هاجم زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون ، الولايات المتحدة، متهمًا إياها بممارسة ما وصفه بـ"إرهاب الدولة"، مؤكّدًا في الوقت نفسه على رفض بلاده التخلي عن أسلحتها النووية. والمثير في خطابه أمام مجلس الشعب الأعلى أنه تجنّب توجيه أي نقد مباشر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب .
وقد ينمُّ هذا الحذر في الخطاب عن سعي كوريا الشمالية للحفاظ على خيط رفيع مع الإدارة الأمريكية، شريطة تثبيت مكاسبها النووية كركيزة أساسية و"خط أحمر" لا يقبل المساومة في أي تسوية مستقبلية.
وقال كيم في خطابه، إن "الولايات المتحدة ترتكب حاليًا أعمال إرهاب ترعاها الدولة وعدوانًا في مختلف أنحاء العالم"، مضيفًا: "سواء اختار خصومنا المواجهة أو التعايش السلمي، فهذا خيارهم، ونحن مستعدون للرد".
وأفرد كيم مساحة واسعة من خطابه للتمييز بين وضع بلاده ودول كإيران وفنزويلا، اللتين واجه قادتهما استهدافاً مباشراً إثر تدخلات أمريكية هذا العام، وهو ما يعكس قناعة بيونغ يانغ بأن ترسانتها النووية هي الضمانة الوحيدة لتجنب مصير الدول التي تفتقر لهذا الردع.
ويستمد خطاب كيم ثقلاً استثنائياً من توقيته، إذ يأتي في أعقاب تلميحات ترامب المتكررة لاستئناف الحوار بهدف كسر الجمود المستمر منذ عام 2019، غير أن كيم وضع معادلة صعبة للعودة إلى الطاولة، قوامها الاعتراف ببلاده كقوة نووية وإنهاء ما يصفه بـ "السياسة العدائية".
وبينما تُشير التقديرات الدولية إلى امتلاك بيونغ يانغ ترسانةً تضم عشرات الرؤوس النووية، تؤكد هي امتلاكها أنظمة إطلاقٍ عابرة للقارات قادرة على ضرب العمق الأمريكي، وإن كانت هذه القدرات لم تخضع بعد لاختبارات ميدانية شاملة تثبت فاعليتها الكاملة.
وفي الفترة الأخيرة، كثفت بيونغ يانغ استعراض قوتها العسكرية، بما في ذلك إطلاق صواريخ كروز من سفينة حربية جديدة، وتجارب صواريخ وصفت بأنها نووية. وفي مؤتمر حزب العمال، تعهّد كيم بتوسيع الترسانة النووية، معتبرًا ذلك "إرادة راسخة" لزيادة عدد الأسلحة ووسائل إيصالها، مع إشراك ابنته كيم جو أي في هذه العروض.
على الصعيد الدولي، تشير التقديرات إلى تعزيز العلاقات بين بيونغ يانغ وروسيا، حيث أظهرت وسائل إعلام روسية تدريبات لجنود كوريين شماليين قرب الجبهة في أوكرانيا، في إطار تعاون عسكري متنامٍ.
وقد وافقت كوريا الشمالية على تزويد موسكو بقذائف مدفعية وصواريخ، إلى جانب إرسال آلاف الجنود لدعم العمليات العسكرية، فيما تحصل مقابل ذلك على مساعدات تشمل الغذاء والوقود وربما تكنولوجيا عسكرية حساسة وبيانات ميدانية لتطوير قدراتها التسليحية.
ورغم لهجته المتشددة، ترك كيم هامشًا محدودًا لإمكانية استئناف المحادثات مع واشنطن، لكنه شدد على أن أي حوار لن يشمل التخلي عن السلاح النووي، مؤكّدًا أن التطورات الأخيرة أثبتت صواب النهج الذي تبنّته بيونغ يانغ لعقود.
وقال: "القوى المعادية تعرض حوافز مقابل التخلي عن أسلحتنا النووية، لكن الواقع الحالي يثبت مدى صواب قرارنا برفض تلك العروض وتعزيز ردعنا النووي بشكل دائم"، مؤكدًا أن الأسلحة النووية ليست ورقة تفاوض، بل "الضمان الوحيد لبقاء الدولة"، وهو موقف تم تثبيته قانونيًا عبر إدراج السياسة النووية في الدستور.
وأضاف كيم: "لم تعد بلادنا دولة مهدَّدة، بل تمتلك الآن القدرة على التهديد إذا لزم الأمر"، داعيًا إلى تبنّي سياسة خارجية أكثر جرأة تتماشى مع المكانة الجديدة للبلاد، مع التخلي عن الأساليب الدبلوماسية القديمة واعتماد أدوات تعكس "الكرامة والهيبة الوطنية".
وشدد على أن كوريا الشمالية ستواصل تعزيز قدراتها النووية، مؤكّدًا استعدادها للرد "بسرعة ودقة" على أي تهديد استراتيجي، محمّلًا الولايات المتحدة وحلفاءها المسؤولية عن تقويض الأمن الإقليمي عبر نشر أصول نووية استراتيجية حول البلاد.
وتعمل كوريا الشمالية منذ سنوات على برنامج نووي رغم العقوبات الأممية ومحاولات إدارة ترامب لإزالة الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية، حيث أجرى أول اختبار نووي عام 2006 وآخر في 2017، مع استمرار الشكوك حول حجم الترسانة وقدرتها على دمج رأس نووي مصغر مع صاروخ بعيد المدى قادر نظريًا على الوصول إلى الولايات المتحدة.
وفق تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام عام 2025، تمتلك بيونغ يانغ نحو 50 رأسًا نوويًا ولديها مواد انشطارية كافية لإنتاج 40 رأسًا إضافيًا، فيما يرى كيم أن البرنامج النووي يتعلق بالبقاء فقط.
وخلال الأسبوع الماضي، أشرف الزعيم الكوري الشمالي على مناورة عسكرية واسعة، كُشف خلالها عن دبابة قتالية جديدة وُصفت بأنها عنصر أساسي في تحديث الجيش الكوري الشمالي، حسبما أفادت وسائل الإعلام الرسمية.
وقيم الزعيم الكوري الشمالي قائلاً: "استغرق تطوير التكنولوجيا الأساسية للدبابة الرئيسية الجديدة سبع سنوات، وقد خصصنا جهودًا خاصة لهذا الأمر.. وأنا مقتنع بأنه لا يوجد سلاح مدرع في العالم يتمتع بقدرات دفاعية ذاتية قوية مثل هذه الدبابة. التغلب على قيود القتال لوحداتنا المدرعة، التي كانت ضعيفة في المعارك الليلية، يمثل تحولًا كبيرًا".
وأضاف كيم: "من الآن فصاعدًا، سيتم تجهيز جيشنا بشكل واسع بهذه الدبابات الجديدة المتفوقة، وسترتقي قواتنا المدرعة إلى مرحلة أعلى. يجب على جميع مستويات الجيش الاستمرار في تعزيز الزخم الاستثنائي دون تأخير، بما يؤدي إلى قفزة في تحقيق الاستعداد للحرب".
وأُجريت المناورة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وبعد سلسلة من التجارب الصاروخية التي نفذتها كوريا الشمالية، بالإضافة إلى المناورات العسكرية الربيعية الأخيرة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، أعاد فيه البرلمان الكوري الشمالي انتخاب كيم لولاية ثالثة متتالية، مع تركيز واضح على نبرة التصعيد وثقة القيادة المتزايدة في الردع النووي. ، مواصلًا بذلك نهج الحكم الوراثي الذي بدأ منذ 1948 على يد جده كيم إل سونغ، واستمر على يد والده كيم جونغ إيل، ليصبح كيم الحاكم الثالث من سلالة عائلة كيم في دولة تمتلك ترسانة نووية.
المصدر:
يورو نيوز