آخر الأخبار

إستراتيجية البنتاغون تُناقض أفعال ترامب

شارك

واشنطن- في افتتاحية إستراتيجية الدفاع التي أعلنها البنتاغون، مساء الجمعة، يقول وزير الحرب بيت هيغسيث "لن تنشغل الوزارة بعد الآن بالتدخلات الخارجية، والحروب التي لا تنتهي، وتغيير الأنظمة، وبناء الدول. بدلا من ذلك، سنضع مصالح شعبنا العملية والملموسة في المقام الأول".

ويُعَد هذا التوجه مغايرا لما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منذ بدء ولايته الثانية، وتغييره اسم "وزارة الدفاع" إلى "وزارة الحرب"، والهجمات العسكرية في إيران و فنزويلا، وغاراته الجوية على أهدف في نيجيريا والصومال وسوريا واليمن والعراق، والتلويح بها في وجه غرينلاند وعدد من دول أمريكا اللاتينية.

في الوقت ذاته، يكتمل بناء القوة العسكرية الأمريكية البحرية والجوية بالقرب من إيران، في الوقت الذي لم يحسم فيه ترمب قراراه النهائي ردا على قمع النظام الإيراني العنيف للاحتجاجات الشعبية.

وعلى منصة إكس، ذكر المعلق العسكري براندون ويشرت أن إستراتيجية البنتاغون العسكرية الجديدة تُعَد بمنزلة "ثورة هادئة في تعريف القوة الأمريكية". ورأى أن الوثيقة "تنهي حقبة استمرت 30 عاما من التفكير العسكري الأمريكي التقليدي".

وأشار إلى تعامل الإستراتيجية مع إيران وكوريا الشمالية بوصفهما مزعزعتين إقليميتين، وليستا عدوين وجوديين. في حين ترسل الولايات المتحدة إشارة مفادها "سنردعكما، لكننا لن نعيد هيكلة القوة بأكملها من حولكما"، وهذا تراجع عن حدة المخاوف من طهران وبيونغ يانغ.

لا تدخلات خارجية.. ولكن!

تحدد الوثيقة الإطار للتخطيط الدفاعي الأمريكي خلال السنوات المقبلة، وتعكس نهج الإدارة الأوسع المعروف بأجندة "أمريكا أولا" في الأمن القومي.

وجدَّد دونالد ترمب، خلال حملته الرئاسية الثالثة لانتخابات الرئاسة 2024، التزامه بموقف تيار "أمريكا أولا" في تجنب دخول مغامرات خارجية لا تتحقق فيها انتصارات واضحة، وتستهلك القوة الأمريكية، وتشتتها عن التحديات الفعلية الممثلة في الصين أساسا.

إعلان

وحاولت وثيقة البنتاغون الموازنة بين محددات تيار "أمريكا أولا" وسياسات الرئيس ترمب ومواقفه الفعلية خلال سنة حكمه الأولى.

وكان لموقف ترمب باستمرار تقديم الدعم الواسع عسكريا ودبلوماسيا لإسرائيل في عدوانها على قطاع غزة، الذي تخللته مشاركة في هجوم واسع على إيران في يونيو/حزيران الماضي، تكلفة كبيرة بين أنصاره في التيارين المحافظ واليميني. وانقسم أتباع ترمب على خلفية عدم تنفيذ الرئيس تعهداته بعدم التورط في حروب خارجية.

وفي السياق ذاته، يقول كريستيان كوتس أولريشسن، خبير الشؤون الدولية بمعهد بيكر في جامعة رايس بولاية تكساس، للجزيرة نت "يبدو أن إصدار الإستراتيجية يؤكد أن إدارة ترمب ستعطي الأولوية لنصف الكرة الغربي".

لكنه يشير إلى "بعض الضغوط التي تواجه قاعدة الدعم السياسي للرئيس التي لا تزال متشككة بشدة في التدخلات الخارجية".

ومن هنا، يضيف الأكاديمي "جاءت صياغة الإستراتيجية بهذه الصورة حتى مع تصرُّف الإدارة بشكل مختلف في فنزويلا وإيران العام الماضي، وفي خطابها بشأن غرينلاند".

مصدر الصورة إستراتيجية البنتاغون الجديدة "أمريكا أولا وأخيرا" (الجزيرة)

تدخلات من نوع مختلف

تشير هذه الوثيقة إلى إعادة ضبط أولويات الدفاع الأمريكي في ظل إدارة ترمب، مع التركيز القوي على "حماية الوطن" ونصف الكرة الغربي مع اتباع نهج أكثر توازنا تجاه النزاعات العالمية.

ومن خلال تسليط الضوء على مواقع إستراتيجية مثل غرينلاند و قناة بنما وخليج أمريكا، يكشف البنتاغون عن أوراقه، مشيرا إلى نيته توسيع نفوذه في المناطق الإستراتيجية الرئيسية.

وجاء في وثيقة البنتاغون انتقاد صريح لسياسة الإدارات السابقة، الجمهوري منها والديمقراطي، في بدء حروب خارجية والتورط في ما عُرفت بمستنقعات الحرب الخارجية التي لا تنتهي.

وقالت الوثيقة "أرسلوا أبناء أمريكا وبناتها الشجعان لخوض حروب تلو الأخرى بلا رؤية للإطاحة بالأنظمة وبناء الأمة في نصف العالم، وبهذا أضاعوا جاهزية جيشنا. لقد أدانوا مقاتلينا، وهاجموهم، وتجاهلوا روح المحارب التي كان يفتخر بها أسلافنا يوما ما، وهو ما جعل هذا الجيش الأمريكي محط حسد العالم".

وكان مثيرا تضمين الوثيقة ما يشير إلى جزيرة غرينلاند بأنها "تضاريس رئيسية" في نصف الكرة الغربي، قبل أن تضيف "سنضمن الوصول العسكري والتجاري الأمريكي إلى مناطق رئيسية، خاصة قناة بنما وخليج أمريكا وغرينلاند".

وكان الرئيس ترمب قد أعرب مرارا عن اهتمامه بالاستحواذ على غرينلاند، ومناقشة فكرة شرائها من الدنمارك، رغم أن قادة الجزيرة المحليين رفضوا عرضه، وأكدوا أن الجزيرة ليست معروضة للبيع.

دفاع عن التناقض

في الوقت ذاته، يدافع أنصار الرئيس ترمب عن تناقض سياساته مع التوجهات الأيديولوجية لتيار "أمريكا أولا" بعدم التدخل الخارجي، اعتمادا على منطق أن هذه التدخلات تختلف جذريا عما عهدته الولايات المتحدة من تدخلات استمرت نحو عشرين عاما في العراق وأفغانستان، وأسفرت عن مئات الآلاف من الضحايا، منهم آلاف من الجنود الأمريكيين.

ويرى هذا التيار أن تدخلات ترمب لم تكن إلا عمليات عسكرية خاطفة لم ينتج عنها أي ضحايا أمريكيين، بل لم ينتج عنها ضحايا غير أمريكيين بأعداد كبيرة. ونجحت هذه الهجمات في تحقيق أهدافها سريعا، سواء في حالة الهجمات على المنشأت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي، أو في عملية كاراكاس التي اعتُقل فيها رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.

في الشرق الأوسط

ومنذ وصوله إلى الحكم للمرة الأولى في يناير/كانون الثاني 2017، ونجاحه في الوصول إلى البيت الأبيض للمرة الثانية في مطلع 2025، يحاول الخبراء والمراقبون داخل الولايات المتحدة وخارجها استيضاح طبيعة محركات الرئيس ترمب تجاه قضايا السياسة الخارجية عموما، وما يتعلق بالشرق الأوسط خصوصا.

إعلان

ويعقّد من صعوبة الإجابة غيابُ إطار أيديولوجي يشكل مرجعية لترمب، فبعيدا عن التزامه العام بمبدأ "أمريكا أولا"، لا يُعرف عنه اتباع نهج محدد تجاه قضايا واشنطن ومصالحها في المنطقة.

وكتب بيت هيغسيث في مقدمة الوثيقة "نحن ندرك أنه ليس من واجب أمريكا ولا في مصلحة أمتنا أن نتصرف في كل مكان بمفردنا، ولن نعوض أوجه الضعف الأمنية لدى الحلفاء بسبب اختيارات قادتهم غير المسؤولة. بدلا من ذلك، ستعطي الوزارة الأولوية لأهم التهديدات وأكثرها خطورة لمصالح الأمريكيين".

وتؤكد الوثيقة هدف إدارة ترمب الذي جرى تفصيله في إستراتيجية البيت الأبيض للأمن القومي التي صدرت الشهر الماضي، وجاء فيها أن تقليل الانخراط الأمريكي في قضايا منطقة الشرق الأوسط سيحدث من خلال تمكين الحلفاء والشركاء هناك من تحمُّل "المسؤولية الأساسية" عن أمن المنطقة، مدعومة بصفقات ضخمة من مبيعات الأسلحة الأمريكية.

وسيعتمد نهج إدارة ترمب تجاه الشرق الأوسط على قيام الشركاء الإقليميين -أي حلفاء واشنطن في المنطقة- بالمزيد، خاصة تجاه احتواء النفوذ الإيراني أو دعم الحكومة السورية الجديدة أو أمن الخليج، في حين لم تذكر الوثيقة العراق أو قطاع غزة.

وهكذا يقرّب ترمب الولايات المتحدة من تنفيذ الانسحاب من الشرق الأوسط بصورة مركَّبة، لا تضر بالنفوذ والمصالح الأمريكية هناك، وهو ما حاول الرؤساء السابقون القيام به، لكنهم فشلوا وتورطوا في مستنقعات المنطقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا