غزة- كان التقدّم نحو المكعّبات الصفراء أشبه بالسير إلى نهاية محتومة؛ فمع كل خطوة تتضح ملامح الرافعات الإسرائيلية أكثر، وعليها كاميرات معلّقة تراقب كل حركة، وتحصي كل ظلّ يمرّ على هذا الخطّ الضيّق بين الحياة والموت في شمال قطاع غزة.
30 مترًا فقط كانت تفصلنا عن " الخط الأصفر" الذي يتمترس خلفه جيش الاحتلال. وهي مسافة قصيرة جدا، وكثيرا ما يقطعها صوت الرصاص المتربّص على الجهة الأخرى.
لم تفارقني الفكرة بأن وجهي الغريب عن هذه المنطقة صار الآن على شاشة من شاشات الرصد الإسرائيلية، يخترق مجالًا لا تدخله عادةً إلا وجوه مألوفة لأفراد عائلتَي المفتي وعرّوق اللتين تعيشان على التخوم مع الاحتلال عند مفترق المفتي شرقي جباليا في شمال القطاع.
رافقنا أحد الشبان في التقدّم، فوسط الركام والمربّعات الممسوحة لا يمكن لأحد التعرف على الطرق المؤدية إلى بيوت العائلتين سوى "ابن المنطقة" كما يسمّيه الناس هنا.
وخلال السير، يشير الشاب بيده إلى السواتر الرملية الفاصلة التي تتقدّم المكعّبات، وقد ارتفعت كإنذار أخير للغزيّين بأن التسلل لما وراءها قد يكون بلا عودة. يعلّق الشاب "فوق الساتر يقف جنود الاحتلال بشكل مستمر، ويتردد المراسلون الإسرائيليون إليه، المكان كلّه خطر".
وحين رفعتُ هاتفي لأوثّق المشهد، تجمّد الشاب بجانبي وقال برجاءٍ حادّ "لا تتهوّري.. لا تصوّري أرجوكِ"، كانت الحدّة في طلبه تنم عن خبرة متراكمة؛ فقد رأوا بأعينهم كيف أسقطت مسيّرات " كواد كابتر" من رفعوا عدسات كاميراتهم، بعد دقائق.
يذكر الشاب الدليل، أن الاحتلال يعلق جهازا اسمه "كاشف وسائط الرؤية"، بهدف رصد أي وسائط كالكاميرات والهواتف وأدوات التصوير لتحديد مصادر التوثيق الذي لا يرغب فيه.
خلال سيرنا، قابلنا فتى يركض نحونا ويصرخ "إسعاف! إسعاف!" وأضاف "لا تسيروا شمالًا، لقد أطلقت المسيّرات قنبلة على شابين كانا يجمعان الحطب من منزلهما". قاطعه الشاب المرافق لي قائلا "لا يمكن للإسعاف الوصول إلى هنا.. اصحب معك أحدا يساعدك في انتشالهم".
ورغم أن التقدّم كان مغامرة موت حقيقية، فإننا استطعنا الاقتراب من الحياة على هذا الخط عن قرب، ليتضح معنى أن تعيش على نقطة تماس تبتلع الداخلين إليها وقد لا تعيدهم.
هذا الرعب خفّفت وطأته ثلاث فتيات يقطعن هذا الطريق القاتل، بشكل شبه يومي، لجلب الماء من أقرب مدرسة إيواء، ثم يعدن وحدهن إلى بيت مهدّم بلا أبوين.
غير أن سؤالا واحدا ظلّ يلح علينا طوال السير في هذا الطريق: ما الذي يدفع الناس للعيش في بقعة تماس مباشر، حيث يصبح الخوف جزءًا من اليوم، والموت احتمالًا حاضرًا في كل ثانية؟
وصلنا إلى مكان إقامتهن؛ لا يمكن تخيّل أن بشرا يعيشون في كومة الركام هذه، ثلاث فتيات مع شقيقهن فقدوا والدهم في الأيام الأولى للحرب، ثم أمّهم قبل سبعة أشهر، ثم شقيقهم الأكبر قبل خمسة أشهر.
تسكن فتيات عائلة العرّوق في غرفة متصدّعة الجدران لكنها لا تزال تحمل رائحة والديهم وأمانا انغمسوا فيه يوما ما، فلا يطقن الابتعاد عن المكان الذي صار آخر ما بقي لهن من ذاكرة وسقف، ولكن أيضا لا بديل لديهن، ولا مصدر دخل يمكّنهن من استئجار مكان "آمن" في قلب المدينة.
قدمت منار مع أشقائها إلى بقايا منزلهم في الأيام الأولى لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وسكنوا فوق الرمل، ثم جمعوا قطع البلاط من الشقق المدمّرة وصنعوا منها أرضية تقاوم البرد. وفي الشتاء يمدّون شادرا بلاستيكيا فوق السقف حتى لا يتسرّب المطر إليهم.
تصف الشقيقة الكبرى منار للجزيرة نت الحياة على ما أصبح يُعرف بـ"الخط الأصفر"؛ حيث تتوالى القنابل الصغيرة التي تُسقطها المسيّرات، وتهزّ القذائف الليل، وتخترق الشظايا الهواء والملابس المعلّقة على الحبال. سألناها "ماذا تفعلون حيال كل ذلك؟" فأجابت "نتمدّد أرضا".. تقولها كما لو أنها صارت إحدى قواعد البقاء هنا.
ومنار التي أنهت دراستها الجامعية وتعتني بإخوتها، تقول إنها ترفض فرص العمل خوفا من اضطرارها لعبور هذا الطريق يوميا. وتوضح "الوضع لا يسمح أن أتردد يوميا، الحياة هنا أكبر وأخطر من اتخاذ أي قرار شخصي".
لا تخرج الفتيات إلا للضرورة القصوى حين تنقطع بهن السبل لجلب الماء أو شراء بعض الحاجيات، يقاومن اليُتم الذي يحاصرهن من كل الاتجاهات، ولا يألفن من الحياة إلا الشعور بـ"الراحة" الذي يجدنه في بقايا المكان المعطّر برائحة والديهن، حتى وإن كان منزوع الأمان.
تقضي منار وشقيقتها ساعات من يومهن في منزل الجارة المقابل. اصطحبتنا إليه، وكانت رائحة اشتعال الحطب تتسلل من بين كتل الإسمنت المطحون، دخانٌ يشبه نَفَس حياة يخرج من صدر مُنهك.
هناك حيث تجلس أم منير، وقد تبدّل حال زوجها النجار الأشهر في منطقة الشمال، الذي كان صاحب مناجر معروفة، أما اليوم فيدقّ الخيام ويثبت الشوادر البلاستيكية، ويتقاضى مقابل ذلك مبلغا زهيدا لا يكاد يؤمّن حاجياته.
يقطع هذا الرجل يوميا أكثر من كيلومترين سيرا على الأقدام ليأتي بالماء ويصل إلى السوق، تعلّق زوجته: "يسألنا الناس لماذا نصِرّ على البقاء هنا ونحن بالكاد نوفر قوت يومنا، ولكن من أين سنُحصّل ثمنا لاستئجار مكان أكثر أمانا؟".
يلتف أطفال أم منير حولها وهي تخبز العجين، يحاولون جذب دفءٍ هارب، فلا مدارس، ولا إنترنت، ولا نافذة على العالم، ولا تواصل مع أقاربهم إلا من خلال هاتف الجارة أو بالشريحة الإلكترونية.
أكثر ما يرعب الصغار هو الليل، فمع غروب الشمس يلتزم الجميع أماكنهم، فلا أحد يتحرك خارج الخيمة، غير أن شظايا تفجير الروبوتات للمنطقة المحاذية للخط الأصفر تصل إليهم. تقول الأم "نجا طفلي النائم بأعجوبة من شظية سقطت بجوار رأسه بعدما أذابت سقف الخيمة".
تعيش أم منير على حافة الموت، وكلها أمل بأن تبدأ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار التي تنص على انسحاب الاحتلال من المناطق القريبة منهم.
للخلف قليلًا، مدارس إيواء فيها مئات النازحين، جلّهم من أهل المنطقة الذين آثروا البقاء بجوار منازلهم، كأم خضر ريان التي عادت منذ اليوم الأول لاتفاق وقف إطلاق النار إلى حارتها، لكن هذه المرة تقيم من دون زوجها وابنها الكبير، حيث استشهدا باستهداف خيمتهم قبل 6 أشهر، وأصيب طفلها يوسف إصابة بليغة فقد على إثرها عينه.
تصف الحياة هنا بأنها "مرعبة"، وتقول إن عينها لا تغمض كل ليلة وهي تهدّئ من روع أبنائها وتقرأ عليهم القرآن، يقاطعها ابنها المصاب بغضب "الحرب ما خلّصت عنّا (لم تنتهِ)، طول الليل ما بننام من القذائف ومن صوت الدبابات".
لا مستشفيات في هذه المنطقة الخطرة بشمال القطاع، ولا عيادات طبية، ولا سيارات تصل بسهولة. تقول أم خضر "لا مواصلات لأحمله، ولا مال لشراء علاج، ولا زوج يعينني، فأعقم جراحه بمحلول منزلي أجهّزه بنفسي، كما أقوم بالعلاج الطبيعي له". وتختم "هذه حياة لم تمنحنا شيئا سوى أنفاسنا التي نلتقطها بصعوبة".
ورغم أن الخط الأصفر لم يتقدم في جباليا، فإنه على امتداد الخط الشرقي لقطاع غزة لا يزال يزحف متجاوزا المسافة المتفق عليها بنحو 600 أو 700 متر.
الأمر الذي يجعل حركة النزوح مستمرةً حيث تتقدم الآليات لزرع الروبوتات ولنسف المباني لتهيئة مسار المكعّبات الصفراء، وهو ابتلاع صامتٌ للقطاع وطحنٌ للحياة فيه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة