقيد المتقاعد دوغلاس ماكغريغور، ومحلل وكالة المخابرات المركزية السابق لاري جونسون- فإن تصريحات ترمب لا تكشف عن خطة متماسكة، بل عن فراغ في التخطيط، بدأ يتسرب إليه شعور باليأس.
فيما وراء الخطاب
يعكس الخطاب نزعة كلاسيكية ترتكز على مبدأ "إعلان النصر مع الاحتفاظ بأدوات الإكراه". وهذا يوحي بأن البيت الأبيض يسعى جاهدا لهندسة ظروف نظام ما بعد الصراع، مما يعني أنه لم يحقق نصرا عسكريا حاسما على أرض الواقع.
وبعبارة أخرى، تبدو محاولة ترمب الخطابية بمثابة مسعى هش لانتزاع "نصر" عبر البلاغة الرنانة، والسرديات الخيالية، والضغط النفسي، في انفصال تام عن حقائق الميدان؛ فما أسهل صوغ الكلمات، بينما تظل الوقائع عصية على التزييف.
لقد ركز خطاب الرئيس ترمب في الأول من أبريل/نيسان على تعزيز الانطباع بتحقيق نجاح عسكري شبه كامل، زاعما أن الحملة قد دمرت القوات البحرية والجوية الإيرانية، وشلت برنامج الصواريخ الباليستية، وحيدت القدرات النووية المرتبطة بالتخصيب.
ومع ذلك، تكشف التقارير عن فجوة عميقة بين هذه السردية والواقع؛ إذ لا تزال إيران تمتلك القدرة على توجيه ضربات انتقامية، كما نجحت في تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، وأمنت الجزء الأكبر من موادها النووية المتبقية.
كما يكشف الخطاب عن غياب هدف نهائي واضح، أو مخرج آمن، أو مسار دبلوماسي لخفض التصعيد. فهو لا يتضمن أي جدول زمني، ويلمح إلى الاستمرار في استهداف البنية التحتية للطاقة- وهو مسار يُصنف على نطاق واسع كجريمة حرب بموجب القانون الدولي- مع الإشارة إلى أن العمليات قد تستمر حتى بعد "تحقيق الأهداف". مما يضاعف من مخاطر "توسع المهام" (Mission Creep)- دون أفق حاسم- على غرار المغامرات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان.
أما على الصعيد الداخلي، فقد سعى الخطاب إلى طمأنة جمهور أمريكي منهك، يعارض أكثر من 60% منه هذه الحرب التي يرونها مدفوعة بـ"إملاءات إسرائيلية". كما أنه حاول التلاعب بالأسواق القلقة عبر تقديم مزاعم بإمكانية "إغلاق" الملف الإيراني في غضون أسابيع.
ما هي المشكلة؟
أما جوهر المشكلة فيتمثل في تمسك الولايات المتحدة وإسرائيل- كقوتين نوويتين- بنهج تقليدي في الحروب يعود للقرن العشرين في استخدام القوة التقليدية؛ وفي المقابل، تعمد إيران لتوظيف أدوات القرن الحادي والعشرين المستمدة من أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR)، مما يفرض رقابة مستمرة وشبه فورية على مسرح العمليات.
وتمتد هذه المظلة المعلوماتية-السيبرانية من بيانات أقمار صناعية حليفة، وصولا إلى أهداف أرضية محددة بدقة، يتم تحديثها في الوقت الفعلي عبر تدفقات المراقبة المباشرة.
والنتيجة تتبدى في كون الولايات المتحدة وإسرائيل، قد استنزفتا بشدة مخزونهما من الصواريخ الدفاعية الاعتراضية؛ بدءا من نظام "ثاد" (THAAD) الأمريكي بعيد المدى، ونظام "باتريوت" المتطور (PAC-3)، وصولا إلى نظام "آرو 3" (Arrow 3) الإسرائيلي المخصص للاعتراض خارج الغلاف الجوي، وأمام هذه المعضلة الدفاعية مع تضاؤل فرص إعادة التزويد، يغدو السيناريو الحالي محفوفا بالمخاطر، وغير مستقر إلى أقصى الحدود.
ومن ثم نجد أن النتيجة العسكرية الراهنة هي حالة من "الجمود غير الحاسم"؛ إذ لا تجد المزاعم الأمريكية والإسرائيلية حول "النجاح العملياتي" أي تأكيد أو داعم لها في مؤشرات ساحة المعركة، في حين تزداد التبعات السياسية سوءا بالنسبة لواشنطن وتل أبيب على الصعيدين؛ الداخلي والدولي.
وفي ظل هذه الظروف، تشير التوقعات الإستراتيجية إلى استمرار العمليات الأمريكية والإسرائيلية بكثافة منخفضة إلى متوسطة، تقابلها ضربات انتقامية إيرانية.
الربح والخسارة
أما بخصوص تساؤل من الرابح ومن الخاسر، فيبدو البُعد العسكري مزيجا من المكاسب التكتيكية والإخفاقات الإستراتيجية. فبينما قد تحقق الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل نجاحا تكتيكيا في تدمير أهداف ثابتة فوق الأرض، وبنية تحتية مدنية، يظل النصر الحاسم بعيد المنال؛ نظرا لقدرة طهران على الرد بشكل "غير متماثل"، وتهديد الملاحة في هرمز، وباب المندب.
بيد أن الأبعاد السياسية والقانونية، تبدو أسوأ حالا؛ إذ تفتقر حرب العدوان الأمريكية-الإسرائيلية إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي، وتعد انتهاكا صارخا للمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستخدام القوة، أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية، أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
وبين حلفاء "الناتو"، يتصاعد الاستياء مع غياب الدعم الواسع للولايات المتحدة، بينما ينظر "الجنوب العالمي" إلى هذه الحرب- إلى حد كبير- كعمل عدواني غير قانوني.
وفي الداخل، تتزايد الضغوط الاقتصادية بشكل حتمي مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، مما ينذر بمخاطر انتخابية جسيمة للرئيس ترمب وحزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وكذلك لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الانتخابات العامة المقبلة في إسرائيل.
وفيما يخص البُعد الاقتصادي، فإنه يلحق بالولايات المتحدة ضررا إستراتيجيا ذاتيا؛ فقد تراجعت الأسهم العالمية وقفزت أسعار النفط فوق حاجز الـ100 دولار للبرميل.
كما تواجه الولايات المتحدة صدمات في أسعار الطاقة وارتفاعا في أسعار الفائدة بسوق السندات يتجاوز 5%، مما يعيق قدرتها على خدمة دين عام يبلغ 40 تريليون دولار، في وقت تتحدث فيه تقارير الخزانة عن عجز الحكومة عن سداد التزاماتها، وتفاقم أزمة الديون، وضغوط تضخمية حادة تقوض تماما أي مزاعم بتحقيق النصر.
ومن منظور تل أبيب، أدت الحرب إلى إنهاك الجيش الإسرائيلي، دون القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية، مما أبقى دوافع التصعيد قائمة على جبهات متعددة- في ظل الطموحات الإسرائيلية لإقامة "إسرائيل الكبرى".
وفي الوقت ذاته، يواجه الجيش الإسرائيلي خطر الانهيار الذاتي، كما حذر رئيس الأركان الفريق إيال زامير، حكومة نتنياهو.
ومع ذلك، تستمر حكومة نتنياهو وفصائلها الصهيونية المتطرفة في الدفع باتجاه استمرار العمليات العسكرية والاغتيالات، حتى لو خفضت واشنطن وتيرتها، مما يزيد بشكل حاد من خطر حدوث تصعيد شامل- خاصة إذا ظل هرمز وباب المندب مغلقين أمام حلفاء الولايات المتحدة، أو إذا وجهت إيران ضربات انتقامية غير متماثلة عبر أذرعها الإقليمية
مستقبل العمليات العسكرية
والخلاصة، أنّ الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل لم تحققا نصرا حاسما، وأي مكاسب تم إحرازها تقتصر على إنجازات تكتيكية مؤقتة، كان ثمنها التزامات باهظة في المنطقة، وخسائر متزايدة في الأرواح والعتاد، لا سيما في إسرائيل على يد حزب الله في لبنان.
فعلى المدى القصير- خلال الأشهر الثلاثة المقبلة- من المتوقع استمرار الصراع. فالخطاب الرئاسي يوحي بالالتزام بـ"الإجهاز" على الأهداف المتبقية، والاستعداد لضرب البنية التحتية للطاقة في إيران، رغم ما لذلك من تداعيات ترقى لجرائم حرب بموجب القوانين الدولية.
أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الصراع سينزلق نحو تصعيد متكرر وفق منطق "اضرب وتراجع"، مع خطر بروز سيناريوهات عمليات خاصة عالية المخاطر، مثل محاولات الاستيلاء على مخزونات اليورانيوم؛ وهو أمر قد يسفر عن خسائر بشرية مؤلمة، على غرار معركة "غاليبولي" (الدردنيل) خلال الحرب العالمية الأولى التي قُتل فيها عشرات الآلاف من قوات الحلفاء والعثمانيين.
إن الحرب الحالية ستستمر لأنها تقتات على قضايا عالقة، وعقيدة أمنية إسرائيلية مفرطة في الضربات الاستباقية واغتيالات قادة الصف الأول، يقابلها نمط إيراني يعتمد على أنظمة استطلاع متطورة.
وهذا ينذر بصراع مستمر منخفض إلى متوسط الكثافة، من شأنه أن يستنزف القوات الأمريكية والأصول الإسرائيلية تحت وطأة الضربات الانتقامية الإيرانية المتواصلة.
إستراتيجيا، يمكن تفسير خطاب ترمب على أنه محاولة للسيطرة على السردية، وصناعة نصر متخيل لاستباق الانتقادات الداخلية، خاصة من حركة "ماغا" (MAGA)، واستعراض القوة لانتزاع تنازلات دون الدخول في مفاوضات توحي بالندية مع طهران على طاولة التفاوض.
والهدف هو تصوير أي انسحاب مستقبلي للقوات الأمريكية من المنطقة على أنه "تم إنجاز المهمة". إن هذا النهج يقوض النظام الدولي القائم على القواعد، ويضعف سلطة مجلس الأمن الدولي، ويهدد بشكل مباشر أمن الطاقة والغذاء والأسواق المالية العالمية؛ فتعطيل مضيق هرمز يهدد التدفق العالمي للنفط والأسمدة، مما ينذر بركود، وتضخم حاد، وجوع شديد قد يطال الملايين.
ورغم هذا الفضاء الملبد بالغيوم، لا تزال هناك بارقة أمل دبلوماسية عبر المحادثات غير المباشرة والوساطة المحتملة من قبل أطراف موثوقة- مثل عُمان ومصر وتركيا، والاتحاد الأوروبي والصين.
الخاتمة
في ظل هذه الظروف، تظل احتمالية تجدد أو استمرار الهجمات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية مرتفعة للغاية، لا سيما في المجالين الجوي والبحري، مع بقاء المسار العملياتي مفتوحا لمزيد من الضربات التصعيدية والضربات الإيرانية المضادة.
إن خطر "توسع المهام" وانزلاق هذه الحرب إلى صراع ممتد- مع ما تحمله من احتمالات لتصعيد إقليمي أوسع- يظل قائما وبقوة، خاصة في ظل تهديد مضيقي هرمز وباب المندب، وما قد يطلقه هذا السيناريو من تداعيات جيوسياسية عابرة للحدود، قد لا تنطفئ نيرانها في المدى المنظور.
وفي الوقت الذي تبرز فيه الحاجة الملحة لوساطة الأمم المتحدة لـ"كبح سلم التصعيد"، يظل دورها وتأثيرها الفعلي على مجريات الأحداث مقيدا بموازين القوى السائدة، وحق النقض (الفيتو) الذي تمارسه الولايات المتحدة، والذي يمنح إسرائيل حصانة من المساءلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة