في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد كفة الحروب المعاصرة تترجح بالصواريخ العابرة أو الطائرات الشبحية فحسب، بل باتت تُحسم داخل أروقة المعالجات الرقمية. ولم يعد السؤال المطروح: "من يملك السلاح الأقوى؟" بل "من يمتلك النموذج الأذكى؟".
فقد كشفت تقارير حديثة عن توظيف نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود" (Claude) التابع لشركة Anthropic في عمليات استخباراتية وعسكرية أميركية، والتوصل عبره إلى مقر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي وعدد من قادة إيران، والتمكن من اغتيالهم، في تطور وصفه مراقبون بأنه انعطافة خطيرة تؤكد دخول العالم عصر "الحرب الخوارزمية".
وأثار ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد تحول فعلياً إلى شريك داخل غرف اتخاذ القرار العسكري.
في هذا السياق، أوضح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات في مصر، أن تقارير صحافية كشفت استعانة القيادة المركزية الأميركية بنموذج "كلود" لتحليل بيانات جغرافية واستخباراتية بالغة التعقيد.
وأضاف أن التقارير أشارت إلى استخدام النموذج في تحليل المسح الجغرافي لمجمع باستور في طهران، المقر الرسمي المحصن للمرشد الأعلى علي خامنئي.
كما أكد أن القضية، بعيداً عن الجدل السياسي، تقنية بامتياز، متسائلاً عن كيفية تمكن نموذج لغوي من تحديد هدف عسكري عالي القيمة بدقة تقترب من نسبة خطأ شبه معدومة، وفق ما ورد في التسريبات.
وبيّن رمضان أن نماذج مثل "كلود" لا تعمل كأجهزة تتبع، بل ك"محركات تحليلية" فائقة تُغذّى ببيانات متنوعة تشمل صور أقمار صناعية عالية الدقة، وتسجيلات اتصالات، وتحليل أنماط تحرك المركبات عبر الإشارات الحرارية، إلى جانب بيانات المصادر المفتوحة (OSINT) وتقارير الاستخبارات البشرية (HUMINT).
فيما أوضح أنه في حال رصدت الأقمار الصناعية تحركاً مريباً بالتزامن مع تغير في نمط الاتصالات المشفرة، يقوم النموذج بحساب احتمالية وجود شخصية عالية القيمة، ثم يحاكي آلاف السيناريوهات ليقترح التوقيت والمسار الأقل مخاطرة لتنفيذ العملية.
وأشار إلى أن وزارة الدفاع الأميركية اتجهت إلى تبني مبدأ "التعدد الخوارزمي"، من خلال الاستعانة بنماذج تابعة لشركات مثل OpenAI وGoogle، بهدف تقليل الاعتماد على مصدر تقني واحد، رغم ما يرافق ذلك من تحديات سيبرانية وأمنية معقدة.
في المقابل، برز خلاف بين البنتاغون وشركة Anthropic. وفي هذا الإطار، قال اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق لأمن المعلومات، إن الخلاف حمل أبعاداً تقنية وأخلاقية، إذ طلبت الوزارة توسيع استخدام النموذج في المراقبة واسعة النطاق ودعم الأنظمة ذاتية التشغيل عسكرياً، بينما رأت الشركة أن النماذج اللغوية، بحكم طبيعتها الاحتمالية، قد تؤدي إلى أخطاء استراتيجية كارثية في بيئات القتال، نظراً لافتقارها إلى الإدراك السياقي الكامل.
وأضاف الرشيدي أن الخلاف بلغ ذروته بعد هجوم علني من الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الشركة، وإصداره أمراً بوقف استخدام النظام مؤقتاً، متهماً إياها بعرقلة الأمن القومي.
وأثار ذلك، بحسب قوله، سؤالاً جوهرياً حول الجهة التي تتحكم فعلياً بالخوارزمية: الدولة أم الشركة المطورة لها.
في موازاة ذلك حذر الرشيدي من مخاطر تقنية جسيمة، من بينها هجمات "حقن التعليمات" التي تهدف إلى تضليل مخرجات النموذج دون اختراقه، إضافة إلى "تسميم البيانات" عبر التأثير التدريجي على مصادر تعلم النموذج بما يجعله منحازاً أو مضللاً.
وختم بالإشارة إلى أن العالم يقف أمام لحظة تعادل في خطورتها ظهور السلاح النووي، مع فارق أن هذا السلاح الجديد غير مرئي، موضحاً أن القوة لم تعد تُقاس بعدد الجنود، بل بجودة البيانات ودقة التنبؤ.
وأضاف المسؤول السابق أن الدولة التي تسيطر خوارزمياً ستمتلك الأفضلية الاستراتيجية، بعدما انتقلت المعركة من الميدان التقليدي إلى ما وراء الشاشات، حيث تحدد المعادلات الرياضية مصائر الدول.
المصدر:
العربيّة