في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
انتقل النحاس إلى مرحلة جديدة من ارتفاع الأسعار، مدفوعا بتزامن طلب تقني متصاعد من بنية الذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة، وضيق الإمدادات المنجمية، وتحويل كميات كبيرة من المخزونات إلى الولايات المتحدة.
وقد أدى ذلك إلى شحّ المعدن المتاح خارج السوق الأمريكية، ونقل الضغوط إلى المصاهر الصينية ومنتجي الكابلات وسلاسل التصنيع المرتبطة بالشبكات الكهربائية والمركبات الجديدة.
وسجلت عقود النحاس في بورصة لندن مستوى قياسيا تجاوز 14 ألفا و700 دولار للطن في الثامن من سبتمبر/أيلول الجاري، في حين تجاوز عقد شنغهاي الرئيسي 110 آلاف يوان للطن (نحو 16 ألفا و400 دولار).
وذكرت صحيفة الاقتصاد الصينية أن السعر الفوري المحلي بلغ 111 ألفا و400 يوان للطن (نحو 16 ألفا و600 دولار)، بعدما ارتفع بأكثر من 50% مقارنة بمستويات تقل عن 70 ألف يوان للطن (نحو 10 آلاف و400 دولار) مطلع عام 2025.
لم تعد السوق تعتمد بالدرجة نفسها على الطلب التقليدي من البناء والأجهزة المنزلية، إذ تحول توسع مراكز البيانات إلى محرك إضافي لاستهلاك النحاس.
وحسب ما نقلته صحيفة الاقتصاد اليومية عن مسؤول في شركة تزِجين للتعدين، أصبحت مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي "محرك طلب فائقا" على النحاس، مع اعتمادها المتزايد على التبريد السائل وهياكل التغذية بالتيار المستمر عالي الجهد.
وتورد الصحيفة تقديرات تفيد بأن لوح التبريد السائل في خزانة حوسبة واحدة قد يستهلك ما بين 800 وألف كيلوغرام من النحاس، إلى جانب نحو 120 كيلوغراما لقضبان التوصيل في الرفوف و220 كيلوغراما لقضبان التيار المستمر بجهد 800 فولت.
كما تتوقع شركة "جيه بي مورغان" أن يتراوح استهلاك مراكز البيانات عالميا من النحاس في 2026 بين 475 ألفا و740 ألف طن، مع زيادة سنوية تقارب 110 آلاف طن.
ويتسع الأثر عبر شبكات الكهرباء والمحولات اللازمة لتغذية مراكز البيانات، وعبر السيارات الكهربائية التي تستخدم، وفق الصحيفة، نحو 80 إلى 100 كيلوغرام من النحاس للمركبة الواحدة، أي 3 إلى 5 أضعاف المركبات التقليدية. لذلك، فإن الطلب الجديد لم يعد مقتصرا على تجهيزات الحوسبة نفسها، وإنما يمتد إلى البنية الكهربائية التي تتيح تشغيلها.
الارتفاع الأخير لأسعار النحاس لا تفسره زيادة الطلب وحدها، فقد أشار تقرير موقع نت إيز الصيني، نقلا عن محللين في سوق العقود الآجلة، إلى أن التوقعات بإدراج النحاس المكرر ضمن رسوم الاستيراد الأمريكية خلقت حافزا قويا لتحويل المعدن إلى الولايات المتحدة قبل صدور أي قرار رسمي.
وكانت واشنطن قد فرضت رسوما بنسبة 50% على منتجات نحاسية نصف مصنعة، في حين ظل النحاس المكرر خارج القائمة مؤقتا.
وبحسب فو شياو يان، مديرة معهد أبحاث نانهوا للعقود الآجلة، فقد تراكم مخزون النحاس في مستودعات بورصة كومكس الأمريكية بنحو 767 ألف طن قصير (ما يقارب 696 ألف طن متري) بما يوازي نحو 70% من المخزونات الظاهرة في البورصات العالمية.
وأفادت المحللة بأن فارق السعر المرتفع بين عقود كومكس وبورصة لندن شجع التجار على نقل النحاس للولايات المتحدة الأمريكية للاستفادة من المراجحة المحتملة.
ونقل التقرير عن جو شياو أوو، مدير أبحاث المعادن غير الحديدية في شركة تزِجين تيان فنغ للعقود الآجلة، أن هذا التدفق حوّل السوق الأمريكية إلى مركز "لامتصاص" النحاس العالمي، في حين تقلصت كميات النحاس المكرر المتاحة للتداول في الأسواق غير الأمريكية.
ومع انخفاض مخزونات بورصة لندن وارتفاع نسبة أوامر سحب المخزون، ارتفعت علاوة النحاس الفوري على العقود الآجلة، في إشارة إلى أن المشكلة باتت تتعلق بندرة المعدن القابل للتسليم فورا، وليست بندرة فعلية مطلقة في إجمالي المعروض العالمي.
فارق السعر المرتفع بين عقود كومكس وبورصة لندن شجع التجار على نقل النحاس إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاستفادة من المراجحة المحتملة
بواسطة فُو شياو يان
تواجه المصاهر الصينية ضغوطا أشد من شركات التعدين، لأن ارتفاع سعر المعدن لا ينعكس بالضرورة في أرباحها، فقد ذكرت صحيفة الاقتصاد اليومية أن رسم معالجة مركزات النحاس في العقود طويلة الأجل لعام 2026 انخفض إلى صفر دولار للطن، مقارنة بـ21.25 دولارا سابقا، كما هبطت رسوم المعالجة الفورية إلى مستويات سالبة قاربت 201.56 دولار للطن، مما يعني أن المصاهر قد تدفع لقاء معالجة الخام بدلا من أن تحصل على أجر.
وأوضح مصدر من شركة صهر في جنوب غربي الصين للصحيفة أن بعض المصاهر باتت تعتمد على إيرادات المنتجات الثانوية، مثل حمض الكبريتيك والكبريت، لتغطية جانب من خسائرها.
غير أن تقرير نت إيز أشار إلى أن تراجع أسعار حمض الكبريتيك واتساع خسائر الصهر دفعا عددا من المصانع إلى خفض الإنتاج، مع احتمال استمرار هذا التقليص حتى الربع الرابع من هذا العام.
وتظهر الاستجابة لهذه التطورات في تعديل تركيبة المواد الأولية، فبدلا من الاعتماد الأكبر على مركزات النحاس، زادت بعض المصاهر استخدام النحاس الخام، وألواح الأنود، وبقايا الخردة.
ويذكر التقرير أن معدل تشغيل المصاهر المعتمدة على المركزات انخفض من 93.8% في مارس/آذار إلى 85.3% في يوليو/تموز، بينما ارتفع معدل تشغيل المصاهر التي تستخدم الخردة وألواح الأنود من 59.8% في فبراير/شباط إلى 72.3% في يونيو/حزيران.
يمتد ضغط السوق إلى صناعة الكابلات، إذ تمثل المواد الأولية، وفي مقدمتها النحاس والألمنيوم، بين 70% و90% من تكلفة الإنتاج لدى بعض الشركات.
وتنقل صحيفة الاقتصاد اليومية عن مسؤول في شركة كابلات صينية أن نحو ثلثي طلباتها عقود "مغلقة السعر"، أي لا تسمح بتعديل القيمة رغم ارتفاع أسعار المعادن، بينما لا تتجاوز مساحة التعديل في العقود الأخرى 3%.
وهذا ما يضع المنتجين أمام خطر انقلاب التكلفة على سعر البيع، خصوصا عند تنفيذ طلبات متفق عليها قبل أشهر.
ووفق تقرير موقع نت إيز، تتعامل الشركات اللاحقة في السلسلة مع ارتفاع السعر بحذر، فهي تشتري بالقدر الذي تفرضه الاحتياجات الفورية والعقود طويلة الأجل، وتتجنب بناء مخزونات مرتفعة عند قمم الأسعار، في حين يبقى الطلب من شبكات الكهرباء والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة داعما أساسيا للمشتريات الضرورية.
في المقابل، تتجه قطاعات أخرى إلى بدائل مادية على رأسها الألمنيوم، وتنقل صحيفة الاقتصاد توضيح ليو جي جيان، أمين مجلس إدارة شركة تونغدا للكابلات، بأن استخدام موصل ألمنيوم أكبر حجما بدرجتين يمكن أن يحقق قدرة نقل تيار مماثلة للنحاس، مع خفض تكلفة الشراء بنحو 70% في التطبيقات المناسبة.
لا تزال النظرة العامة تميل إلى بقاء النحاس عند مستويات مرتفعة، مدعوما بطلب الذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة وبطول دورة تطوير المناجم، التي قد تستغرق بين 8 و10 سنوات للمشروعات الجديدة، وفق ما أوردته صحيفة الاقتصاد اليومية، لكن الارتفاع ليس بالضرورة خطيا أو مستداما بالوتيرة نفسها.
ويرى محللو موقع نت إيز أن المسار القصير الأجل يتوقف بصورة كبيرة على قرار الولايات المتحدة بشأن الرسوم على النحاس المكرر، فإذا تم فرض الرسوم فعلا، فقد يستمر سحب الموارد إلى الولايات المتحدة ويشتد النقص خارجها، أما إذا لم تفرض، أو إذا جاءت النتائج بأقل من توقعات السوق، فقد تعود بعض المخزونات إلى الأسواق الأخرى ويحدث تصحيح تلقائي بفعل انكشاف رهانات المضاربة.
وعليه، فإن "سباق النحاس" يجسد تحول المعدن إلى مورد إستراتيجي لاقتصاد الذكاء الاصطناعي والتحول الكهربائي، لكنه يكشف أيضا هشاشة سلاسل التوريد أمام قرارات التجارة والمخزون.
وبحسب القراءات الصحفية التحليلية، فإن الصين لا تواجه ارتفاعا في كلفة مادة أولية فحسب، بل تتعامل مع إعادة توزيع عالمية للموارد تضغط على المصاهر، وتختبر هوامش مصانع الكابلات، وتسرّع عمليات التحوط وإعادة التدوير والبدائل التقنية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة