في عالم يبلغ فيه متوسط عمر الإنسان نحو 70 عاما، توجد فئة نادرة من البشر تعبر حاجز المئة وتسمى "معمّرين"، ثم تواصل لعقد أو أكثر حتى تتجاوز 110 أعوام فتحمل لقب "معمر فائق".
هؤلاء لا يطيلون الحياة سنوات قليلة فحسب -بعد المتوسط المتوقع- بل عقودا كاملة مما يجعلهم نموذجا استثنائيا لدراسة أسرار الشيخوخة البطيئة.
ورغم أن متوسط العمر فيها لا ينافس دولا مثل اليابان أو إيطاليا، تعد البرازيل بشكل لافت أرضا للمعمرين، إذ تضم عددا كبيرا منهم في سياق اجتماعي واقتصادي بعيد عن "الرفاهية الكاملة"، لكنها تتميز بشيء آخر يثير اهتمام العلماء وهو التنوع الجيني المذهل.
في مقال علمي نشرته مجلة "الطب النفسي الجينومي" (Genomic Psychiatry) يستعرض باحثون من البرازيل والولايات المتحدة وأوروبا ما توصلت إليه دراسة طولية جارية على المعمرين، ويرون أن التحيز نحو مجتمعات متجانسة جينيا في أبحاث الشيخوخة السابقة قد يكون ترك فجوة مهمة في فهمنا لطول العمر.
البرازيل واحدة من أكثر دول العالم اختلاطا جينيا، إذ تشكلت عبر قرون من تزاوج أصول السكان الأصليين مع المستعمرين البرتغاليين، وملايين الأفارقة الذين جُلبوا مستعبَدين، ثم موجات من المهاجرين الأوروبيين واليابانيين وغيرهم. هذا الخليط الواسع خلق امتزاجا لخلفيات سكانية متباينة داخل الفرد الواحد.
ويشير الباحثون إلى أن هذا التنوع أنتج ملايين المتغيرات الجينية التي لا تزال غير ممثلة بما يكفي في قواعد البيانات العالمية، وبعضها قد يكون مرتبطا بقدرة استثنائية على مقاومة الأمراض وضبط الالتهاب وإصلاح الخلايا مع التقدم في العمر.
كثير من هؤلاء يعيشون في مناطق فقيرة أو ريفية، مع وصول محدود إلى الرعاية الصحية المتقدمة، ومع ذلك ظلوا قادرين على أداء جزء من أنشطة الحياة اليومية واحتفظ بعضهم بقدرة لافتة على التركيز والتذكر.
في إحدى العائلات التي درسها الفريق كانت هناك امرأة في الـ110 من العمر وثلاث من بنات أختها تتراوح أعمارهن بين 100 و106 أعوام.
هذا التجمع العائلي النادر يقدم مثالا قويا على أن طول العمر قد يكون متوارثا بدرجة ما ويعزز فكرة "العائلات المعمرة" التي تحمل خليطا من الجينات والعوامل البيئية المميزة.
أحد الجوانب التي تشدد عليها الورقة هو أن سر طول العمر لا يختزل في الجينات وحدها، بل في الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع الزمن والضغوط البيولوجية.
وتشير دراسات سابقة استعرضها الباحثون إلى أن جهاز المناعة لدى كثير من المعمرين يبدو "أصغر" من عمرهم الزمني، أي أن مؤشرات المناعة لديهم تشبه ما يُتوقع لدى أشخاص أصغر عمرا، مع قدرة أفضل على ضبط الالتهاب والاستجابة للعدوى.
في البرازيل، سُجلت حالات لثلاثة من المعمرين الفائقين أصيبوا بكوفيد-19 عام 2020 قبل توفر اللقاحات وتعافوا من المرض رغم عمرهم المتقدم.
ويرى العلماء أن هذا الصمود يرتبط على الأرجح بمزيج من العوامل الجينية والوظيفية، من بينها كفاءة آليات توازن البروتينات داخل الخلية، وهي عملية حيوية للحفاظ على صحة الخلايا ومنع تراكم البروتينات التالفة التي ترتبط بأمراض الشيخوخة.
يشدد ماتيوس فيديغال دي كاسترو، الباحث في مركز أبحاث الجينوم البشري والخلايا الجذعية بجامعة ساو باولو، على أن التركيز على مجتمعات متجانسة جينيا في أبحاث الشيخوخة "يحرمنا من رؤية الصورة الكاملة"، إذ قد توجد متغيرات وقائية مهمة في مجتمعات مختلطة مثل البرازيل لا يمكن اكتشافها في عينات محدودة.
وتدعو عالمة الوراثة البرازيلية مايانا زاتس إلى أن تعيد الاتحادات البحثية الدولية النظر في نماذجها، عبر توسيع تجنيد المشاركين ليشمل مجتمعات متنوعة مثل البرازيل أو تمويل دراسات جينية ومناعية وطولية في بلدان الجنوب حتى لا تبقى معرفة الشيخوخة محصورة في شرائح محددة من البشرية، ولا تهمش مجموعات كاملة من الخرائط الجينية العالمية.
لا يعِد الباحثون بـ"شباب أبدي" ولا يدّعون أنهم اكتشفوا "جين الخلود"، لكنهم يطرحون فكرة بسيطة ومهمة: لكي نفهم الشيخوخة حقا يجب أن ننظر إلى تنوع البشر كله لا إلى جزء صغير منه.
والمعمرون الفائقون في البرازيل يقدمون مزيجا فريدا:
في هذا المزيج قد توجد بعض "الشفرات" التي تساعد على إبطاء إيقاع الشيخوخة أو تحسين القدرة على التعامل معها، ليس بهدف أن يعيش الجميع 110 أعوام بالضرورة، بل لكي تصبح سنوات العمر المتقدمة أكثر امتلاء بالصحة والقدرة بدل أن تكون مرادفا حتميا للتدهور والضعف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة