في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القدس المحتلة- من "درع يهودا" إلى " زئير الأسد"، هكذا تغيَّر عنوان الحرب على إيران، تماما كما تريد تل أبيب في حربها هذه تغيير وجه المنطقة ومعالمها جغرافيا وسياسيا، متكئة بذلك على جدار الدين وشعاراته لتحقيق أهدافها.
ويعني الاسم ودلالاته الشيء الكثير للإسرائيليين، ويتجاوز بمضمونه المعاني اللغوية إلى الرمزية الدينية التوراتية، وما يحمله من أبعاد تتعدى بطبيعتها حدود الحسابات العسكرية التقليدية. وقد أسقطت الحكومة واقعيا هذا الاسم الجديد وكأنها تعيد صياغة الحدث بما يتلاقى ومصالحها مع متطلبات المرحلة وحيثيات الزمان والمكان.
واللافت أن موعد العملية العسكرية جاء متزامنا مع ليلة بوريم، المعروف بـ"عيد المساخر"، الذي يحتفل به اليهود بذكرى خلاصهم من مؤامرة هامان، وزير الإمبراطور الأخميني أحشويرش، الذي ألقى قرعة لتحديد اليوم المناسب لمذبحة اليهود. ووفق المعتقدات التوراتية، تمكنت أستير، زوجة الملك اليهودية، بتوجيه من مردخاي (مرشدها في بلاط الملك أحشويرش)، من إنقاذ شعبها والقضاء على هامان وأتباعه، ليصبح هذا اليوم رمزا للنصر والخلاص.
واختيار هذا التوقيت يعكس استحضار الرمزية التاريخية والدينية، ويمنح العملية بعدا تعبويا وإستراتيجيا، كما يربطها بسردية النجاة والدفاع عن الوجود اليهودي.
وليس هذا التقليد جديدا، فإسرائيل منذ نكبة فلسطين عام 1948 حرصت على اختيار أسماء ذات بُعد توراتي أو تاريخي لعملياتها، لترسيخ شرعية رمزية تربط الحاضر بسردية تاريخية ممتدة.
وعندما تُمنح العمليات العسكرية أسماء مستمدة من النصوص الدينية، يعاد تأطير الجيش الإسرائيلي ليس بوصفه قوة احتلال حديثة فحسب بل كامتداد لتاريخ توراتي، لتعزيز خطاب داخلي يدمج بين الأمني والسياسي والعقائدي.
ويرتبط رمز الأسد في التراث العبري بسبط "يهوذا"، أحد أسباط "بني إسرائيل"، الذي يمثّل القوة والسيادة وفق السردية التوراتية.
ومن هنا، فإن اختيار اسم "زئير الأسد" يستحضر صورة القوة الهجومية لا الدفاعية فحسب، فـ"الزئير" يحمل دلالة الهيبة والهجوم وإعلان الحضور، بما يتماشى مع الخطاب الإسرائيلي الذي يصوّر العملية بأنها ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن القومي وردع ما تصفه بالتهديد الوجودي الإيراني، وهو ما عبَّر عنه صراحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب ل لمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة.
وتَعزَّز هذا البعد الرمزي في توصيفات عسكرية أخرى، إذ أطلق قائد سلاح الجو الإسرائيلي اللواء تومار بارا على أسراب الطائرات الحربية التي تنفذ الغارات اسم "سفر التكوين"، في إحالة مباشرة إلى أول أسفار التوراة.
وتمنح مثل هذه التسمية العمل العسكري بُعدا تأسيسيا يوحي ببداية مرحلة جديدة أو "خلق واقع" مغاير، وفق سردية دينية توراتية تتداخل فيها الرموز اللاهوتية مع الخطاب السياسي. وتسعى إسرائيل إلى تقديم عملياتها ضد إيران بوصفها معركة وجودية لا تحتمل التأجيل، وضرورة إستراتيجية تمليها اعتبارات الأمن القومي ومعادلات الردع في المنطقة.
وفي السياق، جاءت تصريحات رئيس الأركان إيال زامير عقب الهجوم، لتؤكد أن ما يجري ليس عملية عسكرية عابرة بل خطوة تهدف إلى حماية الدولة ومنع ما تصفه المؤسسة الأمنية بتهديد إستراتيجي متصاعد.
وتبدو تسمية "زئير الأسد" وأسراب "سفر التكوين" أكثر من مجرد عناوين عمليات عسكرية، فهي أدوات رمزية تعكس كيفية توظيف التراث الديني اليهودي لتأطير المواجهة مع إيران ضمن سردية وجودية وتاريخية، في حين تثير تساؤلات إقليمية عن تداخل الدين بالسياسة وحدود استخدام الرموز التوراتية في الصراعات المعاصرة.
وتحت عنوان "هذه حرب قائمة على الوصايا"، نشر الكاتب الإسرائيلي بن درور يميني -المحسوب على التيار الديني القومي- مقالا في صحيفة يديعوت أحرونوت، تناول فيه الحرب من منظور أخلاقي وديني.
وأوضح أن الحرب أمر سيئ بطبيعته لكنها استثنائية في هذه الحالة، إذ يكون التردد في شن الهجوم المبكر مكلفا وخسارته لاحقا فادحة، مؤكدا أن الهدف يتجاوز الدفاع، لتكون خطوة حاسمة لتغيير وجه الشرق الأوسط، وأن مواجهة الشر واستئصاله واجب أخلاقي ووطني سامٍ وفق وصايا التوراة.
ويرى يميني أن الحرب لا خيار فيها بل هي واجبة لحماية الشعب اليهودي وأمن الدولة، وتمثّل مسؤولية أخلاقية ودينية لا يمكن التراجع عنها. ويتقاطع هذا البعد الديني مع مفاهيم أوسع داخل التيار الصهيوني الديني، وعلى رأسها فكرة "أرض إسرائيل الكبرى"، التي تَعُد فلسطين التاريخية وربما ما يتجاوزها وعدا توراتيا.
وقبل أيام من العملية، أثار الحديث عن سعي إسرائيل للسيطرة على منطقة تمتد "من الفرات إلى النيل" جدلا واسعا، بعد تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي أيَّد فكرة السيطرة الإسرائيلية الواسعة النطاق.
وعن هذا، طرح موقع "كيبا"، الموجَّه إلى الجمهور الديني القومي، سؤالا على رئيس المعارضة يائير لابيد بشأن موقفه من هذا الطرح، فرد بالإشارة إلى "عقد ملكية" الشعب اليهودي لأرض إسرائيل، مؤكدا أن هذه الرؤية تستند إلى النصوص التوراتية، وأن الحدود من هذا المنطلق توراتية.
كما أبدى تأييده لفكرة "إسرائيل الكبرى" التي تشمل توسيع نطاق الدولة لتضم المنطقة الممتدة بين نهري النيل والفرات، في إطار رؤية دينية وتاريخية يرى فيها ضمانا لمستقبل آمن للشعب اليهودي. وشدَّد لابيد على أن موقفه المبدئي يقوم على أسس صهيونية ودينية، مؤكدا دعمه أي توجه يمنح اليهود أرضا واسعة وآمنة، ويضمن لهم ولأبنائهم وأحفادهم مستقبلا مستقرا في المنطقة.
وفي قراءة نشرها على حسابه في فيسبوك، قدَّم الحقوقي الفلسطيني المحامي مصطفى محاميد تفسيرا لهذا التوجه الإسرائيلي في توظيف الأسماء والرموز التوراتية في الحروب والعمليات العسكرية، وقال إن ما يجري يتجاوز كونه صراعا سياسيا أو أمنيا تقليديا.
ورأى أن الحرب على إيران تُقدَّم في الخطاب الإسرائيلي بوصفها حربا ذات بعد ديني عقدي، تنبع من قراءة توراتية يَعُدها مؤسِّسة لمشروع "إسرائيل الكبرى"، مستشهدا بتصريحات السفير الأمريكي هاكابي، التي تحدث فيها عن "حق توراتي" لإسرائيل في السيطرة على مناطق واسعة في الشرق الأوسط، موضحا أنها تعكس تبنّيا لرؤية ذات مرجعية دينية.
كما أشار إلى خطاب نتنياهو، الذي تحدث فيه عن أن ما بعد إيران قد يشمل أطرافا أخرى في المنطقة، وهو ما فسره محاميد بوصفه جزءا من سردية أوسع تتصل بإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي.
وأورد أيضا تصريحات منسوبة إلى عسكريين أمريكيين وإسرائيليين متقاعدين، تحدثوا فيها عن تحالفات إقليمية محتملة، مبيّنا أن مجمل هذه الطروحات يصب في إطار تصور أيديولوجي يهدف -برأيه- إلى تهيئة المجال لإقامة "إسرائيل الكبرى" الممتدة وفق هذا الخطاب من النيل إلى الفرات.
وخلص محاميد إلى أن الحرب في هذا المنظور ليست مجرد مواجهة عسكرية بل هي صراع ذو أبعاد دينية وسياسية متداخلة. وقارن أيضا بين ما يراه حضورا واضحا للدين في الخطاب الصهيوني وبعض التيارات المسيحية الإنجيلية المؤثرة في الولايات المتحدة، والدعوات في العالم العربي والإسلامي إلى فصل الدين عن السياسة، موضحا أن ثمة ازدواجية في التعامل مع هذه المسألة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة