مضى ما يقارب 25 عاما منذ غزو جورج بوش الابن العراق في 20 مارس/ آذار 2003، وهو الغزو الذي مهد الطريق لحرب دونالد ترمب على إيران اليوم.
لكن حين ينظر ترمب في المرآة، فإن غروره يمنعه من رؤية شبح بوش واقفا خلفه، وبينما يُغرق ترمب الشرق الأوسط في صراع متزايد أودى بالفعل بحياة 1300 إيراني، وأدخل الاقتصاد العالمي في أزمة، فإنه، مثل بوش آنذاك، لا يدرك حقا ما الذي يفعله، ويبدو أنه يعيش في عالم من الأوهام تغذيه أحلام السلطة، لكنه لو أبصر طيف أو شبح بوش في مرآته لربما وعى مآل إرثه.
ومثلما ادعى ترمب بلا دليل أن إيران تبني سلاحا نوويا وأن قصفها كان "ضربة استباقية"، زعم بوش أيضا أن حربه من أجل النفط كانت بسبب امتلاك صدام حسين "أسلحة دمار شامل"، وهي كذبة انكشفت سريعا بحلول 2004.
ومع ضعف الأدلة وسهولة دحضها، أضاف بوش أن صدام حسين كان مسؤولا أيضا عن هجمات البرجين في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وأنه "ضلل الشعب الأمريكي عمدا بشأن المسؤول عن تلك الهجمات".
وأعلن بوش في تصريحات شهيرة أن غزو العراق معركة بين الخير والشر، بين الحضارة والهمجية، بين جنود أبطال وطاغية وحشي. ووصف الحرب بأنها "حملة صليبية"، كاشفا عن عمق عدائه للإسلام، وتجذر نزعة الغرب العدائية تجاه العالم الإسلامي.
وقد ظهر ترمب أيضا في مقطع حديث جالسا خلف مكتبه محاطا بمجموعة من القساوسة الإنجيليين المتشددين وهم يمدون أيديهم نحوه في مشهد يكشف عبثية عالم ترمب، ويعرّي نفوذ المسيحيين الصهاينة الداعين إلى "نهاية الزمان"، بينما يخبر قادة عسكريون أمريكيون الجنود أن ترمب اختير من الله لقيادتهم في حرب مقدسة، وأن حرب إيران هي "المعركة النهائية" نحو "هرمجدون".
وبلغت الدعاية العسكرية مستوى غير مسبوق من الإقناع مع غزو العراق عام 2003؛ حيث صنعت دعاية ميدانية واستعارت حبكات أفلام هوليود، مما رسخ حروب بوش في القرن الحادي والعشرين بقوة في عالم الترفيه.
وظهر بوش، الذي لم يخدم يوما في الجيش، وهو يقود طائرة مقاتلة ليهبط على حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"، في مشهد منسق يحاكي الممثل توم كروز، من فيلم "توب غان"، ثم ألقى خطاب النصر تحت لافتة: "المهمة أنجزت"، معلنا أن الحرب في العراق انتهت في الأول من مايو/ أيار 2003.
غير أن إدارة المحافظين الجدد المتخبطة التي ترأسها بوش لم تكن تملك خطة لاحتلال العراق الذي غزوه، فتحولت ما سُميت بـ"الحرب على الإرهاب" إلى "حروب أمريكية أبدية"، والتي أودت بحياة الملايين في الشرق الأوسط.
ويكرر ترمب المشهد اليوم مع جنرالاته المتعجرفين، وعلى رأسهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي يتحدث عن قصف إيران وكأنه مباراة رياضية؛ حيث قال: "نحن نضربهم وهم في حالة ضعف، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال. حتى الآن، استخدمت عملية الغضب الملحمي ضعف القوة الجوية، مقارنة بصدمة ورعب العراق في عام 2003".
هؤلاء هم الرجال قاصرو النظر الذين يواجهون إيران، العدو القوي ذا الإستراتيجية العسكرية الشرسة، الذي هز بالفعل أسواق الطاقة العالمية، وأغلق مضيق هرمز، ودمر أسلحة أمريكية عالية التقنية بقيمة مليارات الدولارات في القواعد الأمريكية في دول المنطقة، في ظل فشل الولايات المتحدة في الوفاء بوعدها بتوفير الحماية.
وزعم ترمب على غير الحقيقة أيضا أن إيران تتوسل للتفاوض على وقف إطلاق النار، لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، نفى ذلك في مقابلة مع موقع "دروب سايت نيوز"، مشيرا إلى أن آلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية "تقتل مواطنينا عبر قصف البلديات والمدارس والمستشفيات والمراكز الطبية والأندية الرياضية"، متسائلا: "هل تعتقدون أن إيران ستتواصل مع الولايات المتحدة في هذه الظروف؟"
وقد بدأ ترمب يتحدث عن إنهاء الحرب بعد أقل من أسبوعين على بدء الهجوم على إيران مع تصاعد الغضب العالمي، وتقلب الأسواق، وفشل محاولة صرف انتباه الأمريكيين عن فضائح "ملفات إبستين"؛ حيث لم يعد يهمه أن تصبح إيران "ديمقراطية" بعد أن فشلت الحرب في تحقيق غرضها كوسيلة لتشتيت الانتباه عن ملفات إبستين، حيث أظهر استطلاع جديد أن غالبية الأمريكيين يعتقدون أن ترمب شن الحرب للتغطية على الفضيحة.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم الاثنين الماضي أن مستشاري ترمب يحثونه على "إيجاد مخرج" قبل أن تثير الحرب "رد فعل سياسي عكسي"، ولذا بدأ يصف ترمب حربه على إيران بأنها مجرد "رحلة قصيرة"، وتحدث بكلام غير مفهوم في مقابلة مع شبكة "سي بي إس" يوم الثلاثاء قائلا: "أعتقد أن الحرب قد انتهت تماما".
وعندما سأله صحفي عن تصريح بيت هيغسيث بأن الحرب "بدأت للتو"، أجاب ترمب: "يمكنك القول إنهما معا".
لم يتردد البيت الأبيض أيضا في تهديد الصحافة كي لا تنتقد الرئيس، وبعد أن ظهر ترمب على التلفاز معلنا أن مزيدا من الأمريكيين سيموتون، مضيفا: "هذه هي الحقيقة"، وعلّقت شبكة "سي إن إن" بأن ترمب "يمتلك مواهب عديدة… لكن الحديث عن قتلى وجرحى الجيش ليس من بينها".
وقد دفع هذا الانتقاد المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إلى مهاجمة الشبكة متهمة إياها بأنها "تشوّه صورة الرئيس دائما"، وهو أمر لا يحتاج بالأساس إلى جهد كبير.
لقد حكم التاريخ على جورج دبليو بوش حكمه العادل، لكن كثيرين يأملون أن يلقى دونالد ترمب مصيرا أشد قسوة، فالعدالة لن تخطئه أبدا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة