في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في فصلهما المنشور ضمن كتاب "العالم الشيعي: طرائق في التقليد والحداثة"، يقدم كل من زين قاسم وبريجيت بلومفيلد مقاربة تاريخية – أنثروبولوجية للذاكرة والخيال الشيعي. من المؤكد أن ثمة مركزية لأهل الكساء في الأدبيات الشيعية (وهم الواردون في حديث الكساء الشهير عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم)، ومع ذلك يشكل بيت الأحزان محورا أساسيا للرواية التاريخية الشيعية.
تقول الرواية إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بنى بيتا في البقيع بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لتأوي إليه فاطمة الزهراء وولداها الحسن والحسين للبكاء والعزاء بعيدا عن المدينة. وهكذا فإن السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ولما كانت زوجة للإمام علي وأما للحسنين، فكانت أما للإمامة عندهم، وهي في الآن عينه "سيدة بيت الأحزان" في المخيال الشيعي العام.
"السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ولما كانت زوجة للإمام علي وأما للحسنين، فكانت أما للإمامة عند الشيعة، وهي في الآن عينه سيدة بيت الأحزان في المخيال الشيعي العام".
يعرج الكاتبان قاسم وبلومفيلد على نماذج متعددة من إحياء الشيعة لهذا الطقس من الحزن، من "التعزية" الإيرانية (تشير التعزية في إيران إلى عدة شعائر، ولو أن الأشهر بينها إعادة تمثيل حادثة استشهاد الحسين، وهو تقليد انتشر على نطاق واسع منذ حكم القاجاريين)، إلى أشعار الجنان أو "ترانيم الحكمة" في جنوب آسيا وشبه القارة الهندية (التي تتمحور حول العلاقة بين المريد والإمام بما هو مستودع العلم ووارث النور الخالد)، وصولا أضرحة الخيزران في أماكن في جنوب شرق آسيا، والتي تغمر بالمياه في العاشر من المحرم.
كلها مراسم وشعائر يحييها الشيعة من رحم بيت الأحزان، الذي بات أشبه بمساحة من الوجدان الدائم الأسى. فضاء يستولد خيالا من الشجن، فيصير في اجتماعهم شعرا ومسرحا وطقوسا روحية تبالغ في الحزن والأسى. الشيعة بهذا المعنى جماعة روحية وإن اتخذت شكلا سياسيا مرات، فهم أقرب لمجموعة ذات صبغة صوفية حزينة، وكأنهم واحدة من فرق المتصوفة البكائين في التاريخ الإسلامي.
وفي الأدبيات الشيعية، يمتزج الأدب بالتصوف مرارا. مثلا، في قراءة "السيرة الحسينية" سيجد الباحث صعوبة في وضع حد فاصل بين الغيبي والمشهود. تقول الرواية إن حالة من الشهود أصابت أصحاب الحسين رضي الله عنه قبيل إقدامهم على المعركة في العاشر من المحرم عام 61 للهجرة، فبعد صلاة الظهر الأخيرة في ذلك اليوم، أبصر أصحاب الحسين حقيقة مقامهم في عالم الآخرة.
لذا، سنجد أن كل ما وقع في كربلاء (وفق تلك الرواية) كان مزجا بين عالمي الغيب والشهادة، فهذا الحسين ينادي أصحابه بقوله: "هذه الجنة قد فتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم، ويتباشرون بكم"، وهذا علي بن الحسين يعود عطشانا إلى أبيه ومضرجا بدمه ليقول: "يا أبت إني أرى رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى".
هذه الحالة البرزخية، تمثل فضاء رمزيا مكثفا لهوية أدبيةعرفانية، منطقية وغير منطقية في آن، وهو ما ينطبق أيضا على خطاب الشيعة السياسي وفق ما أشار إليه الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل. وعلى ذلك، يمكننا الجزم بأن الحزن على "أئمة الهدى" و"أنوار هذا العالم" و"معناه الأتم"، وهم الأئمة الاثنا عشر، هو ما يجمع الشيعة الإثنا عشرية حتى اليوم ويكوّن هويتهم كجماعة.
"يعتبر هنري كوربان أن مبدأ الجماعة أو الأمة الشيعية هو الركن الرابع في العقيدة الشيعية بعد التوحيد والنبوة والإمامة".
تعزز مثل هذه الافتراضات مقاربات هنري كوربان عن التشيع و عن "الإسلام في إيران". في كتابه "الشيعة الاثنا عشرية"، يعتبر هنري كوربان أن مبدأ الجماعة أو "الأمة الشيعية" هو الركن الرابع في العقيدة الشيعية من بعد التوحيد والنبوة والإمامة. إلا أن هذا الركن من العقيدة لا يتخذ معنى زمنيا ظاهرا، بل هو معنى "مندك بالروحانية". فالجماعة الشيعية برأيه هي "الإكليروس الروحاني"، ذلك أن "المراتبية التي تنطوي عليها مراتبية غير منظورة وخفية، مؤسسة على صفات الإنسان الروحاني وحدها.
ولئن غلب المنظور الاستشراقي في مقاربة كوربان، فإن هذا السؤال ظل مرافقا لقرون طوال للجماعة الشيعية. من هم الشيعة حقا؟ وما هي حقيقتهم؟ ينتقد كوربان في كتابه "عن الإسلام في إيران" اختصار الشيعة بكونهم مذهبا خامسا مضافا لمذاهب "الإسلام الرسمي" الأربعة.
والسبب في ذلك هو أن الهيمنة الفقهية على التشيع خلال حكم الصفويين، على حساب العرفان والحكمة الإلهية، يرجح أنها لعبت دورها في إبعاد الفضاء الشيعي عن واحدة من طباعه الأصيلة كجماعة روحية منفتحة على التأويل. ومرة جديدة، بعيدا عن مقاربة كوربان، يبدو سؤال الهوية لدى الشيعة حاضرا طوال تاريخهم، وبالمثل يبدو سؤال الحفاظ على الجماعة الشيعية حاضرا هو الآخر.
شكل سؤال التشيع والجماعة الشيعية محط اهتمام واختبار للطائفة طوال تاريخها. يتحدث أندرو جيه نيومان في كتاب "العالم الشيعي" عن 3 فترات عملت على تنضيج سؤال الهوية الشيعية وإجاباته المختلفة، وإن بنحو غير مباشر، الأولى: فترة ما قبل الدولة البويهية (945 – 1055)، والثانية: خلال الفترة المغولية/ التيمورية (1258 – 1501)، أما الثالثة فمن خلال الفترة الصفوية المبكرة (1501 – 1640).
يلاحظ نيومان أن تفتح المباحث العقلية وانغلاقها لدى الشيعة الاثنا عشرية لطالما كان متصلا بوضعية الشيعة الهوياتية كجماعة قبل كل شيء. كمثال، جاء أول كتاب شيعي جامع لأحاديث الأئمة الاثني عشر تحت عنوان "الكافي" كاستجابة من الكليني ومحدثي مدرسة قم (كانت قم آنذاك واحدة من مدرستين فقهيتين للشيعة في القرن الرابع الهجري) للميول العقلانية في بغداد فترة العباسيين، والتي نشطت فيها الحركة العقلية والفلسفية بنحو كبير. فكان الكافي أول محاولة لمأسسة المعتقد الشيعي والتفكير بالشيعة كجماعة ومذهب.
"كان كتاب الكافي للكليني أول محاولة لمأسسة المعتقد الشيعي والتفكير بالشيعة كجماعة ومذهب".
أما الفترة البويهية المبكرة، والتي عرفت صعودا للتيار المعتزلي بعد تبني البويهيين للعقيدة المعتزلية، فعرف خلالها الشيعة أول مراجعة نقدية من قبل واحد من كبار أئمتهم، وهو محمد بن علي الحسين الصدوق (المعروف أيضا باسم ابن بابويه). إذ شرع الصدوق آنذاك في استعادة كثير من الأسئلة حول مسلمات التشيع وركائزه، وسلط الضوء في غير موضع ومحل على توافق أصول الدين لدى أهل السنة والاثنا عشرية.
الأمر نفسه سنجده حاضرا عند ابن أبي الجنيد الإسكافي (أحد أبرز المتكلمين الشيعة في القرن الرابع الهجري) في بغداد، الذي فضل اللجوء إلى وسائل عقلية لصياغة الأصول والفقه، فصادق على استخدام القياس على خلاف الأصوليين الشيعة. ثم سنجد هذا الاتجاه العقلاني عند نقد الشيخ المفيد (محمد بن محمد النعمان الحارثي) والشريف المرتضى للصدوق وابن أبي جنيد، قبل أن تستحكم المنظومة الكلامية الشيعية مع نصير الدين الطوسي المقرب من الإسماعيليين.
هكذا، وببساطة، كان الشيعة يعيدون إنتاج معنى هويتهم بلحاظ موقعهم كجماعة، وبلحاظ مدى اقترابهم أو ابتعادهم عن فضائهم الأوسع، أي الأمة الإسلامية. ولأن الصراع على السلطة كان مشتعلا ما بين الدولة الإيلخانية المغولية (السلالة المغولية التي حكمت بلاد فارس والعراق آنذاك) وأواخر الفترة العثمانية، ونتيجة للطبيعة العسكرية لهذا الصراع خلال الفترتين المملوكية والعثمانية، فقد عرفت تلك المرحلة انكماشا فقهيا وأصوليا شيعيا لم ينقطع إلا في مواضع صغيرة ومحددة.
ليس أدل على هذا الأمر من توصيف الشيعة لعلمين من أعلام طائفتهم بالشهيد الأول والشهيد الثاني. كان الشهيد الأول، شمس الدين محمد بن مكي الجزيني العاملي (1334 – 1385)، واحدا من أبرز فقهاء الشيعة ومتكلميهم. وُلد في جزين (إحدى مدن جنوب لبنان اليوم)، وقضى قسما من حياته بمدينة الحلة في العراق، ولم يغادرها إلا بعد وفاة كبار مشايخها، فانتقل إلى الشام، وهناك تقول الروايات إنه قدم نفسه على أنه من أئمة الشافعية وإن عرفه المقربون بأنه "إمامي".
كانت سعة علم بن مكي قد مكنته من لعب أدوار شتى في الفتاوى والمعاملات بين الناس، "إلا أن نشاطه السياسي ومكانته سرعان ما استفزا قضاة الشافعية في دمشق، فقام أحدهم، وهو عباد بن جماعة، بالإلحاح على قاضي المالكية في قلعة دمشق، بإعدام بن مكي بتهمة أنه نصيري، وهو ما وقع في سنة 786هـ، وتم إحراق جثمانه"، كما تقول الرواية الشيعية الشائعة.
أما الشهيد الثاني، فهو زين الدين بن نور الدين العاملي (1505-1559)، وكان من أبرز فقهاء الإمامية في القرن العاشر الهجري، وهو صاحب كتاب "شرح اللمعة الدمشقية"، ومؤسس أول حوزة شيعية في مدينة بعلبك (شمال شرق لبنان). إلا أن الشهيد الثاني لقي مصير الشهيد الأول نفسه بعد رحلة طويلة من طلب العلم وتعليمه في دمشق والقدس والقسطنطينية، ولعل الفارق الوحيد بين الرجلين أن الأول أحرق بعد مقتله، فيما رميت جثة الثاني في بحر الروم بعدما حز عنقه، وفق الرواية.
"في تجربة (الشهيدين) وحتى في غيره ذلك، كان الشيعة يعيدون استحضار مصابهم عند كل تحد أو محاولة للتعبير السياسي".
اللافت في تجربة الرجلين، بالإضافة إلى نشاطهما السياسي، محاولتهما تأسيس الحوزة الشيعية الأولى في بلاد الشام، وبناء الكينونة الشيعية الأولى للحوزة العلمية في هذه المنطقة من بلاد المسلمين، ما أعطى التجربتين بعدا مركزيا في الوجدان الشيعي الديني إلى اليوم. ومرة أخرى، كان الشيعة – أو "المتصوفة البكاؤون" – يعيدون استحضار مصابهم عند كل تحد أو محاولة للتعبير السياسي. وغالبا ما كان هذا الأسى يعاودهم عند كل انتكاسة سياسية أو اجتماعية، وكانت هذه الانتكاسات غالبا ما تترافق مع نكوص ثقافي ومعرفي يعبر في عمقه عن قلق الهوية وأزمة الحضور في محيطهم السياسي.
تشكل ثورة الشيخ ناصيف النصار في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في جبل عامل مثالا واضحا على ذلك. كان الشيخ ناصيف النصار واحدا من "الإقطاعيين" الشيعة في جنوب لبنان خلال القرن الثامن عشر، وكان يلقب بشيخ مشايخ جبل عامل. عمل النصار على مواجهة الدولة العثمانية بالتحالف مع علي بك الكبير في مصر ووالي عكا الظاهر عمر، إلا أن النصار قتل عام 1780 بعد معركة شرسة مع أحمد باشا الجزار، ما أدخل الشيعة في بلاد الشام مجددا في مرحلة من الانكفاء المعرفي والسياسي.
في كتابه "تاريخ الشيعة" يروي الشيخ كاظم ياسين كيف "حزن أهل عاملة (جبل عامل) أجمعين حزنا عاما على الشيخ ناصيف النصار، واستمروا يندبونه لأكثر من 50 سنة"، وكيف "صار قبره مزارا للفلاحين من العامليين يتباركون به، حتى كان من عادات عوامهم أن الفرس إذا أصابها مغص يطوفون بها حول قبر ناصيف النصار ويرجون برأها بذلك". الأمر الذي دفع بعلماء النجف إلى إصدار فتوى تحرم إقامة مأتم ناصيف النصار وتمنع ذكره، بعد أن صار مأتمه تقليدا عامليا، خوفا من أن يبتدع الناس تقليدا دينيا خارجا عن "الجماعة الشيعية".
شكلت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 نوعا من "لاهوت التحرير الإسلامي" في السياق الشيعي، أو هكذا تبدت في اللحظة الأولى من ولادتها على الأقل. وبإمكاننا الركون في هذا الادعاء إلى الحشد الكبير من الأدبيات الثورية التي وضعها رموز الثورة وأركانها قبل انطلاقتها، بجانب أدبيات رجال الدين الشيعة الذين انخرطوا في النشاط السياسي مثل مرتضى مطهري، ومحمود الطالقاني، ومحمد باقر الصدر، وآية الله الخميني نفسه.
لم تكن الثورة الإسلامية في إيران ثورة إيرانية محضة، بل كانت كذلك ثورة في منظور واحد من المجتمعات المسلمة الأساسية لواقع الإسلام والمسلمين. فبمثل ما أرادت الإحيائية الإسلامية في مصر وتركيا وباكستان استئناف حضور الثقافة الإسلامية في المجال العام بعيد صدمة انهيار الخلافة، أرادت الثورة الإيرانية استعادة حضور الإسلام في المجال العام كنوع من تأكيد حضور الذات المسلمة في العالم.
"ولدت الثورة الإسلامية كترجمة لطموح حضاري وثقافي في مواجهة الغرب. من هنا، كانت مقولة الثورة بأصل نشأتها مقولة صراعية مع الغرب، وكانت تسعى لاكتساب مشروعيتها من العداء للغرب".
لم تكن هذه الاستجابة في حقيقتها مشروعا إصلاحيا في التراث الإسلامي أو استجابة لهم روحي أو تشريعي، بقدر ما كانت استجابة دينية لتحد حضاري واجتماعي وسياسي. لقد ولدت الثورة الإسلامية كترجمة لطموح حضاري وثقافي في مواجهة الغرب. من هنا، كانت مقولة الثورة بأصل نشأتها مقولة صراعية مع الغرب، وكانت تسعى لاكتساب مشروعيتها من العداء للغرب.
ما من توصيف أكثر دقة للثورة الإسلامية في إيران عام 1979 من أنها كانت نوعا من "اللاهوت التحريري" الرامي للخروج من حالة الدونية أمام الغرب، خاصة مع استعصاء التجربة العلمانية، تاركة الإسلام بمثابة الحصن الأخير. لقد لعب الإسلام، وباستعارة من تيموثي برينان، دور "جغرافيا الروح المتمردة في مواجهة هذا العالم". إنه الذات التي تريد القول إنها هي أيضا قادرة، قادرة على مواجهة الغرب بنفس ما أنتجه من علوم وتجربة، وبنفس ما أسهم به من تنظيم للمجال العام وتقعيد للعقل والسلطة والشأن العام.
ومرة أخرى، كانت كل أدبيات الثورة تفيد هذا المعنى، من إرهاصاتها الأولى مع كتابات علي شريعتي ما قبل انتصار الثورة في كتبه الثلاثة: "العودة إلى الذات"، و"النباهة والاستحمار" و"التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، مرورا بمحاضرات مرتضى مطهري الأربعين في الدين والاجتماع، وكتب السيد محمد باقر الصدر -وهو وبالرغم من كونه عراقيا إلا أن أدبياته شكلت واحدة من أهم روافد الثورة الإسلامية في إيران- "الإسلام يقود الحياة"، و"المدرسة الإسلامية"، و"فلسفتنا"، و"اقتصادنا"، وليس انتهاء بأدبيات آية الله الخميني نفسه في كتابيه "كشف الأسرار" و"الحكومة الإسلامية".
ظهرت هذه الروح كأوضح ما يكون في تجربة جلال فارسي في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي مطلع الثمانينات. وفي وصفه لتلك التجربة ما يميط اللثام عن الوجه الأعمق لثورة 1979 وتطلعاتها، إذ يكتب جلال فارسي عن الإسلام: "لقد حل النبي والمعصوم مكان الطاغوت أو المستكبرين والمترفين والمحتلين والغزاة وعملاءهم… كما أن تطبيق الأحكام والشرائع سيثمر أمنا معيشيا وارتقاء معنويا وحرية وعزة وكرامة، ومنزلة رفيعة في نظام الوجود، أو القرب من الله، وإسعاد عامة الناس. ويثير في الوقت عينه غضب المستكبرين والمترفين وناهبي الثروات الوطنية، ونفورهم وعداءهم".
"يقدم مطهري مقاربته للمسألة الإسلامية انطلاقا من لحظة الفَوْت الحضاري في القرن التاسع عشر، فيؤكد أن مناط إسلامية الثورة وقوامها هو مواجهة الغرب واستعادة الشعوب الإسلامية الثقة بثقافتها أمام الغازي الغربي".
مثل هذه المقاربة سنجد لها تأصيلا معرفيا في رؤية مرتضى مطهري للثورة الإسلامية ولعموم الحركة الإسلامية في القرن الأخير من عمر الثورة في كتابه "الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر"، إذ يقدم مطهري مقاربته للمسألة الإسلامية انطلاقا من لحظة "الفَوْت الحضاري" إبان القرن التاسع عشر. يبدأ مطهري في كتابه ذاك مع جمال الدين الأفغاني، وينتهي بواقع الثورة، فيؤكد أن مناط إسلامية الثورة وقوامها هو مواجهة الغرب واستعادة العزة الإسلامية وثقة شعوبنا بثقافتها أمام الغازي الغربي.
بهذا المعنى شكلت الثورة الإسلامية الإيرانية لحظة من لحظات الهم الإسلامي بمسألة استعادة الكرامة والحق في الوجود. كما شكلت الثورة نوعا من إعادة صياغة الذات الشيعية تحت ضغط "التحدي والاستجابة الحضارية" للمواجهة التي تدور رحاها بين العالم الإسلامي والغرب.
ومع ذلك، حمل هذا الانتقال "الحزن" الخاص به ولم يتخل عنه، فثقافة الشهادة ظلت حاضرة، وإن بدت مرات أقرب للعقدة في وجدان التشيع الجديد. تظهر سينما المخرج مرتضى آويني، صانع سلسلة أفلام عمليات الفتح، خلال الحرب الإيرانية–العراقية، شيئا من هذا الطابع: مزيج من التصوف والنزعة اليسارية، مزيج من التشيع والشيوعية، خليط مركب من عاشوراء ونداءات المستضعفين.
صحيح أن إيران الدولة كانت تجد تعبيراتها الخاصة، لكن إيران الثورة كانت لا تزال هي "معسكر الحسين". غير أن كربلاء في وجدان الثورة جعلت العالم كله مسرحا لها. وأما جيوش يزيد فصارت مع الخميني هي حاملات الطائرات وجيوش الغرب النازلة على أراضي المسلمين، وأما صحابة الحسين، فصاروا فدائيين على الجبهات من بيروت إلى خرمشهر.
"لم يكن خيال الثورة الإيرانية خيال ثورة تطلب النصر، بقدر ما كان خيالا لثورة تنشد الفداء والبذل دون رؤية الواقع وإكراهاته".
هكذا، لم يكن خيال الثورة الإيرانية خيال ثورة تطلب النصر، بقدر ما كان خيالا لثورة تنشد الفداء والبذل دون رؤية الواقع وإكراهاته على نحو براغماتي (تغير الحال نسبيا بعدما تمأسست الثورة في جهاز الدولة). ومرة جديدة، يبدو هيكل مصيبا في وصفه مأزق الثورة الإيرانية في تجاهلها حدود القوة والجهل بها، وكيف أن هذا الجهل لربما يكون نابعا من عقدة الاستشهاد في الوجدان الشيعي: "فلقد كانت الثورة استشهادا أكثر مما هي فرحة، رغم أنها كانت بكل المعايير انتصارا".
يطول الكلام عن التحولات والتغيرات ما بين عامي 1979 و2026. ما يزيد على 4 عقود اختلطت فيها رمال كربلاء بمصافي النفط ومصالح البازار، وكل أنواع المحظورات التي أباحتها الضرورات. تغير الكثير؛ هذا صحيح. لكن إيران ظلت على الجانب الآخر في علاقتها بالولايات المتحدة، وظلت صوتا يقول "لا" وإن استفادت من فراغ سياسة الآخرين أحيانا، ومعها ظل الغرب يتطلع إلى إيران كمارق ينبغي ترويضه.
زادت سنوات قيادة علي خامنئي من محنة المارد الإيراني بفعل الضغوط الخارجية وتعثر جهاز الدولة في تحقيق أهداف الثورة. كانت الثورة تتراجع لصالح الدولة، والدولة تتراجع بدورها لصالح قبولها شريكا في النظام الدولي. وبقدوم أزمة الحراك الشعبي الواسع في ديسمبر/كانون الأول 2025، كان خامنئي قد تيقن أن طريق المصالحة مع الواقع قد وصل إلى خواتيمه، وأن إيران البركان هي ما سيحفظ الثورة والدولة في آن.
"أقبل خامنئي على الحرب دون أن يغادر مقره مع عائلته، مع علمه بنية الولايات المتحدة وإسرائيل قتله، وكأنه أراد مشهدا حسينيا غير منقوص".
كل ما وقع بعد ذلك كان متوقعا حتى من قبل خامنئي نفسه، فقد أقبل على الحرب دون أن يغادر مقره مع عائلته، مع علمه بنية الولايات المتحدة وإسرائيل قتله، وكأنه أراد مشهدا حسينيا غير منقوص. أعد الرجل للحرب بدمه هذه المرة، ويكأنه أراد من دمائه أن تكون طريقا لإيران الجديدة التي نشدها.
إن التاريخ لا يعيد نفسه، ومن المؤكد أن لكل لحظة من لحظات الواقع تعقيداتها وسياقاتها. لكن الأكيد أن ثمة أفعالا سياسية تكثف معاني وتحجب أخرى. والثابت في كل ما يجري حاليا أن طهران بنظامها السياسي الراهن قد صارت بركانا يستعصي على الترويض، والأكيد أن مقتل مرجع شيعي سيرخي بأثره على وعي الشيعة عامة، وموقفهم من النظام الدولي خاصة بعد أن ينقشع الغبار. هل يمسي الشيعة "رافضة" النظام الدولي المعاصر؟ تلك هوية قيد الاجتراح، هذا صحيح، لكنها أيضا هوية ستظل برزخية بانتظار ما ينتجه الواقع من جديد.
في أي اتجاه ستمضي الحرب على إيران؟ الإجابة ليست سهلة، والأكيد أننا أمام حرب تكاد تكون صفرية بالنسبة لطهران وتل أبيب، أي أن ما يخسره طرف هو على حساب الطرف الآخر بالتمام والكمال. على مستوى إيران، لا شك أن طريقة رحيل خامنئي ستدفع بالنموذج الثوري إلى أقصاه، إلا أن توريث خامنئي أيضا سيخدش النموذج الثوري إلى أبعد الحدود.
على مستوى العالم الشيعي، "ستشكل شهادة خامنئي جرحا في الهوية الشيعية بالتأكيد". فهذه هي المرة الأولى التي يقتل فيها مرجع للشيعة من قبل دولة كبرى. والأكيد أن فيضا من أدبيات بيت الأحزان سيتجدد اليوم، وقد يبكي الشيعة خامنئي بمثل ما بكى أهل جبل عامل الشيخ النصار، وقد يرفع خامنئي إلى مصاف الشهيدين الأول والثاني، لكن الأكيد أن ذلك كله رهن بما سيكون عليه حال إيران والمحيط المجاور لها في نهاية هذه الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة