يعود الجدل من جديد بشأن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الخارجية، والتي يرى مراقبون أنها تقوم على تحقيق أهدافه بأي وسيلة ضغط.
وتقف اليوم فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أمام فوهة مدفع العقوبات الأمريكي، في حين تحذر برسائل كتبتها أكثر من 12 شركة أمريكية ومنظمتين خيريتين من أنها قد تدرج قريبا أسماءها في تقرير للأمم المتحدة "لمساهمتها في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية.
ومن بين هذه الشركات ألفابت وأمازون وكاتربيلر وشيفرون وهيوليت باكارد وآي.بي.إم ولوكهيد مارتن ومايكروسوفت وبالانتير.
وأظهر تحقيق لرويترز بشأن الحملة الأمريكية ضد ألبانيزي والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، أن رسائلها أقلقت الشركات الأمريكية لدرجة أن اثنتين منها على الأقل طلبتا المساعدة من البيت الأبيض.
ولم تنفع الحصون الدبلوماسية التي تتمتع بها ألبانيزي بحكم منصبها الأممي، وهو تطوعي لا تأخذ عليه أجرا، إذ تجاوزت سهام العقوبات الأمريكية هذه الحصانة، بسبب "كتابة رسائل تهديد" إلى الشركات.
وبيّن التحقيق الذي أجرته رويترز مع نحو 24 مسؤولا في الولايات المتحدة والأمم المتحدة وموظفين في المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى أفراد يخضعون لعقوبات، أن سيف عقوبات إدارة ترمب وصل إلى رقاب أخرى شملت قضاة ومدعين عامين في المحكمة، في حملة تهدف جزئيا إلى إحباط أي محاولات مستقبلية لمحاسبته أو محاسبة مسؤولين في إدارته على العمليات العسكرية الأمريكية في الخارج.
لكن ألبانيزي التي تدافع عن حقوق الإنسان في فلسطين، والمصنفة في قائمة وزارة الخزانة الأمريكية للعقوبات، جنبا إلى جنب مع تجار مخدرات مكسيكيين، تشعر أنها فقدت هذه الحقوق، ما دفعها إلى "التظلم" في مقابلة بموطنها الأصلي في مودينا الإيطالية، قائلة "إنني أعاقب بسبب عملي في مجال حقوق الإنسان".
من جهتها، تنظر إدارة ترمب إلى الموضوع بمنظار آخر، إذ تقول إنها فرضت عقوبات على موظفين في المحكمة الجنائية الدولية بسبب محاولاتهم "غير المشروعة والتي لا أساس لها" للتحقيق في جرائم تقول المحكمة إن قادة إسرائيليين ارتكبوها في غزة، وجرائم مزعومة ارتكبها أفراد من الجيش الأمريكي في أفغانستان.
وتتناغم هذه العقوبات مع ادعاء الخارجية الأمريكية بأن ألبانيزي شجعت المحكمة على التحقيق مع شركات أمريكية ومديرين تنفيذيين فيها، متوعدة في بيان العقوبات بأنها لن تتساهل في هذا الشأن، وأضافت "لن نتهاون مع هذه الحملات من الحرب السياسية والاقتصادية".
لكن العقوبات الأمريكية ضد ألبانيزي و8 قضاة و3 مدعين عامين العام الماضي، في ضربة قوية للهيئات القضائية الدولية وهيئات حقوق الإنسان، ليست محل إجماع داخل الإدارة الأمريكية نفسها، إذ هناك من يدعو إلى ضبط النفس، في حين يدفع مسؤولون كبار باتجاه إجراءات أكثر صرامة لتعطيل عمل المحكمة الجنائية الدولية ومعاقبة ألبانيزي.
ولم تفتّ العقوبات في عضد ألبانيزي، التي أُغلقت حساباتها المصرفية، كحال كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، وألغيت بطاقاتها الائتمانية، واضطرت في مرات إلى استعارة بطاقة من صديقاتها لتتمكن من السفر، في حين تغيرت حياة ولديها البالغين 12 و9 أعوام، وفقدا حرية العيش واللعب في الحي الذي يعيشان فيه بتونس بعد تلقيها تهديدات جسدية.
وإلى جانب قلق الشركات الأمريكية من تهديدات ألبانيزي، وقلق ترمب وإدارته من احتمال محاسبتهم مستقبلا، ينشأ قلق أوسع في العالم من أن يؤدي هجوم ترمب على المحكمة إلى إضعاف إحدى الهيئات القليلة التي يمكنها محاسبة قادة نافذين، بمن فيهم أمريكيون.
فبعض المحامين والدبلوماسيين قلقون من "انتهاك القانون الدولي" الذي مارسته أمريكا باعتقال الرئيس الفنزويلي والهجمات القاتلة على مهربي مخدرات مزعومين في الكاريبي، والتهديد بمهاجمة إيران، ومحاولات إجبار الدانمارك، العضو في حلف الناتو، على تسليم غرينلاند.
ووفقا لتقرير رويترز، يقول 8 خبراء في العقوبات الأمريكية إن استهداف ألبانيزي وموظفين بالمحكمة الجنائية الدولية، يمثل تطورا خطِرا أمام محاولات تعطيل عمل هذه المؤسسات أو تفكيكها إذا اعتبرت تهديدا لمصالح الشركات الأمريكية.
وما يشعل قلق الأوساط الدولية، هو الخشية على مصير منظمة الأمم المتحدة بعد إنشاء ترمب مجلس السلام الذي يهدف، تحت قيادته، إلى حل النزاعات العالمية.
وفي هذا السياق، قالت نانسي كومبس أستاذة القانون الدولي في كلية وليام آند ماري للحقوق بولاية فرجينيا، إن "العقوبات الأمريكية ضد المحكمة الجنائية الدولية تمثل بوضوح محاولة لتقويض مؤسسة لطالما عارضتها إدارة ترمب. إنها جزء من رؤيتهم الأوسع للعالم، والتي تقوم على أن الأمريكيين يستفيدون عندما لا يتقيدون بمجموعة من المعايير الدولية الضعيفة".
ووضعت سياسات ترمب الخارجية ألبانيزي والمحكمة الجنائية الدولية وحتى الأمم المتحدة، في سلة عقوبات أمريكية واحدة، تاركة العالم في حالة تساؤل عن حدود استعمال سلاح العقوبات في المرحلة المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة