من خلال المدارس والمستشفيات والمساعدات الاجتماعية، وبرامج الدعم الاقتصادي، تؤدي كنائس القدس دورا حيويا ومحوريا في حماية نسيج مجتمع مهدد بالتآكل، وتثبيت وجود مسيحي عربي عريق في مدينة تتعرض لضغوطات متواصلة.
ووفق مدير دائرة التنمية والتطوير في البطريركية اللاتينية بالقدس جورج عكروش، فإن آخر إحصاء للسكان في عهد الانتداب البريطاني كان في شهر ديسمبر/كانون أول من عام 1947 وكانت أعداد المسيحيين في القدس آنذاك 30 ألف نسمة، مقابل 33 ألف نسمة من المسلمين.
وأضاف في حديثه -للجزيرة نت- أنه خلال 5 أشهر من التهجير القسري إبّان نكبة عام 1948 تراجعت أعداد المسيحيين بنسبة 70% لأن كثيرا منهم كانوا يسكنون في أحياء غربي المدينة، ولا يتجاوز عددهم اليوم 9 آلاف و900 نسمة يتوزعون على 13 كنيسة رسمية.
وينتمي 5500 مسيحي في القدس إلى الكنيسة اللاتينية، و2300 لكنيسة الروم الأرثوذكس، ويشكل هؤلاء ما نسبته 87% من مسيحيي المدينة، في حين يتوزع البقية على الكنائس الأخرى، وفق عكروش.
وفي إجابته على سؤال كيف تُعرّف الكنيسة مسؤوليتها تجاه رعاياها في القدس في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية المتسارعة، أجاب عكروش أن لدى الكنيسة عقيدة أساسية في الإيمان المسيحي يطلق عليها اسم "العقيدة الاجتماعية"، وتنص على أن "للإنسان كرامته وهو مخلوق على صورة الله ومثاله" وبالتالي يجب ألا يُذل أو يسأل أو يعيش فقيرا.
ومن هنا يبرز دور الكنيسة في مساعدة الفئات المهمشة، وليس من الصدفة -وفقا لعكروش- أنها أبدعت تاريخيا في إنشاء المستشفيات والمدارس في المناطق الفقيرة جدا لتمنح نوعية تعليم عالية لأفقر الفقراء بغض النظر عن الانتماء الديني.
لدى سؤاله عن أشكال الدعم الاجتماعي التي تقدمها الكنائس للعائلات المقدسية، ذهب ضيفنا إلى الحديث عن التحديات التي تواجه مسيحيي القدس وكنائسهم ما ألقى بظلاله على الدعم المقدم ومنها انهيار القطاع السياحي الذي وضع المسيحيون كل قوتهم واستثمارهم فيه، وشكّل هذا عبئا كبيرا على البطريركية اللاتينية في القدس مع توالي الضربات لهذا القطاع في السنوات الخمس الأخيرة بسبب جائحة كورونا والحرب على غزة.
"أصبح لدينا اليوم جيش من العاطلين عن العمل، وكثير من الرعايا عاجزون عن استمرار العيش في المدينة بسبب غلاء المعيشة المفرط، وبالتالي تغيرت أولويات العمل الرعوي في السنوات الأخيرة، وتتعامل الكنيسة مع ظاهرة جديدة أطلقنا عليها اسم الفقراء الجدد".
ولم يطرق الفقراء الجدد -حسب عكروش- باب الكنيسة يوما طلبا للمال من أجل شراء الطعام، لكنهم اضطروا لذلك منذ اندلاع الحرب واضطرت الكنيسة بدورها لتخصيص مبلغ شهري زهيد لكل أسرة من هؤلاء، وارتفعت خدمة الكنيسة تجاه رعاياها خلال عامي الحرب بنسبة 600%.
"لولا هذا الدعم لهاجر الكثير من رعايا الكنيسة، ووَصفتُ رؤية المسيحيين في الأرض المقدسة حتى اليوم بالأعجوبة بسبب الضربات المتلاحقة، وذلك خلال اجتماعنا مع وفد أجنبي زارنا قبل أيام" أضاف عكروش.
وحول كيفية موازنة الكنيسة بين العمل الطارئ وبناء مشاريع اقتصادية مستدامة، أشار المسؤول في البطريركية اللاتينية إلى أن حصة الأسد تصب الآن في خانة العمل الطارئ مع تدهور الأوضاع في الأرض المقدسة من جهة، وبسبب شح المصادر المالية من جهة أخرى.
وتُساعد البطريركية اللاتينية رعاياها المهديين بإخلائهم من منازلهم بسبب عجزهم عن دفع الإيجار، أو من هُدم منزله وبات بلا مأوى، وتساعد من حُرم من حقوقه الاجتماعية وعلى رأسها التأمين الصحي والوطني، أو من سُحب منه حق الإقامة في القدس، وتدفع تكاليف المحامين والمحاكم في هذه القضايا.
وتطرق عكروش إلى محاولات الحكومة الإسرائيلية الحالية تهميش دور الكنائس، ووضع أعباء اقتصادية عليها مؤكدا أن ذلك لا يتماشى مع الدور الحيوي والهام الذي تلعبه المؤسسات الكنسية في القدس.
يستحضر عكروش دراسة أعدها عام 2021، قال إنه أثبت فيها أن الوجود المسيحي الذي لا يتخطى حاجز الـ1% تخدم مؤسساته 40% من المجتمع الفلسطيني "فمثلا لدينا في القدس الشرقية 4 مستشفيات من أصل 6 وتعمل 12 مدرسة مسيحية في المدينة منها 7 داخل البلدة القديمة، ورغم ذلك نُهمش ونُحارب".
عما يعنيه الحفاظ على الوجود المسيحي بالقدس قال ضيفنا إنه "لا يمكن تخيل القدس دون هذا الوجود، لأن المسيحيين يكملون صورة المدينة وبدونها تصبح ألوان لوحة الفسيفساء باهتة، وهم جزء من النسيج المجتمعي ودورهم واضح ويُحترم".
وأضاف "لو قلنا إن نسبة المسيحيين في أي بقعة بالعالم تشكل 1% فإن ذلك أمر عادي، لكنه ليس كذلك في الأرض التي خرج منها المسيح".
من جهته، يقول الرئيس التنفيذي للإدارة العامة لمدارس بطريركية الروم الأرثوذكس الدكتور عودة قوّاس إن دور الكنيسة تجاه رعاياها في القدس في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية صعب ومحدود في الشق السياسي بسبب التعنت الإسرائيلي والظلم الواقع على مسيحيي ومسلمي الوطن.
ومع ذلك أضاف أن الكنيسة تحاول المساعدة في استصدار تصاريح للدخول إلى القدس، وفي معاملات لم شمل الأزواج المختلطة (أحد الزوجين يحمل الهوية الإسرائيلية الزرقاء والآخر هوية الضفة الغربية الفلسطينية الخضراء أو العكس).
وأشار أيضا إلى اتصالات مع العالم الأجنبي مع السفراء المعتمدين في القدس لتوضيح الموقف الفلسطيني، ومعاناة الكنائس مما يحصل ضدها وعلى رأسها قضية الاستيلاء على أملاك الكنائس، والضرائب المفروضة على المنشآت الكنسية بغض النظر إن كانت هذه المنشآت مدرّة للدخل أم لا.
وتحدث قوّاس، وهو عضو اللجنة التنفيذية لمجلس الكنائس العالمي وكنائس الشرق الأوسط، عن مدى إسهام بطريركية الروم الأرثوذكس في تعزيز التماسك المجتمعي والحفاظ على الهوية العربية المسيحية في القدس بالقول إنها تسهم إلى حد كبير في ذلك، من خلال عدم موافقتها حتى الآن على إدخال المنهاج الإسرائيلي "البجروت" إلى مدارسها، رغم اضطرارها للالتزام بكتب المنهاج الفلسطيني (الخاضع للرقابة) التي تفرضها وزارة المعارف الإسرائيلية.
لكن في ما يخص التماسك المجتمعي فضّل قوّاس أن يكون صريحا قائلا "لدينا بعض المشاكل في القضايا الاجتماعية وخاصة قضايا حصر الإرث التي تكلف مبالغ طائلة، لأن رسوم المحاكم الكنسية مرتفعة، فضلا عن وجود أكثر من قانون يسري على هذه القضايا وهي القوانين الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية".
عن مدى إسهام دعم الكنائس في الحد من هجرة مسيحيي القدس، ضرب قوّاس مثالا على مساهمة بطريركية الروم الأرثوذكس بثمن الأرض لـ60 شقة سكنية في مشروع إسكان ببلدة بيت حنينا، فدفعت 250 ألف دولار أميركي لكل عائلة، ودفع كل مالك بقية التكلفة أي ما قيمته 450 ألف دولار، ومن خلال ذلك ثبتت البطريركية وفقا لقوّاس 60 عائلة على الأرض، مشيرا إلى أن هذه هي المرحلة الأولى من مشروع الإسكان فقط.
واقتصرت إجابته على 4 كلمات عند سؤاله: ما أبرز التحديات التي تواجه الكنائس في أداء دورها الاجتماعي والاقتصادي في القدس؟ بالقول " الاحتلال الإسرائيلي وبعض القيادات".
أما عن الرسالة التي توجهها الكنائس للمجتمع الدولي بشأن حماية الوجود المسيحي في القدس، فقال إنه يرفض فكرة "طلب الحماية" لأن المسيحيين مواطنون أصيلون وليسوا بحاجة إلى الحماية، بل إلى وحدة ورؤية واضحة من أبناء الرعية ورؤساء الكنائس، معتبرا الحماية مؤشر ضعف وخطر، ويجب ألّا تكون مطلبا من الكنائس الأجنبية.
وختم حديثه بالتطرق إلى ما يعنيه الحفاظ على الوجود المسيحي في القدس بالنسبة لهوية المدينة ككل قائلا "هو الأساس ونحن ملح الأرض، ولا يوجد قدس بدون مسيحية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة