تناولت صحيفة وول ستريت جورنال ما قالت إنه إستراتيجية جديدة يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتغيير الأنظمة في الخارج، تقوم على توجيه ضربات عسكرية لإضعاف القيادة الحاكمة، ثم ترك مصير النظام بيد السكان المحليين، وقد لخّصها الرئيس نفسه في عبارة "نحن نقصف وأنتم تقررون".
ويصف مسؤولون في الإدارة الأمريكية هذه المقاربة بعبارة "اضرب الرأس واترك الباقي يتولى المهمة"، في إشارة إلى استهداف القادة الكبار وإفساح المجال لقوى داخلية لتولي السلطة من دون تدخل بري أمريكي واسع.
واستشهدت الصحيفة بحالة فنزويلا، حين أطاحت واشنطن بالرئيس نيكولاس مادورو عبر عملية عسكرية محدودة، لكنها أبقت على بقية مؤسسات الحكم، معتبرة أن الفنزويليين أنفسهم هم من يجب أن يدفعوا نحو انتقال سياسي.
وقد ظهرت هذه المقاربة الجديدة في إيران، حيث دعا ترمب الإيرانيين إلى إسقاط النظام بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربات أمريكية وإسرائيلية، مع ممارسة ضغط عسكري من الجو ومحاولات لتشجيع قوى داخلية على التحرك ضد السلطة.
وفي كل من إيران وفنزويلا، يؤكد ترمب أن مصير تلك الدول يعود في النهاية إلى شعوبها، حتى في الوقت الذي يُطرَح فيه أسماء خلفاء مفضلين ويمارس فيه الجيش الأمريكي ضغطا عسكريا من الجو.
وذكرت الصحيفة أن للولايات المتحدة تاريخا طويلا في محاولة الإطاحة بقادة أجانب لا تحبذهم، بدءا من إيران عام 1953، مرورا بفيتنام وتشيلي خلال العقود التالية، وذلك في إستراتيجية تقوم على عمليات سرية تارة، وحملات ضغط تارة أخرى، وحتى استخدام القوة العسكرية الصريحة لتنصيب حكومات أكثر توافقا مع المصالح الأمريكية.
وفي هذا القرن انخرطت الولايات المتحدة في اثنتين من أطول حروبها، بأفغانستان والعراق، بعد عمليات عسكرية خاطفة أطاحت بأنظمة تعتبرها تهديدا للأمن القومي الأمريكي، وقد ساهمت تلك الحروب الطويلة في صعود حركة "اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا" ( ماغا) التي التفّت حول ترمب بسبب وعوده بتجنب التورط العسكري في الخارج.
وتسعى الإدارة الأمريكية من خلال هذا النهج إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية مثل الوصول إلى النفط، وتقليل الهجرة وتدفق المخدرات، وإضعاف الخصوم، من دون المخاطرة بإرسال قوات برية كبيرة كما حدث في حربي العراق وأفغانستان.
ويعكس هذا التوجه أيضا رفض ترمب لما يسميه "سياسة بناء الدول" التي يرى أنها فشلت وكلفت الولايات المتحدة حروبا طويلة ومكلفة، وهو يفضل العمل مع حكومات أكثر ودية، يمكن أن تقدم مكاسب ملموسة تعرض على أنها انتصارات لسياسة "أمريكا أولا".
ويقول حلفاء ترمب إن القادة الجدد الذين تدعمهم واشنطن إذا لم ينجحوا في تلبية توقعات الإدارة، ستقوم ببساطة بإعادة ضبط اللعبة، حيث يقول السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام: "نحن نبتكر نموذجا جديدا، سنمنحكم فرصة، وأنتم تقررون ما تريدون فعله. وإذا انتخبوا جماعة جديدة تريد قتل الأمريكيين، فسنقتلهم".
ومع ذلك، يحذر خبراء من أن هذه السياسة تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي الضربات العسكرية إلى فراغ في السلطة أو صراعات داخلية، كما حدث في ليبيا بعد إسقاط معمر القذافي عام 2011.
ويشير محللون إلى أن الأنظمة السلطوية مثل إيران تمتلك أجهزة أمنية قوية قد تمنع أي انتفاضة شعبية، وأن الاعتماد على القوة الجوية وحدها قد لا يكون كافيا لإحداث تغيير سياسي حقيقي.
وتبحث إدارة ترمب عن شخصيات من داخل الأنظمة المستهدفة يمكن أن تتولى السلطة بعد إضعاف القيادة الحالية، على غرار ما تسميه "نموذج فنزويلا"، لكنّ مراقبين يشككون في إمكانية تكرار هذا النموذج في دول أكثر تماسكا سياسيا وأمنيا.
وفي الوقت نفسه، يتزايد القلق داخل واشنطن من أن الضربات ضد إيران قد تخلق فراغا سياسيا أو صراعا داخليا، وهو ما يُعيد إلى الأذهان التجربة الأمريكية في العراق، حين تحولت عملية عسكرية سريعة إلى أزمة طويلة الأمد.
وبينما يرى أنصار ترمب أن هذه الإستراتيجية تمنح الولايات المتحدة نفوذا بأقل كلفة ممكنة، يخشى منتقدون من أن تكرارها قد يؤدي إلى عدم استقرار إقليمي واسع، ويُعيد طرح السؤال القديم في السياسة الأمريكية، هل يمكن تغيير الأنظمة من الخارج من دون تحمل مسؤولية ما يحدث بعد سقوطها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة