بدأ الجيش الإسرائيلي اليوم الأربعاء في استهداف الجسور والمعابر على نهر الليطاني جنوب لبنان، لقطع ما وصفه بخطوط تهريب الأسلحة لحزب الله، في خطوة من شأنها أن تؤثر على حركة النزوح من الجنوب وعلى القطاع الزراعي بالمنطقة.
وانطلق القصف من جسر الكينايات في منطقة القاسمية، الذي يقع على مجرى نهر الليطاني في منطقة الخردلي، وتحديداً في النقطة التي تربط بين ضفتي النهر أسفل "قلعة الشقيف".
كما استهدف القصف الإسرائيلي العبارة الاحتياطية فوق نهر الليطاني في منطقة برج رحال جنوبي لبنان.
وفي وقت سابق من الأربعاء، قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي في بيان على منصة "إكس": "لمنع وصول التعزيزات والأسلحة، يعتزم الجيش الإسرائيلي مهاجمة المعابر على نهر الليطاني ابتداء من ظهر اليوم".
وأضاف: "حفاظا على سلامتكم، عليكم التوجه إلى المنطقة الواقعة شمال نهر الزهراني، والامتناع عن أي تحرك جنوباً، لما قد يعرض حياتكم للخطر".
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة، التي سبق لإسرائيل أن نفذتها خلال حرب عام 2006، تهدف إلى فصل جنوب البلاد عن شمالها، في سياق أوسع يشمل تقدما برّيا على عدد من المحاور لخلق منطقة عازلة تمنع حزب الله من تنفيذ أي عمليات منها على مناطقها الشمالية.
وبعيدًا عن حزب الله ومقاتليه، فإن استهداف جسور الليطاني من شأنه أن يؤثر على حركة النازحين من جنوب لبنان إلى شماله، فضلاً عن تهديدات تطال القطاع الزراعي.
والجمعة، استهدفت إسرائيل جسرا رئيسيا بين بلدتي الزرارية وطيرفلسيه على مجرى نهر الليطاني الذي يقسّم جنوب لبنان إلى جزءين، ما أدى الى خروجه عن الخدمة بعد تدمير قسم منه، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية.
كما توعّد وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس بأن الدولة اللبنانية ستدفع "ثمنا متزايدا" من الأضرار في البنى التحتية على خلفية استمرارالحرب مع حزب الله.
لم يكن نهر الليطاني يوماً مجرد مجرى مائي عادي في لبنان، بل شكّل عبر تاريخه الحديث واحداً من أهم عناصر الجغرافيا السياسية والاقتصادية في البلاد.
ومع تصاعد المواجهة العسكرية في الجنوب، عاد هذا النهر إلى الواجهة، لكن ليس بوصفه مورداً للحياة، بل كخط فاصل تُرسم عنده معادلات الحرب.
في هذا السياق، يطرح استهداف إسرائيل لجسور الليطاني سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام خطوة عسكرية تكتيكية محدودة، أم محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية والسياسية جنوب لبنان؟
ونهر الليطاني هو أطول نهر في لبنان، يمتد لنحو 170 كيلومتراً، وينبع من سهل البقاع قرب بعلبك، قبل أن يشق طريقه جنوباً ثم ينعطف غرباً ليصب في البحر المتوسط شمال مدينة صور.
وخصوصية الليطاني لا تكمن فقط في طوله أو مساره، بل في كونه نهراً لبنانياً خالصاً، يجري بالكامل داخل الأراضي اللبنانية، ما جعله على الدوام جزءاً من مفهوم السيادة المائية والاقتصادية للبلاد.
وتتجلى أهمية نهر الليطاني في كونه عنصراً محورياً تتقاطع عنده الأبعاد الاقتصادية والطاقوية والاستراتيجية في لبنان.
وعلى المستوى الاقتصادي، يشكّل النهر شرياناً أساسياً للقطاع الزراعي، إذ يروي مساحات واسعة من الأراضي في سهل البقاع والجنوب، ولا سيما في سهل القاسمية، ما يجعله ركيزة لاستمرارية الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في البلاد.
ولا تقتصر أهمية الليطاني على الزراعة، بل تمتد إلى قطاع الطاقة، حيث تعتمد عليه منشآت كهرومائية حيوية في توليد الكهرباء، وفي مقدمتها سد القرعون الذي يُعدّ أحد أبرز المشاريع المائية في لبنان، ما يمنح النهر بعداً تنموياً يتجاوز كونه مورداً طبيعياً، ليصبح جزءاً من البنية التحتية الحيوية للدولة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فيمثل الليطاني أكبر مخزون للمياه العذبة في لبنان، ما يجعله عنصراً أساسياً في معادلة الأمن المائي، خصوصاً في منطقة تعاني من تحديات متزايدة في الموارد.
وفي السياق نفسه، اكتسب النهر بُعْداً سياسياً وعسكرياً بارزاً، إذ شكّل على مدى عقود خطاً حساساً في الصراع مع إسرائيل، وارتبط اسمه بمحطات مفصلية، من اجتياح عام 1978 إلى القرار الدولي 1701 الذي أعقب حرب 2006، حيث تحول إلى معلم جغرافي ذي دلالات أمنية تتجاوز طبيعته المائية.
ولا يمكن النظر إلى استهداف الجسور على نهر الليطاني بوصفه فعلاً معزولاً أو مجرد ضربات تكتيكية محدودة، بل يندرج ضمن استراتيجية عسكرية مركّبة تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد الميداني بأكمله.
فمن خلال تدمير هذه المعابر الحيوية، يجري عملياً "تجزئة مسرح العمليات"، حيث يتحول الجنوب اللبناني من مساحة جغرافية مترابطة إلى مناطق معزولة يصعب التنقل بينها.
ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع حديث إسرائيلي حول إقامة منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني، شبيهة بفكرة الخط الأصفر في قطاع غزة، في خطوة تهدف إلى تأمين حماية القرى الإسرائيلية الواقعة بالقرب من الحدود اللبناني.
كما يعرقل هذا الواقع التنسيق السريع بين الوحدات الميدانية لحزب الله، التي تتمركز جنوب الليطاني، ويجعل عمليات الدعم والإمداد أكثر تعقيداً، ما ينعكس مباشرة على ديناميكية القتال.
تُعدّ المنطقة الممتدة من نهر الليطاني وصولاً إلى الحدود الدولية، المعروفة بالخط الأزرق، واحدة من أكثر المناطق حساسية في المعادلة العسكرية جنوب لبنان، إذ تشكّل في جوهرها نطاقاً دفاعياً استراتيجياً معقداً.
وتستمد هذه المنطقة أهميتها من طبيعتها الجغرافية، حيث تتداخل التلال مع الوديان والأحراش، ما يوفّر بيئة مثالية لحرب العصابات، ويمنح المقاتلين القدرة على التخفي والمناورة، سواء عبر التضاريس الطبيعية أو من خلال شبكات الأنفاق والمنشآت تحت الأرض التي تُعرف بـ"المحميات".
وعلى الرغم من الحديث سابقاً عن خلوّ منطقة جنوب الليطاني من السلاح، إلا أن تقارير ميدانية تتحدث عن اعتماد حزب الله على أنماط انتشار غير تقليدية، مثل "الخلايا النائمة" أو ما يُعرف بـ"المقاتلين الأشباح"، الذين يعملون دون ظهور علني، في محاولة للتكيف مع الضغوط العسكرية والرقابة المستمرة.
وفي الوقت نفسه، تبرز مخاوف إسرائيلية متزايدة من تمركز وحدات النخبة، المعروفة بـ"قوة الرضوان"، في هذه المنطقة، إذ تعتبرها تهديداً مباشراً بإمكانية تنفيذ عمليات هجومية داخل الجليل، وهو ما يفسّر جزئياً الإصرار الإسرائيلي على استهداف الجسور، بهدف عزل هذه الوحدات والحد من قدرتها على الحركة والتأثير.
وعلى مستوى حزب الله، فإن تأثير استهداف الجسور يتجاوز المواجهة المباشرة ليطال البنية العملياتية برمتها.
فمع تدمير الجسور، تتعرض خطوط الإمداد لضغط كبير، إذ يصبح نقل الصواريخ الثقيلة أو المعدات المعقدة أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل الاعتماد على طرق جبلية أو ترابية بديلة.
كما أن الوحدات المنتشرة جنوب الليطاني قد تجد نفسها معزولة نسبياً، تعمل في ظروف أقرب إلى الاستقلال الميداني، مع صعوبة في تلقي الدعم أو إعادة التموضع بسرعة.
ويؤدي ذلك بدوره إلى تقليص قدرة حزب الله على المناورة، وهي من أبرز عناصر القوة التي يعتمد عليها التنظيم، إذ تصبح الحركة أكثر انكشافاً وأبطأ، ما يحد من المرونة العملياتية.
ومع الاعتماد المتزايد على مسارات بديلة أطول وأكثر خطورة، يتصاعد استنزاف الموارد من وقت وجهد ووقود، وهو ما ينعكس تدريجياً على قدرة الحزب القتالية في المدى المتوسط والطويل، ويجعل إدارة المعركة أكثر تعقيداً في ظل بيئة ميدانية مجزأة ومقيّدة الحركة.
غير أن الوجه الأكثر قسوة لهذا الاستهداف يظهر في حياة السكان المحليين. فمع انهيار الجسور، تجد قرى بأكملها نفسها معزولة عن محيطها، كما هو الحال في مناطق مرجعيون والخيام ووادي الحجير وسهل القاسمية.
والطرق التي كانت تستغرق دقائق لعبورها تحوّلت إلى مسارات طويلة وخطرة عبر الجبال أو المعابر الترابية، فيما اضطر بعض الأهالي إلى استخدام "المخاضات" لعبور النهر في نقاط ضحلة، وهي حلول مؤقتة لا تخلو من المخاطر وغالباً ما تكون عرضة للاستهداف.
وينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على حركة النزوح ، التي لم تعد انتقالاً سريعاً بل رحلة محفوفة بالمخاطر، إذ تجد آلاف العائلات نفسها عالقة أمام طرق مقطوعة، أو مضطرة للبحث عن مسالك بديلة تحت تهديد القصف، فيما اضطرت بعض الحالات إلى إكمال الطريق سيراً على الأقدام.
وفي ظل هذا الوضع، بات الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الإغاثة تحدياً يومياً، حيث تضطر سيارات الإسعاف أحياناً إلى التوقف عند ضفة النهر وتسليم المرضى لسيارات أخرى في الجهة المقابلة، في مشهد يعكس حجم الانقطاع الذي أصاب شبكة الحياة الأساسية.
أما المزارعون، الذين يعتمدون على الليطاني كمصدر رزق أساسي، فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة أزمة مضاعفة. فإلى جانب التحديات الأمنية، أصبح نقل المحاصيل إلى الأسواق أمراً بالغ الصعوبة، ما أدى إلى تلف كميات كبيرة من الإنتاج وخسائر مالية متراكمة.
وبات الوصول إلى بعض الأراضي الزراعية إليها شبه مستحيل بسبب وجودها على الضفة الأخرى، فيما تعذّر إدخال المستلزمات الزراعية من بذور وأسمدة ووقود، ما يهدد الدورة الزراعية بأكملها.
ومع شلل حركة النقل، تتوقف أيضاً عجلة الاقتصاد المحلي، من التجارة إلى العمالة اليومية، لتدخل هذه المناطق في حالة من الركود القسري.
ويكشف استهداف جسور نهر الليطاني عن تحوّل عميق في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على خطوط النار المباشرة، بل امتدت لتشمل البنية التحتية التي تقوم عليها الحياة اليومية.
والنهر الذي كان يربط بين المناطق ويوفر لها الماء والطاقة والغذاء، يتحول اليوم إلى حاجز يفصل بينها، فيما تتحول جسوره من رموز للوصل إلى أهداف عسكرية.
وبين الحسابات الاستراتيجية والنتائج الإنسانية، يتضح أن تدمير هذه الجسور لا يعني فقط تعطيل الحركة، بل إعادة تشكيل الواقع الميداني برمّته، بحيث يصبح الجنوب مساحة معزولة، تتقاطع فيها أهداف الحرب مع معاناة الناس اليومية.
المصدر:
يورو نيوز