حذر المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء مسؤولي إقليم كردستان من أن أي تعاون لنشر قوات وصفها بـ"المعادية" سيواجه برد حازم.
من جهته، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء الخميس، دعمه لتحرك المقاتلين الأكراد الإيرانيين المتمركزين في العراق لمهاجمة إيران، في ظل اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط. وأعاد هذا الموقف تسليط الضوء على واحدة الأفكار المثيرة للجدل في النقاشات الاستراتيجية داخل واشنطن وتل أبيب: إمكانية استخدام الجماعات المسلحة داخل إيران، وخصوصا الفصائل الكردية ، كورقة ضغط ميدانية على طهران.
يثير هذا الطرح مجموعة من الإشكاليات المعقدة. فالمجتمع الإيراني يقوم على فسيفساء قومية واسعة، كما أن الرهان على تحريك عامل عرقي في صراع إقليمي قد يفتح الباب أمام تداعيات يصعب ضبطها، سواء داخل إيران نفسها أو على مستوى التوازنات الإقليمية. كما يطرح السؤال حول مدى قدرة هذه الجماعات على لعب دور ميداني مؤثر، وما إذا كان يمكن أن تتحول بالفعل إلى "قوة على الأرض" في مواجهة السلطة الإيرانية.
وفي ضوء هذه التساؤلات، يعود الجدل حول جدوى استخدام الورقة الكردية في الصراع مع طهران: هل يمكن أن تشكل أداة ضغط حقيقية على النظام الإيراني، أم أن هذا الخيار قد يقود إلى تعقيدات وصراعات أوسع تتجاوز حدود المواجهة الحالية؟
برزت خلال السنوات الاخيرة فكرة استثمار التوترات بين المكونات العرقية داخل إيران كوسيلة لإضعاف النظام السياسي في البلاد. وفي هذا السياق، تظهر الورقة الكردية باعتبارها أحد الخيارات التي يناقشها بعض المخططين العسكريين في الولايات المتحدة وإسرائيل، انطلاقا من الاعتقاد بأن تحريك جبهة داخلية يمكن أن يضاعف الضغط العسكري والسياسي على طهران.
وتقوم هذه الفرضية على أن الضربات الخارجية وحدها قد لا تكون كافية لإحداث تغيير جوهري في موازين القوى داخل إيران، ما يدفع إلى التفكير في قوى محلية قادرة على التحرك ميدانيا داخل البلاد أو على حدودها. غير أن هذا التصور، رغم جاذبيته في الحسابات الاستراتيجية، ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ إن اللعب على التوترات العرقية قد يؤدي إلى نتائج يصعب التحكم فيها، وقد يفتح الباب أمام صراعات داخلية معقدة.
يبلغ عدد سكان إيران نحو 90 مليون نسمة، ويشكل الفرس غالبية السكان. وبخلاف دول مجاورة مثل افغانستان أو العراق، لم تشهد إيران تاريخيا المستوى نفسه من الانقسامات العرقية أو الطائفية الحادة التي تهدد وحدة الدولة.
مع ذلك، فإن المجتمع الايراني يتكون من مجموعة واسعة من القوميات والاقليات. فإلى جانب الفرس، يعيش في البلاد الاكراد والاذريون والعرب والتركمان والبلوش، ولكل من هذه المكونات حضور تاريخي وجغرافي داخل الدولة.
ويعد الاذريون أكبر الاقليات في إيران، ويتمركزون في الشمال الغربي قرب الحدود مع أذربيجان. وقد اندمج هذا المكون بدرجة كبيرة في مؤسسات الدولة الايرانية، وكان المرشد الراحل علي خامنئي نفسه من اصول أذرية.
كما توجد اقليات عربية في جنوب غرب البلاد، وتركمانية في الشمال، وبلوشية في الجنوب الشرقي قرب الحدود مع باكستان، حيث تنشط في بعض المناطق حركات تمرد مسلحة. ورغم هذا التنوع، بقيت هذه المكونات في معظمها جزءا من النسيج السياسي والاجتماعي للدولة الايرانية، ما يجعل تحويل العامل العرقي إلى أداة صراع أمرا بالغ التعقيد.
في خضم التصعيد الحالي، شنت طهران ضربات استهدفت مجموعات كردية ايرانية مسلحة متمركزة في مناطق جبلية شمال العراق قرب الحدود مع إيران. وتشكل هذه المناطق منذ سنوات طويلة ملاذا للفصائل المعارضة للنظام الايراني، التي تتخذ من التضاريس الوعرة في تلك المنطقة قاعدة لنشاطها.
وبحسب مسؤول كردي، قتل أحد المقاتلين الاربعاء داخل أحد هذه المخيمات نتيجة هذه الضربات. وتعكس هذه التطورات استمرار التوتر المزمن بين السلطات الايرانية وبعض التنظيمات الكردية المسلحة التي تتهمها طهران بالعمل ضد أمن الدولة.
تزامن التصعيد الميداني مع تقارير تداولتها وسائل اعلام اميركية تحدثت عن احتمال قيام الولايات المتحدة بتسليح فصائل كردية بهدف اشعال انتفاضة ضد السلطة في طهران.
غير أن الناطقة باسم البيت الابيض كارولاين ليفيت نفت هذه المعلومات، ووصفت التقارير التي تحدثت عن خطة من هذا النوع بأنها "عارية من الصحة تماما". ومع ذلك، أكدت أن الرئيس الاميركي تحدث مع قادة اكراد بشأن القاعدة العسكرية التي تستخدمها الولايات المتحدة في شمال العراق.
هذا التناقض بين التقارير الاعلامية والنفي الرسمي يعكس حجم الجدل الدائر حول طبيعة الدور الذي قد تلعبه هذه الجماعات في المرحلة المقبلة.
يرى مطلعون على النقاشات الدائرة في واشنطن أن المقاتلين الأكراد الذين تصفهم طهران بأنهم "إرهابيون" يُنظر إليهم في بعض الأوساط الأميركية باعتبارهم القوة الأكثر تنظيما داخل حركة المعارضة الإيرانية بالمعنى الواسع.
ويشير هؤلاء إلى أن طبيعة العمليات العسكرية ضد إيران تجعل الولايات المتحدة وإسرائيل بحاجة إلى وجود طرف مسلح على الأرض، خصوصا أنهما لا تعتزمان إرسال قوات خاصة إلى الداخل الإيراني.
وفي المقابل، يحظى رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل المقيم في الولايات المتحدة، باعتراف سياسي في بعض الأوساط الغربية بحكم رمزية اسمه، لكنه لا يمتلك دعما مسلحا داخل إيران.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن الفصائل الكردية قد تلعب دورا يشبه إلى حد ما الدور الذي أداه "تحالف الشمال" في أفغانستان عام 2001 ضد حركة طالبان.
ففي تلك المرحلة، شكلت هذه القوات المحلية قاعدة برية ساعدت الولايات المتحدة في تنفيذ عملياتها العسكرية، ووفرت لها موطئ قدم ميدانيا داخل البلاد. ويعتقد بعض المحللين أن تكرار نموذج مشابه في إيران قد يسمح بإقامة مناطق نفوذ يمكن أن تنطلق منها عمليات عسكرية أو استخباراتية ضد السلطة في طهران.
غير أن هذا السيناريو يثير مخاوف جدية لدى عدد من المراقبين، الذين يحذرون من أن الاعتماد على الانقسامات العرقية قد يقود إلى نتائج غير متوقعة.
فإيران ليست ساحة صراع بسيطة، وأي محاولة لتأجيج التوترات القومية قد تؤدي إلى فتح سلسلة من النزاعات الداخلية بين المكونات المختلفة في البلاد، وهو ما قد يخلق حالة من الفوضى السياسية والامنية يصعب احتواؤها.
وقبل أيام من بدء العملية العسكرية الاميركية الاسرائيلية، أعلنت خمس جماعات كردية ايرانية متمركزة في العراق تشكيل تحالف سياسي يهدف إلى إسقاط الجمهورية الاسلامية وتحقيق حق الاكراد في تقرير المصير.
وأثار هذا الاعلان رد فعل من رضا بهلوي الذي اعتبر أن مثل هذه الطروحات تمثل تهديدا لوحدة إيران، مؤكدا أن "وحدة الاراضي الايرانية خط احمر".
في المقابل، يؤكد ممثل الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني في الولايات المتحدة أن الحركة الكردية لا تسعى إلى تقسيم إيران، بل إلى إعادة صياغة شكل الدولة.
وقال آرش صالح: "نعتبر أنفسنا قوة إيرانية تريد الحفاظ على وحدة أراضي الوطن، لكننا نرى أن أفضل وسيلة للحفاظ على قوتها هي إيجاد آليات تمكن جميع الإيرانيين من الشعور بأنهم جزء من هذا البلد".
ويعكس هذا الطرح توجها لدى بعض القوى الكردية يقوم على المطالبة بنظام فدرالي يمنح الاقاليم صلاحيات أوسع، بدلا من السعي إلى الانفصال الكامل.
لا يقتصر تأثير هذه التطورات على الداخل الايراني، بل يمتد إلى التوازنات الاقليمية، وخصوصا بالنسبة إلى تركيا التي تنظر بحذر شديد إلى أي تحرك مسلح كردي جديد في المنطقة.
فأنقرة تخشى أن يؤدي فتح جبهة كردية في إيران إلى إعادة تنشيط الشبكات المسلحة الكردية العابرة للحدود، وهو ما قد ينعكس على وضعها الداخلي وعلى توازنات الملف الكردي في الشرق الاوسط.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن استخدام الورقة الكردية في الصراع مع إيران قد يشكل أداة ضغط على طهران، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام تداعيات اقليمية أوسع، تتجاوز حدود المواجهة الحالية وتمتد إلى ملفات قومية وسياسية شديدة الحساسية في المنطقة.
المصدر:
يورو نيوز