آخر الأخبار

ماذا يجري على الحدود بين لبنان وسوريا؟ | الحرة

شارك

فيما تتجه الأنظار إلى الجبهة الجنوبية للبنان، حيث يتصاعد القتال بين حزب الله وإسرائيل، تتحرك بهدوء جبهة أخرى أقل صخباً لكنها لا تقل حساسية: الحدود الشرقية مع سوريا.

خلال الأيام الأخيرة، أعادت تقارير عن تعزيزات عسكرية سورية قرب الحدود ونشر قاذفات صواريخ قصيرة المدى طرح تساؤلات في لبنان: هل ما يجري مجرد إجراءات أمنية لضبط الحدود، أم أن المنطقة تقف أمام احتمال فتح جبهة جديدة في ظل اشتعال الإقليم؟

هذه التساؤلات تعززت بعد اعلان هيئة العمليات في الجيش السوري، الأربعاء، توسيع انتشار وحداته على طول الحدود مع لبنان والعراق، عبر إشراك وحدات من حرس الحدود وكتائب الاستطلاع.

ورغم تأكيد الهيئة أن الخطوة تأتي في إطار انتشار ميداني منظم يركّز على مراقبة الأنشطة الحدودية ومكافحة التهريب ومنع أي نشاط غير قانوني، فإن توقيت هذه التحركات، المتزامن مع التصعيد العسكري في لبنان، جعلها موضع متابعة في بيروت، حيث تُعدّ الحدود الشرقية تاريخياً أحد أكثر الملفات الأمنية تعقيداً في البلاد.

رواية دمشق

تحرص دمشق على تقديم هذه التحركات بوصفها إجراءات أمنية داخلية لا تحمل طابعاً هجومياً. فقد أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن انتشار وحدات الجيش السوري على الحدود مع لبنان والعراق إجراء وقائي يهدف إلى ضبط هذه الحدود وتنظيم الحركة عبرها في ظل التطورات الإقليمية الراهنة.

كما أكدت مصادر عسكرية سورية لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” أن “الخطوة دفاعية وسيادية بحتة، هدفها توطيد الأمن الداخلي، وترسيخ الاستقرار على الشريط الحدودي”، مشددةً على أن “دمشق لا تخطط لأيّ عمل عسكري ضد دول الجوار، لكنها مستعدة للتعامل مع أي تهديد أمني يستهدفها”.

وبحسب ما نقلته الوكالة، فإن التمركز الجديد يهدف إلى فرض القانون في المناطق التي شهدت نشاطاً لشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وتعزيز الاستقرار في القرى والبلدات الحدودية، بما ينعكس على أمن السكان ويمتد أثره إلى لبنان والعراق.

كما يمنح الاعتماد على مهام الاستطلاع والمراقبة المستمرة قدرة استباقية لرصد أي نشاط مشبوه قبل تحوّله إلى تهديد فعلي.

أما فيما يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن نشر قاذفات صواريخ قصيرة المدى قرب الحدود، فتشدد دمشق على أن الانتشار إجراء دفاعي لا يحمل طابعاً هجومياً، مؤكدة أن المناطق الحدودية “ليست منصات للتصعيد”.

تطمينات متبادلة

التحركات العسكرية السورية أثارت تساؤلات في لبنان، ما دفع مسؤوليه إلى التواصل مع دمشق للاستفسار عن طبيعتها.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام كشف خلال اجتماع لمجلس الوزراء أنه تلقى اتصالاً من وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، إضافة إلى زيارة من القائم بالأعمال السوري في بيروت.

وبحسب سلام، أكد المسؤولون السوريون أن ما يجري على الحدود لا يتجاوز إجراءات لتعزيز ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي السوري، وهي خطوات مشابهة لتلك التي اتخذتها دمشق على الحدود السورية مع العراق.

وأشار سلام إلى أن سوريا شددت خلال الاتصالات على حرصها على أفضل العلاقات مع لبنان، فيما أكد الجانب اللبناني رغبته في بناء علاقات تقوم على الثقة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

كما أن الرئيس اللبناني جوزاف عون أكد في وقت سابق أن العلاقات اللبنانية السورية جيدة، وأن الاتصالات والتنسيق الأمني والعسكري بينهما مستمر.

وأشار الجيش اللبناني في بيان إلى أن وحداته عززت انتشارها عند الحدود الشرقية بالتنسيق مع السلطات السورية المعنية.

جبهة تصعيد؟

رغم التطمينات الرسمية، يرى بعض المراقبين أن التحركات العسكرية السورية على الحدود مع لبنان لا تقتصر على البعد الأمني، بل ترتبط بسياق إقليمي أوسع يتداخل فيه العسكري والسياسي.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن السياسي نضال السبع إن المعطيات الميدانية تشير إلى أن “الجيش السوري بدأ، منذ نحو ثلاثة أسابيع، تعزيز وجوده العسكري على الحدود الشرقية مع لبنان، مع معلومات متداولة عن حشد نحو أربعين ألف مقاتل، في خطوة تتجاوز الإجراءات الروتينية لضبط الحدود”.

ويضيف السبع في حديث لموقع “الحرة” إن هذه التحركات “ترتبط بمطالب خارجية وُجّهت إلى الرئيس السوري أحمد الشرع لتنفيذ عملية عسكرية انطلاقاً من الجبهة الشرقية للبنان، تستهدف فلول نظام بشار الأسد وعناصر حزب الله، المصنّف تنظيماً إرهابياً من قبل الولايات المتحدة وعدد من الدول الأجنبية، وذلك في سياق إدراج سوريا ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بهدف دفع هذه العناصر إلى مسافة تتراوح بين 20 و25 كيلومتراً بعيداً عن الحدود السورية”.

ويرى السبع أن “احتمال اندلاع مواجهة بين دول الخليج وإيران قد يشكّل عاملاً يدفع دمشق إلى إعادة حساباتها”. ويشرح أن أحد الدوافع المحتملة لذلك “يتمثل في الثأر من حزب الله على خلفية تدخله بالحرب السورية والمعارك التي دارت بينه وبين جبهة النصرة”.

من جهتها، أكدت هيئة البث الإسرائيلية أن “الشرع يريد ضرب مواقع حزب الله على طول الحدود في منطقة سهل البقاع”.

حدود ملتهبة

الحدود السورية ـ اللبنانية ليست مجرد خط جغرافي، بل منطقة شديدة التعقيد أمنياً وسياسياً. فبعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، شهدت هذه المنطقة في فبراير 2025 اشتباكات عنيفة بين قوات تابعة للإدارة السورية الجديدة ومسلحين من عشائر لبنانية، حيث امتدت النيران من داخل الأراضي السورية إلى الأراضي اللبنانية، ما دفع الجيش اللبناني إلى التدخل مباشرة.

وكانت الإدارة السورية قد أعلنت حينها إطلاق حملة واسعة لإغلاق ما وصفته بـ”منافذ تهريب الأسلحة والممنوعات”.

كما عادت الحدود إلى الواجهة في يوليو الماضي، عندما تحدثت تقارير إعلامية عن تحركات عسكرية غير مألوفة مقابل مناطق عرسال والهرمل والقاع في البقاع.

وتحدثت تلك التقارير عن وجود مقاتلين أجانب، بينهم عناصر من الإيغور شاركوا في الحرب السورية، قيل إنهم يخططون لاستهداف حزب الله.

لكن الحكومة السورية أوضحت لاحقاً أن هؤلاء يجري دمجهم ضمن الجيش السوري بشكل رسمي، وهو ما نفى فرضية تحركهم كقوة مستقلة.

ومنذ إعلان حزب الله ما يُعرف بحرب “إسناد إيران”، ومع تصاعد التطورات الأمنية في لبنان، تشهد المعابر الحدودية بين لبنان وسوريا حركة عودة متزايدة للمواطنين السوريين إلى بلادهم.

أولوية سوريا

عن احتمال انخراط دمشق في مواجهة مع حزب الله، يشير الخبير العسكري والاستراتيجي السوري عصمت العبسي إلى أن “القيادة السورية أكدت أكثر من مرة أنها ليست معنية بمحاربة الحزب داخل الأراضي اللبنانية، بل تركز في هذه المرحلة على إعادة إعمار ما دمرته الحرب خلال السنوات الأربع عشرة الماضية”.

لكن العبسي يشدد، في حديث لموقع “الحرة”، على أن دمشق تعتبر في المقابل أن “أي اعتداء على الأراضي السورية أو أي نشاط إرهابي داخلها سيقابل برد مباشر”.

كذلك يستبعد الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، نوار شعبان، أن تنخرط دمشق في مواجهة مباشرة مع حزب الله في هذه المرحلة.

ويؤكد شعبان في حديث لموقع “الحرة” أن التحركات على الحدود السورية–اللبنانية “ترتبط بالاعتبارات الأمنية لهذه المنطقة التي توصف منذ سنوات بأنها رخوة أمنياً، حيث تنشط فيها شبكات التهريب وتجارة المخدرات”. ويشير إلى أن “ضبطها بات ضرورياً، خاصة في ظل الحرب الدائرة بين حزب الله وإسرائيل واحتمال استغلالها من قبل الحزب لنقل أسلحة مخبأة داخل سوريا أو لتوسيع رقعة الصراع عبر الحدود”.

ويرى شعبان أن معالجة هذه التحديات “لا ينبغي أن تكون أحادية”، داعياً إلى إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين الجيشين السوري واللبناني لضبط الحدود ومنع استخدامها في أي نشاط غير قانوني.

بدوره يرى الباحث والكاتب السياسي الدكتور مكرم رباح أن “إسرائيل ليست بحاجة إلى الجيش السوري لتنفيذ عمل عسكري داخل لبنان”.

ويضيف رباح لـ”الحرة” إن الحزب يحاول، في المقابل، “تخويف بيئته من خطر جهادي يتمثل بقوات الشرع أو المجموعات الإسلامية”.

ويرى رباح أن “دمشق قد تجد مصلحة في الظهور كجزء من المواجهة مع المشروع الإيراني، خصوصاً في ظل التوتر القائم بين إيران وعدد من الدول العربية”، لكنه يلفت إلى “وجود فارق كبير بين المصلحة السياسية والقدرة الفعلية على خوض مواجهة من هذا النوع”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا