في خضم تصعيد عسكري وإعلامي محموم بين طهران وواشنطن، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتصريح مطول عبر منصته، تروث سوشيال، ألقى فيه حجرا ثقيلا في مياه "الحرب المعلوماتية".
ترمب لم يكتفِ باتهام إيران بتزييف انتصاراتها عبر الذكاء الاصطناعي، بل ذهب إلى حد اتهام كبريات المؤسسات الإعلامية الأمريكية بـ"التواطؤ والخيانة".
لكن مراجعة دقيقة لهذه الادعاءات تكشف عن مشهد أكثر تعقيدا، إذ تختلط الحقائق الميدانية بالشائعات الرقمية، وتُستخدم "فزاعة" الذكاء الاصطناعي لتصفية حسابات سياسية داخلية.
كما أن تفكيك الخطاب يكشف عن أن جزءا كبيرا من هذه الادعاءات يقوم على خلط بين معلومات موثقة ومحتوى متداول على منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى استخدام خطاب سياسي يستهدف الإعلام الداخلي بقدر ما يستهدف الخصم الخارجي.
من أبرز النقاط المثيرة للجدل في تصريح ترمب اتهامه وسائل إعلام، بينها صحيفة "وول ستريت جورنال"، بنشر تقارير تحدثت عن إسقاط 5 طائرات أمريكية للتزود بالوقود خلال المواجهة الجارية.
لكن مراجعة التقارير المنشورة في الصحيفة خلال الفترة الأخيرة لا تظهر خبرا يتحدث عن إسقاط هذه الطائرات. فقد تناولت الصحيفة تحركات عسكرية وتوترات إقليمية، لكنها لم تنشر معلومات تؤكد مثل هذه الخسائر.
واتهم ترمب إيران باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع تظهر احتراق حاملة الطائرات الأمريكية في عرض البحر.
وكان المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية قد قال "أخرجنا حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن من الخدمة، ولاذت بالفرار".
وفي حين أن إيران تبالغ فعليا في قدراتها، إلا أنها لم تنشر رسميا عبر منصاتها العسكرية لقطات احتراق الحاملة، بل جاءت الصور من حسابات "بروباغندا" غير رسمية، وهو ما تجاهله خطاب ترمب لربط الإعلام المهني بـ"الأخبار الزائفة".
من بين النقاط التي أثارت جدلا أيضا وصف ترمب الزوارق الإيرانية السريعة بأنها "وهمية" ولا وجود لها إلا في عالم الافتراض.
في الواقع، تشير تقارير عسكرية أمريكية منذ سنوات إلى أن الحرس الثوري الإيراني يعتمد في عقيدته البحرية على ما يعرف بتكتيك "أسراب الزوارق السريعة"، وهو أسلوب يقوم على استخدام أعداد كبيرة من الزوارق المسلحة الصغيرة لمضايقة السفن الكبيرة في الخليج.
ونشرت القيادة المركزية الأمريكية مشاهد من استهداف هذه الزوارق في الخليج العربي خلال العمليات الأخيرة.
وقد حذر مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية مرارا من هذا التكتيك الذي يعرف في الأدبيات العسكرية باسم "حرب العصابات البحرية". ولذلك، فإن إنكار وجود هذه القدرات بشكل كامل يختزل واقع التوازنات العسكرية المعقدة في المنطقة.
رغم أن تصريح ترمب ركز ظاهريا على إيران، فإن الجزء الأكبر من خطابه استهدف وسائل الإعلام الأمريكية التي يصفها منذ سنوات بـ"الأخبار الزائفة" وكان آخرها مهاجمة مراسل "إيه بي سي".
ففي حديثه، ربط ترمب بين ما وصفه بالتضليل الإيراني وبين تغطية بعض وسائل الإعلام الأمريكية، معتبرا أنها تسهم في نشر روايات غير دقيقة عن الحرب.
بل ذهب أبعد من ذلك عندما دعا إلى مراجعة تراخيص بعض المؤسسات الإعلامية من قبل لجنة الاتصالات الفدرالية.
يأتي تصريح ترمب في سياق سياسي داخلي شديد الاستقطاب في الولايات المتحدة، حيث أصبحت العلاقة بين بعض السياسيين ووسائل الإعلام موضوعا مركزيا في الحملات الانتخابية والنقاشات العامة.
وقد اعتاد ترمب خلال سنوات نشاطه السياسي استخدام خطاب شديد النقد تجاه مؤسسات إعلامية كبرى، مثل "سي إن إن" ونيويورك تايمز، متهما إياها بتشويه الحقائق أو الانحياز السياسي.
لكن دعوته إلى ملاحقة وسائل إعلام بتهمة "الخيانة" بسبب نشر معلومات خطأ تمثل تصعيدا غير معتاد، إذ إن القانون الأمريكي يضع معايير صارمة جدا لتعريف جريمة الخيانة، ولا يشمل عادة الأخطاء الصحفية أو التقارير غير الدقيقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة