كانت كأس أمم إفريقيا في نسختها التي نظمتها المملكة المغربية سنة 2025، امتحانا أمام أنظار العالم، واكبته أعين المحللين والاقتصاديين لتدقق في جاهزية البلد لتنظيم كأس العالم باشتراك مع إسبانيا والبرتغال ، في أول نسخة تجمع قارتين على مستوى التنظيم سنة 2030.
أنفق المغرب أكثر من مليار يورو للاستعداد لنسخة الكان الأخيرة، التي أجمع العالم على أنها كانت استثنائية بكل المقاييس، وتجاوزت كل النسخ السابقة تنظيما، رغم ما شاب الأسبوع الأخير من المباريات من توتر لا يتحمله البلد المنظم.
استثمارات جعلت البنية التحتية خاصة في المدن الست التي نُظِمت فيها المباريات، تبدو في جاهزية تامة لاستقبال الوفود المشاركة والمشجعين من مختلف البلدان.
كما أن التصريحات الرسمية في المغرب تشير إلى ذلك، إذ قال رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة المغربي في تصريح لموقع القناة الثانية المغربية، إن "الاستثمارات التي أنجزت لتنظيم كأس أفريقيا تمثل 80 بالمئة من الاستثمارات التي يحتاجها المغرب في المجال الرياضي لأجل تنظيم كأس العالم".
طرامواي يربط مدينة الرباط وسلا بحلة الاحتفاء بتنظيم كأس الأمم الإفريقية بالمغرب صورة من: DWرقم يراه الخبير الاقتصادي محمد جدري مبالغا فيه، وشرح في حديثه لـ DW عربية "80 بالمئة لم يصل لها المغرب بعد، لأننا أمام أوراش مفتوحة في البنيات التحتية يجب إنهاؤها، لكن في الوقت ذاته مازال أمام المغرب ما يكفي من الوقت لإنجاز كل ما يحتاجه. صحيح أننا حققنا تقدما سريعا على مستوى التجهيز، لكن مازال أمام المغرب عمل لإتمامه".
كانت التقارير والتحليلات الذي سبقت تنظيم المغرب لنسخة الكان الأخيرة، تعبر عن انبهار كبير من سرعة إنجاز بعض المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية، سواء تعلق الأمر بملاعب أو غيرها.
لكن الخبير الاقتصادي محمد جدري له تفسير للأمر، إذ يقول: "إن المملكة اليوم تتوفر على رؤية اقتصادية 2035، تبتغي من خلالها مضاعفة الناتج الداخلي الخام من 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر 260 مليار دولار سنة 2035، وبالتالي فتنظيم الأحداث الدولية ومن بينها كأس إفريقيا للأمم ومونديال 2030 هي ليست غاية في حد ذاتها، بل مسرعين ومحفزين لهذه الرؤية الاقتصادية، فالتحدي الذي تواجهه المملكة بتنظيمهما يجعلها في صلب التزامات دولية حول البنيات التحتية".
وعند الحديث عن البنية التحتية فالمقصود هنا: الطرق السيارة والمطاعم والفنادق والمطارات والموانئ والملاعب الرياضية، التي تبقى في نهاية الأمر داخل البلد ليستفيد منها المواطنون المغاربة، حسب تفسير جدري، الذي اعتبر أن "هذا الجهد الذي بذل لتنظيم كأس إفريقيا، جعل نسبة من هذه البنية التحتية جاهزة لتنظيم المونديال، خاصة عندما نتحدث عن محور طنجة الرباط ، فيمكننا القول بكل تأكيد أنه صار جاهزا تماما لتنظيم المونديال بدون شك منذ الغد وليس في غضون أربع سنوات".
التاكسي الصغير يعتبر من أهم وسائل النقل داخل المدن المغربية وقد زين بمناسبة كأس الأمم الإفريقيةصورة من: DWيرى العديد من المحللين أن كأس الأمم الإفريقية كانت البروفا الأولى لتنظيم المونديال المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، وهو ما يؤكده الخبير جدري قائلا: " النسخة الأخيرة من الكان، بحسناتها وسلبياتها، أعدت المغرب لتنظيم مشرف للمونديال رفقة البلدين الأوروبيين".
وأضاف موضحا: "لكن لدى المغرب أوراش أخرى مفتوحة، يجب العمل على إنهائها، مثل القطار فائق السرعة، الذي يجب أن يصل إلى مراكش سنة 2029، وتجديد الموانئ والمطارات في المدن المحتضنة للمباريات، وأيضا المطاعم والفنادق التي يجب أن تكون مستعدة لاستقبال 26 مليون سائح بحلول سنة 2030".
يتوفر المغرب على بنية تحتية كبيرة فيما يخص النقل، إذ تنقلت جماهير الكان بين المدن بالقطارات والحافلات والتاكسي كبير الحجم، وداخل المدن أيضا هناك تنوع في وسائل النقل المتوفرة من ترامواي وتاكسي وكوتشي في مراكش وغيرها.
لكن حتى قبل تنظيم نسخة الكان المغربية، كان المواطنون خاصة في المدن الكبرى قد ألفوا الاعتماد على تطبيقات النقل بشكل يومي، والمقصود هنا خاصة تطبيق Indrive بالمغرب، لكن السائقون مازالوا يشتكون التضييق عليهم أثناء العمل، فالتطبيق غير مرخص بعد في البلد، مما يجعل كثيرين منهم تحت طائلة المساءلة القانونية.
لكن الخبير الاقتصادي محمد جدري، يرى أن مسألة تقنين العمل بالتطبيقات في مجال النقل "هي مسألة وقت لا أكثر، فالمغرب يتجه صوب هذا الأمر ولن يتأخر، وتصريح وزير الداخلية كان واضحا في البرلمان بخصوصه".
كما يرى المتحدث، أن المغرب بمشاركته في تنظيم كأس العالم مع دول أوروبية مجاورة "سيكون في مواجهة مقارنة صعبة، لأن المشجعين الأجانب عندما يزورون إسبانيا والبرتغال، سيقارنون الجودة هناك مع المغرب في كل شيء، حتى على مستوى التطور في استعمال التطبيقات لمثل هذه الأغراض. وأنا أجزم أن المغرب لن ينظم المونديال بدون هذه التطبيقات، بل ستكون متوفرة حينها".
التاكسي الكبير وسيلة نقل بين المدن وداخلها في المغرب تزينت بحلة الاحتفاء بتنظيم المملكة لكأس الأمم الإفريقيةصورة من: DWكما أن الكثير من المشجعين المتوافدين على المغرب خلال الكان اختاروا السكن في الشقق عوض الفنادق، وكان حجزها يتم عبر مواقع عالمية، وهو ما جعل المحلل جدري يعتبر أن "المغرب يعيش انتقالا رقميا حقيقيا، من العادي أن يشهد مقاومة في البداية، لكن لا يمكن أن تستمر طويلا".
بالنسبة لجدري "تطبيقات ومواقع مثل "إبر بي إن بي" أو "بوكينغ" أيضا تعمل بشكل جيد، وستكون أكثر تقنينا في المستقبل، وتقنينها سيكون في صالح خزينة المملكة التي ستستفيد من الضرائب التي يؤديها المواطنون، وهذا التنوع سيوفر الاختيار لمن سيزور المغرب من سياح ومشجعين، وهو ما سيساعد المغرب في تجاوز الأرقام التي يسطرها على مستوى السياحة".
تحرير: ع.ج.م
المصدر:
DW